سور القرآن، دروس ومحاور - من دروس سورة التوبة

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة التوبة

من دروس السورة

الدرس الأول: فرصة العمر ومشروع المستقبل

فطر الله سبحانه وتعالى الإنسان على حب التملك لذلك يظل طيلة حياته يعمل ويسعى ويعقد الصفقات التجارية ويبيع ويشتري طمعًأ في أن يتملك أكبر قدر من المال وتظل هذه صفة الإنسان حتى لو ملك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة لأنه مشغول البال بشكل متواصل على المستقبل الذي لا يدري ماذا خبأ له من مفاجآت. قال عليه الصلاة والسلام: لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى ثالثًا ولا يملأ جوفه إلى التراب ويتوب الله على من تاب. ولقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يجري عقدًا بينه وبين المجاهدين من عباده حيث استخلص الله عز وجلّ لنفسه أنفس المؤمنين وأموالهم فاشتراها منهم وبذل لهم ثمنًا باهظًا لقاء أنفسهم وأموالهم وقد حدثتنا سورة التوبة عن هذا العقد الخطير وعن الطرفين المتعاقدين وعن السلعة المعقود عليها وعن الثمن المبذول وعن مكان تسليم السلعة المشتراة وعن شروط المشتري.

(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١١١﴾ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١١٢﴾ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴿١١٣﴾ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴿١١٤﴾)

إن هذا العقد هو أخطر عقد يعقده الإنسان في حياته وهو عقد معروض لكل من يريد أن يبيع نفسه لله تعالى ويتقاضى الجنة عوضًا عن نفسه وماله. ولما كانت سورة التوبة تتحدث عن البرآءة من النفاق والمنافقين كان من المناسب أن تحض المؤمنين على إخلاص البيعة لله تعالى لأن هذا الدين يحتاج إلى رجال تغلب أفعالهم أقوالهم وتنعدم المسافة بين ظاهرهم وباطنهم. فلنتكلم عن تفاصيل هذا العقد لكي يكون كل من يريد أن يكون طرفًا في هذا العقد على بينة من أمره فيعطي ما عليه ليأخذ ما له.

أولًا: يجب أن يعلم المسلم أهمية هذا العقد هو أخطر يقيمه في حياته كلها وهو مشروع العمر الذي تبلغ أرباحه حدًا لا يوصف كثرة ونماء فهو إذن جدير بالاهتمام والدراسة، فسلعته هي نفسه التي بين جنبيه وإن أي سلعة تعرف قيمتها من ثلاثة أشياء من ثمنها ومن مشتريها ومن المنادي عليها. فالسلعة هي النفس والمشتري هو الله سبحانه وتعالى والمنادي عليها هو محمد صلى الله عليه وسلم والثمن هو جنة عرضها السموات والأرض أعدها الله سبحانه وتعالى لكل من وفّى بشروط هذا العقد. ولا يفوتنا أن ننبه إلى تكريم الله للإنسان إذ يدعوه لعقد هذه الصفقة وهذا يدل على عظم سلعة الإنسان وهي نفسه وماله وكأن الله سبحانه وتعالى ينبه الإنسان إلى قيمة سلعته وأن بإمكانه أن يبيعها بأبهظ الأثمان إن أراد هو ذلك فهل رأيت مشتريًا يعامل بائعًا بهذا الصدق؟! إننا نعهد المشترين يبخسون الباعة سلعهم لكي يحصلوا عليها بثمن زهيد ولكن رب العزة سبحانه وتعالى يأبى إلا أن ينبّه الإنسان إلى عظم سلعته ويأبى إلا أن يبذل لها من الثمن ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

ثانيًا: والحقيقة إننا لا نستطيع أن نطلق على هذا العقد تسمية عقد بيع لأن عقد البيع كما يقول الفقهاء عقد معاوضة أي يأخذ كل من البائع والمشتري عوض ما بذل فالمشتري يأخذ السلعة عوضًا عن ماله والبائع يأخذ المال عوضًا عن سلعته أما في هذا العقد الذي تحدثت عنه سورة التوبة والذي نحن بصدد دراسته نرى أن البائع يستفيد من بيع سلعته فهو سيتقاضى عليها ثمنًا باهظًا جدًا وهي فرصة عمره التي لن يجد لها مثيلًا وأما المشتري وهو الله سبحانه وتعالى فإن هذه السلعة لا تزيد ولا تنقص من ملكه شيئًا وإن الغاية التي يريد تحقيقها بهذه السلعة يستطيع تحقيقها بدون هذه السلعة ويزداد الأمر وضوحًا إذا علم أن السلعة التي يريد الله سبحانه وتعالى شراءها هو الذي وهبها للبائع تفضلًا وتكرمًا منه وأن البائع لم ينلها باستحقاقه وعمله لذلك نقول إن هذا العقد في حقيقته هو عقد هبة حيث وهب الله سبحانه وتعالى النفس والمال للإنسان ثم يعرض عليه شراءها ويبذل لها ثمنًا باهظًا جدًا ليزيد في ربح الإنسان ويحقق له مصلحة فيعيش سعيد الدارين وقد قال بعض الحكماء: إذا أراد أن يُظهر فضله عليك، خلق ونسب إليك.

ثالثًا: إن المشتري وهو الله سبحانه وتعالى هو أصدق من أعطى عهدا وقد وعد سبحانه وتعالى أن يبذل ثمن السلعة للإنسان وهي ثمن نفسه وماله، قال تعالى في هذه الآية من سورة التوبة (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). والمطلوب من المؤمنين أن يوفوا بعهدهم مع الله سبحانه وتعالى فيسلموا له أنفسهم وأموالهم لأنهم باعوه إياها فلا يحق لهم أن يستبقوا لأنفسهم شيئا من هذه السلعة لأنهم عقدوا الصفقة وسيتقاضون الثمن وقد قال عليه الصلاة والسلام: المؤمنون عند شروطهم. وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) وتسليم السلعة لله عز يعني وقفها على أمره فلا يتقدم الإنسان ولا يتأخر إلا بأمر الله تعالى فهو المالك الحقيقي للسلعة فالله نهى عن الاقتراب من المحرمات وأمر بالتزام الطاعات فمن كان وفيًا مع ربه في عقده التزم وأطاع ولا يحق له بعد هذا البيع إن هذا الأمر أعجبني وهذا لم يعجبني أو هذا أقنعني وهذا لم يقنعني، وما علاقة البائع بهذا؟ فالمشتري حرّ التصرف بسلعته يضعها حيث يشاء. وقد أراد الله سبحانه وتعالى من المؤمنين الذين باعوا أنفسهم لله أن يسلموه هذه السلعة في ميدان القتال والجهاد في سبيل الله وقد دلّهم على طريقة التسليم عندما قال (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) فالجهاد في سبيل الله تجارة رابحة ربحها لا حد له نصر وظفر وعزة في الدنيا ونعيم وفوز ورضوان من الله في الآخرة.

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿٧﴾ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴿٨﴾ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴿٩﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿١٠﴾ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿١١﴾ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١٢﴾ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٣﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ﴿١٤﴾ الصف)

قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بيعة العقبة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت فقال عليه الصلاة والسلام: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم، قال عبد الله بن رواحة: فما لنا إن فعلنا ذلك؟ قال عليه الصلاة والسلام: الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل. لقد أخذوها صفقة ماضية نافذة بين متبايعين انتهى أمرها وأُمضي عقدها فلا رجعة فيها ولا خيار والجنة ثمن مقبوض لا موعود، أليس الوعد من الله سبحانه؟ أليس الله هو المشتري الذي وعد بالثمن وعدًا قديمًا في كل كتبه كما قال تعالى (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ) والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة فهو ذروة سنام الإسلام وهو مطلوب من كل مؤمن فما دام هناك باطل يقف حجر عثرة في طريق الإسلام وما دام هناك ظلم وعبودية لغير الله تعالى كان الجهاد في سبيل الله. قال عليه الصلاة والسلام: من مات ولم يغزو ولم يحدّث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق.

(كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴿٧﴾ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ﴿٨﴾ اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٩﴾ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ﴿١٠﴾ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿١١﴾ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ﴿١٢﴾ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿١٣﴾ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴿١٤﴾ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿١٥﴾ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿١٦﴾)

رابعًا: لا بد للإنسان أن يعلم أن سلعته وهي نفسه التي بين جنبيه سلعة مآلها إلى الفناء فهي سلعة محدودة الصلاحية فإذا انتهى وقت صلاحياتها لحقها الموت فأوقف عملها فيخسرها الإنسان إن لم يستثمرها وخير استثمار لها هو أن يعقد هذا العقد مع الله سبحانه وتعالى فإذا ما أبى الإنسان أن يبيع نفسه وماله لله تعالى اشترتها منه جهة أخرى ولكن بشروط مختلفة وسعر زهيد، إنها جهة الشيطان وحزبه حيث يسلم الإنسان نفسه لها فيخسرها ويخسر الفرصة التي عرضها الله تعالى عليه فيوبق نفسه بالمعاصي فيكون مصيره إلى العذاب الذي لا ينتهي. قال تعالى عن الشيطان (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) [الكهف: 50] إن الإنسان الذي يخطئ في المفاضلة بين أن يبيع نفسه لله أو أن يبيعها للشيطان غير جدير بهذا العقد بل إن سلعته لا تصلح لعقد كهذا فهي نوع رديء من السلع لا يتناسب مع الثمن المبذول. وإن صاحب هذه السلعة لا يستطيع أن يلتزم بشروط هذا العقد فأين هو من ساحة القتال التي تتطاير فيها الرؤوس ويحمى فيها الوطيس؟ إن الصحابي الجليل صهيب بن سنان أراد كفار مكة أن يمنعوه من الهجرة إلى المدينة المنورة إلا إذا ترك كل ما يملكه من مال فما تردد لحظة واحدة في تسليم ماله لهم فتركوه يهاجر فلما وصل إلى المدينة ورآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ربح البيع أبا يحيى! قال الله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) [البقرة: 207].

(أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿١٩﴾ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴿٢٠﴾ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ﴿٢١﴾ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿٢٢﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿٢٣﴾ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿٢٤﴾)

ولكن الجهاد الذي بايع الله عليه المؤمنين فاشترى منهم أنفسهم وأموالهم وبذل لهم الجنة من أجله ليس مجرد اندفاع للقتال إنما هو قمة تقوم على قاعدة من الإيمان المتمثل في شعائر ومشاعر وأخلاق وأعمال والمؤمنون الذين عقد الله معهم البيعة والذين تتمثل فيهم حقيقة الإيمان هم قوم تتمثل فيهم صفات إيمانية أصيلة، قال الله تعالى في آيات هذا الدرس من سورة التوب واصفًا عباده الذين يصلحون لهذه البيعة (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١١٢﴾) هؤلاء هم الذين عقد الله معهم بيعته وهذه هي صفاتهم: توبة ترد العبد إلى الله وتكفّه عن الذنب وتدفعه للعمل الصالح وعبادة تصله بالله وتجعل الله معبوده وغايته ووجهته وحمد لله على السراء والضراء نتيجة الاستسلام الكامل لله والثقة برحمته وعدله وسياحة في ملكوت الله مع آيات الله الناطقة على الحكمة والحق في تصميم الخلق وأمر المعروف ونهي عن المنكر يتجاوز صلاح الذات إلى صلاح العباد والحياة وحفظ لحدود الله يرد عنها العادين والمعتدين ويصونها من التهجم والانتهاك فليست الحياة لهوًا ولعبًا وليست الحياة أكلًا كما تأكل الأنعام بل لها غاية طالما فصّلها القرآن وتحدث عنها. فليبادر الذين يريدون الجنة إلى إبرام هذا العقد مع الله عز وجلّ فالسوق قائمة والثمن مبذول والسلعة أمامها فرصة لتباع ولكن لا يفوتنا أن نذكر إخواننا أن السلعة إذا تلفت في يد البائع قبل تسليمها لا يستحق ثمنها من المشتري.

 

سورة التوبة

من دروس السورة

الدرس الثاني: رسالة إلى المتخلفين عن رسول الله

لا بد لكل مسلم من تأهيل عالي يجعله جديرًا بالانتساب إلى الله والخلود في رحمته ونفسه التي بين جنبيه هي موضع التزكية والتنقية وليس لطريق الكمال نهاية يقف لديه المسلم فهو ما بقي حيّا مكلّف بالأمر والنهي مطالبٌ بالنظر في نفسه فلعل فضلة شرّ بقيت يجب استئصالها أو نشأت من جديد يجب أن يمحوها ولو أنه أمِن تسرب الكبائر والصغائر إلى نفسه ووثق من ارتداد الوساوس الآثمة عنه فإن حقوق الله تعالى من تعبّد محض تبقى في عنقه ما دام فيه نفس يتردد حتى يلقى الله وهو ذاكر شاكر مستسلم الفؤاد والجوارح. إن الإنسان الذي لا يخطيء غير موجود على سطح هذه البسيطة إذا استثنينا الأنبياء الذين عصمهم الله تبارك وتعالى وإن تربية الإسلام للإنسان تجعل منه مخلوقا مهف الحس فإذا ما وقع في الخطأ شعر بخطورة بعده عن الله تعالى فما أسرع أن يعود تائبًا إلى ربه متهمًا نفسه بالزجر والتقصير سائلا ربه العفو والرحمة، قال تعالى (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون).

وقد تحدثت سورة التوبة تلك السورة التس نستلهم منها هذا الدرس تحدثت عن نموذجين من الناس:

الأول هم المنافقون الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وبخلوا بأموالهم وأنفسهم أن يبذلوها في سبيل الله عز وجلّ واعتذروا للنبي صلى الله عليه وسلم بأعذار تافهة تعبّر عما في قلوبهم من إحساس سميك في علاقتهم مع الله عز وجلّ فهم لا يريدون إلا سلامة أنفسهم أموالهم ولو أدى ذلك إلى دمار كل شيء.

(فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴿٨١﴾ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿٨٢﴾ فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ ﴿٨٣﴾ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴿٨٤﴾ وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴿٨٥﴾ وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴿٨٦﴾ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴿٨٧﴾)

النموذج الثاني هم المؤمنون الذين باعوا أنفسهم وأموالهم لله عز وجلّ فآمنوا به ونصروا رسوله وجاهدوا في سبيله.

ثم تتعرض الآيات في سورة التوبة مشيرة إلى قصة الثلاثة الذين تخلّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهم من الصحابة الكرام الذين باعوا أنفسهم وأموالهم لله ولكنهم بحكم الضعف البشري تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وآثروا الراحة على الجهاد في هذه الغزوة فكانت النتيجة أن أخّر رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم فيهم إلى وقت لاحق وأمر الناس أن يعتزلوهم مع أن رسول الله قبل أعذار المنافقين الذين تخلّفوا عنه في هذه الغزوة ولم يعنّفهم بل وكل أمرهم إلى الله عز وجلّ. ثم بدأت رحلة العذاب النفسي مع هؤلاء الثلاثة وإن ضخامة معاناتهم كانت نابعة من إيمانهم العميق فإن المنافق إذا أذنب ذنبًا لا يأبه ولا يهتم ولكن المؤمن الصادق لا يستطيع العيش متخلفًا عن رسول الله وعن هديه الرشيد بل تضيق الأرض عليه وتضيق نفسه عليه فلا يهدأ له بال ولا يطيب له عيش إلا إذا تاب الله عليه وعاد ليلحق بركب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿١١٥﴾ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴿١١٦﴾ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿١١٧﴾ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿١١٨﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴿١١٩﴾ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٢٠﴾ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٢١﴾)

لقد عاش هؤلاء الصحابة الكرام في زنزانة متجولة طيلة خمسين ليلة لا يرقأ لهم دمع ولا يهنأ لهم عيش لأن المؤمن حياته متعلقة برضا ربه فإذا ما شعر بأن الله قد جفاه لذنب قد أحدثه فلا سعادة ولا راحة إلا إذا تاب الله عليه. إن قصة الثلاثة الذين خلّفوا ستبقى درسًا يتلى إلى قيام الساعة، إن الأرض ضاقت عليهم كما ضافت عليهم أنفسهم لأنهم تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة واحدة فماذا يجب أن يكون حال الذين يتخلفون عن رسول الله في كل يوم مرات ومرات هل يشعرون بهذا الشعور أو يا ترى هل يأبهون بهذا الأمر أصلًا؟! إن الساهي عن صلاته متخلف عن رسول الله وإن المتساهل في حجابها متخلفة عن رسول الله وإن الذي لا يغض طرفه عن محارم الله متخلف عن رسول وإن آكل الربا متخلف عن رسول الله وإن الذي لا يقيم شرع الله في بيته متخلف عن رسول الله وإن الذي يجافي القرآن الكريم فلا يتلوه ولا يتعلم منه متخلف عن رسول الله، وقد تجتمع كل هذه الصور في شخص واحد وقد يجني هذه الجنايات في يوم واحد فهل تضيق الأرض عليه؟! وهل تضيق نفسه عليه؟! وهل يسعى للاصطلاح مع الله عز وجلّ فيتوب إلى الله ويلحق بركب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! إن التخلف عن رسول الله جناية عظيمة لا يدرك خطورتها إلا كل مؤمن أما المنافق الذي يأكل ويتمتع كما تتمتع الأنعام فلا يأبه لذلك كله، إنه يريد أن يعيش اللحظات التي هو فيها من غير حساب لما سيأتي. ألا ما أبعد المسافة بين المؤمن الذي يرى سعادته الحقيقة برضا ربه عنه فيقيم علاقة حب وعبادة مع خالق السماء والأرض ومالك الملك وبين الشارد عن الله الذي لا يتعدى نظره اللقمة التي يأكلها أو الثوب الذي يلبسه أو المركبة التي يمتطيها ولكننا نقول لهؤلاء الشاردين عن ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الفرصة أمامكم فلا تضيعوها وإن باب التوبة إلى الله لا يُغلق في وجه أحد من خلقه.

(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٥٣﴾ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴿٥٤﴾ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴿٥٥﴾ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴿٥٦﴾ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴿٥٧﴾ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٥٨﴾ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آَيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿٥٩﴾ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴿٦٠﴾ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٦١﴾ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴿٦٢﴾ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٦٣﴾ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ﴿٦٤﴾ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٦٥﴾ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴿٦٦﴾ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٦٧﴾ الزمر)

إن التوبة إلى الله لا بد فيها من ندم على ما فات من تقصير يعبّر فيها عن اعتراف بالذنب وعزم على معاودة اللحاق بركب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن من موجبات التوبة الصحيحة كسرة خاصة تحصل للقلب لا يشبهها شيء ولا تكون لغير المذنب تجعل العبد ذليلًا خاشعًا بين يدي ربه كحال عبدٍ هارب من سيده فأُخذ فأُحضر بين يديه ولم يجد من ينجيه من سطوته ولم يجد منه بدًا ولا عنه غنى ولا منه مهربا وعلم أن حياته وسعادته وفلاحه ونجاحه في رضاه عنه وقد علم سيده بتفاصيل جناياته هذا مع حبه لسيده وشدة حاجته إليه وعلمه بضعفه وعجزه وقوة سيده وذله وعز سيده فيجتمع من هذه الأحوال كسرة وذلة وخضوع ما أنفعها للعبد وما أجزل عائدها عليه وما أقربه بها منلسيده فلا شيء أحب لسيده من هذه الكسرة والخضوع والتذلل والانطراح بين يديه فلله ما أحلى قوله في هذه الحالة: "اسألك بعزتك وذلي إلا رحمتني، أسألك بقوتك وضعفي، وبغناك عني وفقري إليك، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي كثير وليس لي سيد سواك ولا ملجأ ولا منجى منك إليك أسألك مسألة المسكين وابتهل ابتهال الخاضع الذليل وأدعوك دعاء الخائف الضرير سوال من خضعت رقبته إليك ورغم لك أنفه وفاضت لك عيناه وذلّ لك قلبه. فهذا وأمثاله من آثار التوبة المقبولة فمن لم يجد ذلك في قلبه فليتهم توبته وليرجع إلى تصحيحها بالتوبة النصوح.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴿٦﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٧﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٨﴾ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿٩﴾ التحريم)

إن قارئ سورة التوبة لا ينبغي له أن يغادرها دون أن يقف على درس التخلّف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن وجد في نفسه لحاقًا بهذا الركب الكريم فليسأل الله لنفسه الثبات وإن لم يكن كذلك فليبادر إلى إصلاح شأنه قبل فوات الأوان. فما أجمل أن يعيد الإنسان تنظيم نفسه بين الحين والحين وأن يرسل نظرات ناقدة في جوانبها ليتعرف عيوبها وآفاتها، يجب وضع كل شيء في موضعه الصحيح وأن تُهمل الأشياء التي لا قيمة لها، ألا تستحق حياة الإنسان مثل هذا الجهد؟! ألا تستحق نفسك أن تتعهد شؤونها بين الحين والحين لترى ما عراها من اضطراب فتزيله وترى ما لحقها من إثم فتنفيه عنها مثلما تنفي القمامة من الأماكن الظاهرة، ألا تستحق النفس بعد كل مرحلة تقطعها من الحياة أن نعيد النظر فيما أصابها من غنم أو غرم وأن نعيد إليها توازنها واعتدالها لما رجّتها الأزمات وهزّها العراك الدائب على ظهر الأرض في تلك الدنيا المائجة؟ ألا ينبغي لنا أن نقيس أنفسنا على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم لنعلم مدى التحاقنا بركبه علي الصلاة والسلام، هل نحن معه أم تخلفنا عنه؟ لا زال هناك وقت للتدارك ولا زال هناك متسع لكل من أراد أن يلحق بهذا الركب الكريم.

(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿١٧﴾ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿١٨﴾ النساء)

إن صوت الحق يهتف في كل مكان ليهتدي الحائرون ويتجدد البالون، قال عليه الصلاة والسلام: إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل فيُعطى؟ هل من داعٍ فيستجاب له؟ هل من مستغفر فيغفر له حتى ينفجر الفجر، ورحم الشاعر القائل:

قُم في الدجى يا أيها المتعبد

حتى متى فوق الأسرّة ترقد

قم وادع مولاك الذي خلق الدجى

والصبح وامضِ فقد دعاك المسجد

واستغفر الله العظيم بذلّة

واطلب رضاه فإنه لا يحقد

واضرع وقل يا رب عفوك إنني

من دون عفوك ليس لي ما يعضد

أسفا على عمري الذي ضيعته

تحت الذنوب أنت فوقي ترصد

يا رب هب لي توبة أقضي بها

دينًا عليّ به جلالك يشهد

من أيّ بحر غير برك نستقي

 

ولأيّ باب غير بابك نقصد



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل