سور القرآن، دروس ومحاور - بين يدي سورة التوبة

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة التوبة

بين يدي السورة

سورة التوبة سورة مدنية وهي سجل صادق للأحداث الكبيرة التي شهدتها الدهوة الإسلامية في السنتين الثامنة والتاسعة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم: فتح مكة، وغزوة حنين وغزوة تبوك، إعلان البراءة من المشركين ونبذ عهودهم في موسم الحج العام التاسع.

اسم السورة

سورة التوبة لها أسماء كثيرة كلها تدل على موضوعها والغرض الذي جاءت لتؤديه. قال علماء التفسير: هي سورة التوبة وسورة برآءة وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا ذُكر له سورة برآءة قال: هي إلى العذاب أقرب، ما أقلعت عن الناس حتى ما كادت تدع منهم أحدًا، لذلك سميت سورة العذاب. وذكر فيها التوبة على المؤمنين فهي سورة التوبة. وسميت سورة المقشقشة فهي تقشقش من النفاق أي تبرّئ منه، قال ابن عمر: وهل فعل بالناس الأفاعيل إلا هي، ما كنا ندعوها إلا المقشقشة أي المبرّئة. وسميت المبعثرة لما كشفت من سرائر الناس وبعثرت عن سرائر المشركين والمنافقين وهي الفاضحة والمنكّلة والمدمدمة والحافرة لأنها فضحت المنافقين وحفرت عن اسرارهم فضحتهم ونكلت بهم ودمدمت عليهم. قال ابن عباس في هذه السورة إنها الفاضحة ما زالت تنزل بالمنافقين وتنال منهم حتى خشينا أن لا تدع أحدً.ا وسميت أيًضا البَحوث لأنها تبحث عن أسرار المنافقين وهي سورة المنقّرة لأنها نقرت عما في قلوب المشركين وكل هذه الأسماء مبثوثة معانيها في ثنايا هذه السورة الجليلة.

ما ورد فيها من الحديث

وهي بمثابة تفسير لبعض آياتها أو ذكر سبب نزولها أو استشهاد من السنة المطهرة ببعض آياتها.

عن ابن عباس قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات ثم أتبعه عليًا فبينا أبو بكر في بعض الطريق إذ سمع رغاء ناقة رسول الله فخرج أبر بكر فزعًا فظن أنه رسول الله فوجد أنه عليّ فدفع إليه عليًا كتاب رسول الله وأمر عليًا أن ينادي بهؤلاء الكلمات فانطلقا فحجّا فقام عليّ أيام التشريق فنادى: ذمة الله ورسوله بريئة من كل مشرك فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ولا يحجنّ بعد العام مشرك ولا يطوفنّ بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا مؤمن. وكان عليّا ينادي فإذا عييّ قام أبو بكر فنادى بها، وهذه أحكام نزلت في سورة التوبة.

وعن ثوبان قال: لما نزلت (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فقال بعض أصحابه: أنزل في الذهب والفضة ما أنزل، لو علمنا أي المال خيرا فنتخذه، فقال صلى الله عليه وسلم: أفضله لسان ذاكر وقلب شاكر وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه.

وعن عديّ بن حاتم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: يا عدي اطرح عنك هذا الوثن وسمعته يقرأ في سورة برآءة (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئًا استحلوه وإذا حرّموا عليهم شيئا حرّموه.

وعن أنس بن مالك أن أبا بكر حدّثه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟.

وعن ابن عباس قال سمعت عمر بن الخطاب يقول: لما توفي عبد الله بن أبيّ دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولت حتى كنت في صدره فقلت يا رسول الله أعلى عدو الله عبد الله بن أبي القائل يوم كذا كذا وكذا وكذا يعدّ أيامه ورسول الله يبتسم حتى إذا أكثرت عليه قال أخّر عني يا عمر إني خُيّرت فاخترت، قد قيل لي (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) لو أعلم لو أني زدت على السبعين غفر له لزدت قال ثم صلى عليه ومشى معه فقام على قبره حتى فرغ منه قال: فعُجِب لي ولجرأتي على رسول الله، والله ورسوله أعلم فوالله ما كان إلا يسيرًا حتى نزلت هاتان الآيتان (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴿٨٤﴾) قال: فما صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله.

وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أُسس على التقوى من أول يوم فقال رجل: هو مسجد قباء وقال الآخر: هو مسجد رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو مسجدي هذا.

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية.

وعن علي قال: سمعت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت: أتستغفر لأبويك وهما مشركان فقال: أوليس استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴿١١٣﴾ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴿١١٤﴾).

مناسبة السورة لما قبلها

تشترك سورة الأنفال مع سورة التوبة في كثير من المواضع فكل منهما تتم الآخرى فتفصل ما أجملت وتوضح ما خفي وقد ظن كثير من الناس أن هاتين السورتين هما سورة واحدة لكثرة ما بينهما من تشابه. ومن أوضح المناسبات بين السورتيم الكريمتين أن الله سبحانه وتعالى ختم الأنفال بإيجاب أن يوالي المؤمنين بعضهم بعضًا وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية لأن الكفار بعضهم أولياء بعض يفترقون فيما بينهم في كثير من الأهداف والمصالح ولكن تجمعهم وتوحدهم عداوة المسلمين أمر الله سبحانه وتعالى أن يتولى المؤمنون بعضهم بعضًا وأن يتبرأوا من الكفار وافتتح سورة التوبة بإعلان براءته سبحانه وتعالى وبرآءة رسوله من المشركين قد سميت هذه السورة سورة برآءة لهذا السبب فمن ذا الذين يوالي من تبرأ الله ورسوله منهم؟! إنه إذن مثلهم.

وهناك مناسبة أخرى بين السورتين وهي أن الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين في سورة الأنفال أن يكونوا أوفياء في عهودهم ومواثيقهم مع أعدائهم فإذا ما أرادوا أن ينقضوا عهدهم معهم وجب عليهم أن يخبروهم بذلك قال تعالى في سورة الأنفال (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴿٥٨﴾) ثم جاء أمر الله تعالى في سورة التوبة أن ينبذ المؤمنون عهودهم مع المشركين لأن الله تبرأ منهم فلا عهد بينهم وبين المؤمنين.

(بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١﴾ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ﴿٢﴾ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٣﴾ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴿٤﴾ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٥﴾ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٦﴾)

وقد اشتركت هاتان السورتان في وضع أصول العلاقات الدولية الخارجية والداخلية وأحكام السلمو الحرب وأحوال المؤمنين الصادقين والكفار والمنافقين وأحكام المعاهدات والمواثيق وذُكر في السورتين صدّ المشركين عن المسجد الحرام والترغيب في إنفاق المال في سبيل الله وتفصيل الكلام في قتال المشركين وبيان أوضاع المنافقين. وقد فصّلت سورة الأنفال توزيع غنائم الحروب وتولت سورة التوبة ذكر مصارف الزكاة الثمانية قال تعالى في سورة التوبة (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٦٠﴾).

إجمال مواضيع السورة

إن أول ما يلفت نظر القارئ لسورة التوبة هو سقوط البسملة من أولها وقد قال ابن عباس: سألت عليًا رضي الله عنه لم لم يكتب في برآءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان وبرآءة نزلت بالسيف ونبذ العهود وليس فيها أمان. وقال سفيان بن عيينة إنما لم تكتب في هذه السورة البسملة لأن التسمية رحمة والرحمة أمان وهذه السورة نزلت باللمنافقين وبالسيف ولا أمان للمنافقين. وهناك رأي آخر نقله الإمام القرطبي عن القشيري وهو قوله: والصحيح أن التسمية لم تكتب لأن جبريل عليه السلام ما نزل بها في هذه السورة فلم يكتبها الصحابة في المصحف الإمام مقتدين ذلك بأمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه كما قال الترمذي.

بدأت السورة ببراءة الله ورسوله من المشركين ومنحهم مدة أمان أربعة أشهر ثم إعلان الحرب عليهم بسبب جرمهم ثم منعهم من دخول المسجد الحرام إلى الأبد. وبالجملة فقد تضمن مقطع السورة الأول تحديد العلاقة بين المسلمين والمشركين عامة في جزيرة العرب مع إبراز الفوارق بين عقيدة وسلوك المشركين وبين عقيدة المسلمين وأنه لا بد من المفاصلة بين هذين الاتجاهين لأنهما لا يلتقيان في شيء فلا بد من حسم هذه العلاقة ووضع قواعد تحكمها من ِقبَل الله عز وجلّ

(كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴿٧﴾ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ﴿٨﴾ اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٩﴾ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ﴿١٠﴾ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿١١﴾ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ﴿١٢﴾ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿١٣﴾ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴿١٤﴾ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿١٥﴾ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿١٦﴾)

ثم ينتقل السياق بعد ذلك لتحديد العلاقة مع أهل الكتاب عامة وأن الإسلام مستقل بذاته له طبيعته الخاصة التي تحدد العلاقة مع أهل الكتاب الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله يحلّون ويحرّمون لهم من عند أنفسهم وهذا فرق واضح بين الاتجاهين.

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴿٣٠﴾ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٣١﴾ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴿٣٢﴾ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴿٣٣﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٣٤﴾ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴿٣٥﴾)

ثم يأخذ سياق السورة في استنهاض همم المؤمنين للجهاد في سبيل الله وترغيبهم في ثواب الآخرة والتخفيف من شدة الثقلة التي تجذبهم إلى الأرض حتى لا يتكاسلوا في الجهاد في سبيل الله وحضهم النص القرآني على النفير للجهاد خفافًا وثقالًا وأن الخروج فيه أجر كبير وبذل المال في سبيل إعلاء منهج الله خير من التشبث بالأرض والخلود إلى نعيم الدنيا وزينتها. ويذكرهم الله سبحانه بأنه سينصر عبده ولن يتخلى عنه فإن الذي حفظه في الغار ونجاه من أعدائه لن يتخلى عنه حتى يظهره على الدنيا كلها.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴿٣٨﴾ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٣٩﴾ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٤٠﴾ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٤١﴾)

ثم يجيء الحديث عن المنافقين حيث يتولى السياق القرآني في سورة التوبة فضحهم ووصف أحوالهم النفسية والعملية ومواقفهم في غزوة تبوك وكشف حقيقة نواياهم وحيلهم ومعاذيرهم في التخلف عن الجهاد وبثّ الضعف والفتنة والفرقة في الصف المسلم ويحذر السياق القرآني المؤمنين من كيد المنافقين لهذه الدعوة ولأصحابها.

(فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴿٨١﴾ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿٨٢﴾ فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ ﴿٨٣﴾ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴿٨٤﴾ وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴿٨٥﴾)

ثم تصنف الآيات بعد ذلك الناس في المجتمع المسلم مجتمع الصحابة الذين عاش إلى جوارهم أعراب منهم الصالح ومنهم الطالح وهناك آخرون خلطوا عملا صالحًأ وآخر سيئا ولم يتم انطباعهم بالطابع الإسلامي وهناك طائفة مجهولة الحال لا تعرف حقيقة مصيرها متروك أمرها لله وهناك متسترون باسم الدين والنص القرآني يصنّف كل هؤلاء ليعلّم المسلمين كيفية التعامل معهم.

(الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٩٧﴾ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٩٨﴾ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٩٩﴾ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١٠٠﴾)

والمقطع الأخير من السورة يتحدث عن طبيعة البيعة الإسلامية مع الله على الجهاد في سبيله وأن هذا الجهاد هو واجب أهل المدينة ومن حولهم وأنهم لا يحل لهم أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ثم تأتي قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله وتوبته عليهم وفي النهاية تختم السورة بصفته عليه الصلاة والسلام وتوجيهه من ربه بالتوكل عليه وحده والاكتفاء بكفالته سبحانه وتعالى.

 

(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿١٢٨﴾ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴿١٢٩﴾)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل