سور القرآن، دروس ومحاور - محور سورة التوبة

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة التوبة

محور السورة: التبرؤ مما سوى الله ونبذ من اختار غير هداه

إن البرآءة من المشركين والمنافقين وكل من اختار غير هدى الله سبحانه وتعالى هو الدرس الكبير في هذه السورة بل هو عنوان هذه السورة الذي يربط مواضيعها بعضها ببعض.

جاء دور سورة التوبة بالكلام أنزلها الله سبحانه وتعالى لسد الثغرة التي كلفها الله بها إذ أن كل سورة من سور القرآن الكريم إنما هي لبنة من بناء المجتمع المسلم الذي يريد الله سبحانه وتعالى أن يؤسسه بهذا القرآن ليقدم للعالم نموذجًا عن مجتمع تولى الله عز وجلّ تربيته وتوجيهه ولا زالت تعاليم هذا المجتمع موجودة في القرآن الكريم يتتظر من يتمثل بها في واقعه ليتخرج في هذا القرآن المجتمع الذي سينقذ البشرية مما هي فيه.

تتشابه سورة الأنفال مع سورة التوبة وتتشابك معها في كثير من المواضع فبعد أن تحدثت سورة الأنفال عن أسباب وشروط نصر الله سبحانه وتعالى الذي يؤيد به عباده المؤمنين جاءت سورة التوبة لتضيف سببًا أساسيًا يستنزل به المؤمنون نصر الله سبحانه وتعالى إنه التبرؤ مما هو سوى الله ونبذ العهود مع المشركين ورفض مجاملات المنافقين وفضحهم وهتك أستارهم. ودخلت سورة التوبة في الموضوع مباشرة فأعلنت برآءة الله ورسوله من المشركين وشأن هذه البرآءة خطير وكبير فهي من الله عز وجلّ ومن رسوله صلى الله عليه وسلم ومن نتائجها أن يرتفع الأمان عن المشركين ولعل ذلك سر عدم افتتاح سورة التوبة بالبسملة لأن البسملة أمان وسورة برآءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان.

(بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١﴾ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ﴿٢﴾ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٣﴾ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴿٤﴾ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٥﴾)

ثم تذكر الآيات سبب هذه المفاصلة بين المجتمعين مجتمع الإسلام ومجتمع الكفر والشرك والنفاق، إن مجتمع الإسلام مجتمع وفاء وصدق لا ينكث عهوده ولا يغدر وأما مجتمع الكفر فهو يتحين الفرص للفتك بالمسلمين لتدميرهم وتصفيتهم فهم لا يرقبون في مؤمن إلًّا ولا ذمة كما أخبر الله تعالى لذلك لا بد من قتالهم وإراحة العالم من مكرهم وضلالهم وليكن ذلك على أيدي المؤمنين الذين وكلهم الله بتطهير العالم من الظلم والطغيان. وقد اتبعت الآيات أسلوبًا جديدًا في حثّ المؤمنين على قتال المشركين فذكرتهم بالمسجد الحرام ومسؤوليتهم عنه وأنه لا ينبغي أن يبقى تحت سلطان المشركين وسيطرتهم فهم غير أكفاء لعمارة المسجد الحرام والواجب على المسلمين أن يقاتلوهم لتطهير هذه البقعة المباركة منهم. ثم يؤكد السياق القرآني في سورة التوبة على فضل الجهاد في سبيل الله وأنه أفضل من عمارة المسجد الحرام وأنه ينبغي على المؤمن أن يعشق هذه العبادة التي فرضها الله حراسة للدين وحراسة للدعوة إلى الله تعالى فلا يقدم عليها شيئا من محبوباته في الدنيا سواء كان أهلًا أو مالًا أو متاعًا فكل ذلك إلى زوال ولكن يبقى أثر الإنسان محفوظًا عند الله تعالى.

(أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿١٩﴾ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴿٢٠﴾ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ﴿٢١﴾ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿٢٢﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿٢٣﴾ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿٢٤﴾)

ولما كان محور سورة التوبة هو تأكيد الولاء لله تعالى والتبرؤ مما سواه جاءت بعض آيات سورة التوبة لتذكّر المؤمنين بالدرس الذي علّمهم الله إياه في غزوة حنين إذ اغترّ بعض المؤمنين بكثرة الجيش وقالوا: "لن نُغلب اليوم عن قلّة"، فكانت هذه الكلمة تتنافى مع موالاة الله لأن ولاء المسلم لله تعالى يستدعي التوكل عليه وحده لا على الأسباب الظاهرة التي يغترّ بها الذين لا صلة لهم بالله سبحانه وتعالى لذلك شاءت حكمة الله تعالى أن تكون الغلبة للكفار في أول المعركة لكي تتطهر قلوب المؤمنين من أن يكون فيها نصيب لغير الله فالتبرؤ مما سوى الله يعني أن يكون القلب هو بيت الرب سبحانه وتعالى وأن لا يتسع لغيره معه.

ثم تمضي الآيات في سورة التوبة لتؤكد الدرس الكبير من هذه السورة الجليلة فتأمر المؤمنين بتطهير المسجد الحرام من نجس المشركين لأن البرآءة من المشركين تستدعي عدم السماح لهم بدخولهم فالبيت الحرام هو رمز التوحيدلله فلا شأن لغير الموحدين به والجدير بالذكر أن لفظ النجاسة هنا يقصد به نجاسة بواطنهم وفساد عقائدهم وليس المقصود نجاسة أجسادهم.

(لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴿٢٥﴾ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴿٢٦﴾ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٢٧﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٢٨﴾)

ثم تلتفت الآيات بعد ذلك إلى ذكر المشركين من أهل الكتاب وذكر بعض فضائحهم وفي هذا تأكيد لدرس السورة الذي يفرض على المؤمنين التبرؤ من أهل الشرك من الملل الأخرى فالشرك والكفر ملة واحدة لا فرق بين ملله ونِحله. ثم تطرقت الآيات لذكر حالات كانت عند العرب في الجاهلية تشبه ما عليه الأحبار والرهبان عند أهل الكتاب إذ كان بعض أصحاب المناصب الدينية يستغلون مكانتهم ومناصبهم فيعبثون في أوقات العبادة ويغيّرون مواضع الشهور عن مواقعها الأصلية في السنة اتباعًا لأهوائهم ومراعاة لمصالحهم كما استغل الأحبار والرهبان مناصبهم الدينية فأكلوا أموال الناس بالباطل وفي هذا تأكيد على أن المبطلين والضُلّال تتشابه نواياهم ومصالحهم إنهم يمتطون الدين ليصلوا من خلاله إلى مآربهم الدنيئة. وقد جاءت سورة التوبة بهذا الدرس العظيم درس التبرؤ مما سوى الله ونبذ من اختار غير هداه لتعلن للمؤمنين أن هذا الدين دين الله وحده فيجب أن يكون الولاء له وحده فنوالي من والى الله ونعادي من عاداه.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٣٤﴾ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴿٣٥﴾ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴿٣٦﴾ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴿٣٧﴾)

وبمناسبة الحديث عن أهل الكتاب وضلال عقائدهم وفساد أحبارهم ورهبانهم ينتقل السياق القرآني إلى ذكر محاولتهم القضاء على هذا الدين من خلال الحديث عن غزوة تبوك وما حصل فيها حيث يعد النبي العدو لقتال الروم أعتى قوة في الأرض آنذاك تأكيدًا للمفاصلة بين التوحيد وبين الشرك وبرآءة ممن اختار غير الصراط المستقيم الذي أراد الله من البشرية أن تسير وفق هداه فنزلت الآيات تستنهض همم المؤمنين وتعاتب الذين تثاقلوا إلى الأرض خوفًا من الجهاد في سبيل الله. والجدير بالذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم استنفر أصحابه لغزوة تبوك في قت عسرة وقحط وقيظ مع بعد المسافة وكثرة العدو وقوته وخرج النبي صلى الله عليه وسلم بأكبر قوة عسكرية حشدها في حياته بلغت ثلاثين ألف مجاهد في شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة وما إن سمع الروم بخروجه عليه الصلاة والسلام حتى امتلأت قلوبهم رعبًا فانسحبوا من مواقعهم في تبوك ووصل النبي صلى الله عليه وسلم إليها ونصب فيها راياته وبثّ سراياه في البلاد المحيطة وأخضعها لسلطانه وأخذ من أهلها الجزية وعاد إلى المدينة مظفّرًا منتصرًا. وقد اتخذت الآيات غزوة تبوك مناسبة للحديث عن المنافقين وكشفهم وتنظيف المجتمع المسلم منهم فلم تغادر أحدًا من المنافقين إلا فضحتهم لذلك سميت سورة التوبة المبعثرة لأنها أخرجت ما في قلوبهم ونفوسهم وقد كانت غزوة تبوك اختبارًا كبيرًا محّصت المؤمنين وميّزتهم عن المنافقين وكشفت كذب الكاذبين وأظهرت صدق الصادقين. ولما أعلنت الآيات النفير العام استجاب المؤمنون الصادقون لدعوة الجهاد وتثاقل المنافقون وتخلّفوا فاتجهت الآيات إليهم توبخهم وتظهر عجزهم وضعفهم أمام نفوسهم وأهوائهم.

(انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٤١﴾ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿٤٢﴾ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴿٤٣﴾ لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴿٤٤﴾ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴿٤٥﴾ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ)

إن كشف المنافقين وفضح أمرهم ضرورة من ضرورات بناء المجتمع المسلم إذ لا بد من تطهيره من الطفيليات العالقة به تريد امتصاص خيراته والاستفادة من مزاياه وتسعى في هدمه وموالاة أعدائه فلا بد إذن من كشفهم وذكر جرائمهم والتبرؤ منهم. وإن الآيات التي تولت مهمة فضحهم إنما تؤكد درس هذه السورة ومحورها التي دارت آياتها في فلكه فلا بد من المفاصلة العملية والشعورية إنهم لا ينتمون إلى المجتمع المسلم بشيء مطلقًا فهم لا يجاهدون ويثبطون المؤمنين عن الجهاد ويبتغون إثارة الفتن وإذا ما أنفقوا شيئًا من المال فرياء وسمعة ويأتون الصلاة وهم كسالى ويؤذون النبي صلى الله عليه وسلم ويتهمونه بالبساطة وأنه يصدّق كل ما يقال له فإذا أُعطوا من الصدقات رضوا وإذا لم يُعطوا إذا هم يسخطون وهم قبل كل شيء يكفرون بالله ورسوله ويوالون أعداء المسلمين، فأيّ غدر وأيّ خيانة بعد ذلك؟! ولماذا يكون لهم مكان ومكانة في مجتمع المسلمين؟ بل لا بد من التبرؤ منهم ولا بد من فضحهم لكيلا يغترّ بهم بسطاء الناس. وقد نُهي النبي صلى الله عليه وسلم صراحة عن الاستغفار لهم لأن الله سبحانه لن يغفر لهم إنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين.

(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٦١﴾ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ﴿٦٢﴾ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ ﴿٦٣﴾ يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ ﴿٦٤﴾ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴿٦٥﴾ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ﴿٦٦﴾ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿٦٧﴾ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴿٦٨﴾)

وكم هو الفرق شاسع بين المنافقين الذين اعتذروا عن الجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعذارًا واهية مضحكة وبين المؤمنين الصادقين الذين جاؤوا إلى النبي ليحملهم إلى المعركة لأنهم لا يملكون ثمن الرواحل فأخبرهم أنه لا يجد لهم ما يحملهم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا أن لا يجدوا ما ينفقون. وقد قصّت سورة التوبة قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن اللحاق برسول الله إلى غزوة تبوك وهم من المؤمنين الصادقين حيث تخلّفوا عنه ولم يكن لهم عذر حقيقي فاعترفوا بذنبهم أمام رسول الله وقد وصف القرآن شعورهم الداخلي بأن الأرض مع رحابتها ضاقت عليهم وكأنهم في زنزانة متجوّلة ثم تاب الله عليهم بعد ذلك. ولما كان محور سورة التوبة هو البرآءة من الشرك والمشركين فقد قررت سورة التوبة من خلال حديثها عن إبراهيم عليه السلام أن هذا التبرؤ من مستلزمات العقيدة حتى ولو كان المشركون من أقرب الناس إلينا فيا أيها الذين آمنوا قاتلوهم وتبرّأوا منهم وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله معكم ناصرًا ومؤيدًا ما دمتم متقين.

وختمت السورة بالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ومنّة الله تعالى على الناس بإرساله إليهم وفيه تأكيد على درس هذه السورة الكريمة درس التبرؤ مما سوى الله فلو تخلّى كل الناس عن رسالة الله إليهم ولم ينصره أحد فالله حسبه ينصره ويؤيده فهو قادر على كل شيء ومالك كل شيء وهو رب العرش العظيم.

 

(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿١٢٨﴾ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴿١٢٩﴾)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل