سور القرآن، دروس ومحاور - محور سورة الأنفال

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة الأنفال

محور السورة: نصر الله، أسبابه وشروطه

إن الحديث عن أسباب النصر الذي هو من عند الله هو الدرس الكبير في سورة الأنفال بل هو المحور الذي يربط مواضيع السورة بعضها ببعض. إننا نلاحظ من خلال ما سبق من الحديث عن السور القرآنية التي سبقت سورة الأنفال أن هذه السور الكريمة مترابطة فيما بينها تشكل بمجموعها منهاج الله سبحانه وتعالى الذي يريد أن يربي به هذه الأمة الخاتمة، فكل سورة تؤدي غرضًا تحتاجه الأمة في بنائها وتسد الثغرات التي يمكن أن يتسلل الشيطان منها ليفسد على الأمة غرض هذه السورة. وهكذا تتكامل سور القرآن كأنها حبات عقد خلّاب كل حبة فيه لهه مكانتها وخصائصها التي لا تعوض بغيرها إطلاقًا. إن سورة الأنفال جاءت لتضيف لبنة في بناء هذه الأمة وهي لبنة أساسية لا تقوم بدونها الأمة جاءت هذه السورة لتلقي درسًا عن الجهاد في سبيل الله الذي يكون مؤدّاه إلى النصر إذا التزم المجاهدون بتعليمات الله في هذا الجهاد وقد اتخذت سورة الأنفال غزوة بدر الكبرى واسطة تتحدث من خلالها عن شروط الجهاد الذي يريده الله من هذه الأمة وعن أسباب النصر المطلوب التزامها والذي يتحقق بها وعد الله للمؤمنين بالنصر دائما كمًا قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) محمد) وقال أيضًا (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم: 47] لذلك كان لزامًا على أفراد الأمة المهتمين بنصر أمتهم وعلو شأنها أن يصيخوا السمع لسورة الأنفال لتلقي درسها عليهم فيتعلموا منها معنى الجهاد وغاية الجهاد وأسباب النصر وعوامل الهزيمة. فإلى سورة الأنفال نستقرؤ آياتها درس الحكمة في استنزال نصر الله.

 بدأت سورة الأنفال حديثها عن آخر ما كان في غزوة بدر إنها مسألة الغنائم التي اختلف عليها المجاهدون، وقد أولت هذه السورة أمر الغنائم والأنفال اهتمامًا كبيرًا جدًا فقد جُمعت الغنائم بعد الغزوة واختلف عليها المجاهدون وساءت فيه أخلاقهم كما عبّر عن ذلك عبادة بن الصامت رضي الله عنه. وسبب اهتمام السورة بموضوع الأنفال هو خشية أن يتسلل النزاع والخلاف والخصومة إلى صفوف المؤمنين، فلا بد إذن من المبادرة إلى معالجة هذا الأمر قبل أن يستفحل وتمتد جذوره إلى جسم الأمة فيصعب علاجه لذلك نجد أن النص القرآني نزع الغنائم من أيدي المجاهدين وجعلها في حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم بادر بعد ذلك إلى فرض علاجات وقائية تحمي جسم الأمة من الوقوع في الاختلاف والمنازعة فأمرهم بتقوى الله وإصلاح ذات البَيْن وطاعة الله ورسوله لأن الأمة المختلفة فيما بينها لا تعرف طريقًا للنصر طالما هي على هذه الحال.

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿١﴾ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿٣﴾ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿٤﴾)

ثم يرشد الله سبحانه وتعالى المجاهدين في كل زمان ومكان من خلال حديثه عن غزوة بدر يرشدهم إلى أن يكون جهادهم إعلاء لكلمة الله واستنقاذًا للبشرية مما وقعت فيه من الإنحراف والضلال فقد خرج الصحابة رضوان الله عليهم إلى بدر لكي يقطعوا الطريق على قافلة أبي سفيان المحملة بالبضائع والأموال وكان ذلك ردًا على كفار قريش الذين صادروا أموالهم بمكة ولكن الله سبحانه يأبى أن يكون خروجهم إلا لوجهه الكريم فقد قدّر الله سبحانه أن تفوتهم قافلة الأموال ليجدوا بدلًا منها صناديد الكفر ورموز الجاهلية يقفون في وجههم ليكون قتالهم إحقاقًا للحق وإبطالًا للباطل وهذا أهم أسباب النصر الذي ينزل من عند الله والذي تولّت سورة الأنفال الحديث عنه. وإذا كان النصر من عند الله فقط وليس من أي جهة أخرى فلا بد من استرضائه وطلب العون منه ولا بد من طاعته وطاعة رسوله. ولقد نبهت سورة الأنفال من خلال حديثها عن أسباب النصر أن الله هزم الكفار وأنزل ملائكته ليضربوا أعناقهم ويقطعوا أطرافهم لأنهم شاقوا الله ورسوله فأنزل بهم شديد العقاب. وقد تكلمت سورة الأنفال في عدة مواضع منها عن ضرورة طاعة الله ورسوله وأن ذلك يعتبر السبب الأساسي في نصر الله للأمة وتأييده وعونه وإذا تخلت الأمة عن طاعة الله ورسوله وكلها الله إلى نفسها وتخلّى عنها إذ أن شأنها عنده أصبح ضئيلًا ولا تستحق نصره ومدده وإن حرب الكفار للمؤمنين وكرههم لهم سببه أنهم يطيعون الله ويعبدونه ويقدمون أوامره فإذا ما تخلى المؤمنون عن هذه الطاعة صاروا كغيرهم من أهل الباطل فترفع يد العناية عنهم ويوكلون إلى أنفسهم.

(وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ﴿٧﴾ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ﴿٨﴾ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴿٩﴾ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿١٠﴾ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴿١١﴾ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴿١٢﴾ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿١٣﴾)

وفي معرض الحديث عن أسباب النصر من خلال سورة الأنفال يوصي الله سبحانه المؤمنين المجاهدين بلقاء العدو بشجاعة واستبسال وأن لا يولوهم ظهورهم فالله سبحانه يقاتل معهم ويرمي معهم ويتولى قيادة المعركة من عليائه، ويوصيهم أن يتذكروا أنه معهم يعينهم بتأييده ورزقه، وأن لا يعتمدوا على كثرتهم وأن يوفوا بعهد الله ولا يخونوا وأن يتقوا الله ولا يفتنوا بأموالهم وأولادهم، إنها أسباب النصر تحتشد في سورة الأنفال لأن النصر هو مستقبل هذه الأمة فهي أمة يتولى الله قيادها وصناعتها منصورةٌ من قِبَل الله طالما أنها تلتزم منهاجه وتعاليمه. وقد فصّل الله أسباب هزيمة الكفار تحذيرًا للمؤمنين أن يتشبهوا بهم فيكونوا مثلهم. إنهم يريدون قتل صاحب هذه الدعوة صلى الله عليه وسلم ويزعمون أنهم قادرون على الإتيان بمثل القرآن الكريم ويستعجلون عذاب الله إن كان الحقُّ الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم من عنده، إنهم ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ليضِّل الناس وتنتشر الفاحشة ويعم الفساد ويا لها من مطالب خسيسة! فما أبعد هؤلاء وأمثالهم في كل زمان ومكان ما أبعدهم عن نصر الله وتأييده! فلا بد إذن أن يتولى جند الله أمرهم، لا بد من القضاء عليهم لأنهم يمثلون الخراب والفحش. فيا جند الله قاتلوهم حتى لا تنتشر الفتن في الأرض وحتى يعم الصلاح أهل الأرض فيتوجهون إلى الله بالعبادة طائعين. إن الإسلام لا يحارب أشخاصهم بل يحاربهم باعتبارهم رموزًا للكفر والفساد فإذا ما تابوا إلى الله وانتهوا عن غيّهم وضلالهم فإن الله يغفر لهم ما مضى من فسقهم. فالله لا حاجة له بتعذيب الخلائق ولكن الألوهية من جانب الله تقتضي العبودية في كل ما سواه ولا بد من تربية العصاة الذين يتكبرون على منهاج رافع السماء بلا عمد.

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴿٣٦﴾ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٣٧﴾ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ﴿٣٨﴾ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٣٩﴾ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴿٤٠﴾)

ولما كان الحديث في سورة الأنفال عن أسباب النصر تحتشد هنا بعض عوامل النصر وراء بعضها وكأن النص القرآني يتوق إلى إبلاغها للمسلمين المجاهدين في سبيله فيوصيهم بالثبات عند لقاء العدو والاتصال بالله بالذكر والطاعة لله والرسول وتجنب النزاع والشقاق والصبر على تكاليف المعركة والحذر من البطر والرياء والبغي.

·         فأما الثبات فهو بداية الطريق إلى النصر فأثبتُ الفريقين أوْلاهما بالغَلبة وقد أخبر المولى سبحانه وتعالى المجاهدين أن عدوهم يألم كما يألمون هم ويعاني أشد مما يعانون هم ولكنهم لا يرجون من الله ما يرجون هم، فلا مدد لهم من رجاء في الله يثبت أقدامهم وقلوبهم. وأما الذين آمنوا فما الذي يزلزل أقدامهم وهم واثقون من إحدى الحسنيين: الشهادة أو النصر؟ بينما عدوهم لا يريد إلا الحياة الدنيا وهو حريص على هذه الحياة التي لا أمل له وراءها ولا حياة له بعدها.

·         وأما ذكر الله عند لقاء العدو الذي أكدت عليه سورة الأنفال في معرض حديثها عن أسباب النصر فهو التوجيه الدائم للمؤمن وهو يؤدي وظائف شتى، إنه الاتصال بالقوة التي لا تُغلَب والثقة بالله الذي ينصر أولياءه والذكر عند لقاء العدو يساعد على استحضار أهداف الجهاد في سبيل الله فهي معركة لله وليست لأمر آخر. كما أن الأمر بالذكر في هذه الساعة الحرجة فيه تأكيد على أهمية هذه العبادة والإكثار منها في كل الأوقات.

·         وأما طاعة الله ورسوله فهي الأصل في حقيقة الانتساب لهذا الدين والدفاع عنه والجهاد في سبيله.

·         وأما الصبر فهو الصفة التي لا بد منها لخوض المعركة، أية معركة، سواء في ميدان النفس أم في ميدان القتال.

·         وأما البطر والرياء والبغي فهو يصرف نيّة المقاتل من كونه قتالًا لله ولإعلاء كلمته إلى أن يكون قتاله إرضاء لحظّ نفسه ورياء لإظهار بأسه وشجاعته واستخفافًا بدماء الناس التي تُسال.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٤٥﴾ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿٤٦﴾ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴿٤٧﴾ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٤٨﴾ إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٤٩﴾)

ولما كان الإسلام دين السلم والسلام أنزله الله لرعاية مصالح الناس وسعادتهم في الدنيا والآخرة والقتال في الإسلام ليس غاية بحد ذاتها إنما هو وسيلة لعزّة المسلمين وأمنهم وتأمين انتشار دعوتهم ولذلك شرع الله سبحانه وتعالى إلى جانب القتال قيام العهود والمواثيق بين المسلمين وغيرهم وأمر الله سبحانه برعاية هذه المعاهدات والوفاء بها ما دامت الأطراف الثانية ترعاها وتحفظها. فإذا ما شعر المسلمون أن عدوهم سينقض مواثيقه ويغدر بهم فإن الله أمرهم والحالة هذه أن ينبذوا إليهم عهدهم أي أن يُعلموهم أنهم نقضوا عهدهم معهم فالإسلام يحرّم الغدر لأنه دين الصدق والوفاء. والمسلمون مكلّفون بتعاليم الإسلام في السلم والحرب ومع الصديق والعدو. وقد روت كتب السنة أن معاوية رضي الله عنه كان يسير في أرض الروم وكان بينه وبينهم عهد فأراد أن يدنو منهم فإذا انقضى الأمد غزاهم، فإذا شيخ على دابة يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاءٌ لا غدر، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلنّ عقدة ولا يشدّها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء. فبلغ ذلك معاوية رضي الله فرجع فإذا بالشيخ عمرو بن عنبسة الصحابي رضي الله عنه. 

(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٥٥﴾ الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ ﴿٥٦﴾ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿٥٧﴾ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴿٥٨﴾ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴿٥٩﴾)

ثم يأتي بعد ذلك الحديث على الآية المشهورة في سورة الأنفال التي تأمر المؤمنين بإعداد ما يستطيعون من القوة ليرهبوا بها عدو الله وعدوهم القوة التي تجهل عدوهم يحفظ عهوده ومواثيقه معهم وهاهنا إشارة لا بد منها في هذا الدرس من سورة الأنفال: إن الله سبحانه وتعالى أكد مرارًا في هذه السورة على وجوب طاعة الله ورسوله والإلتزام بصراط الله المستقيم وقد حكت بعض آيات هذه السورة عن أسباب هزيمة الله للمشركين بسبب كفرهم وعنادهم ورفضهم طاعة الله ورسوله وتكرار الأمر بهذه الطاعة يعني وجوبها بشكل كامل دون نقص فلا يطاع الله بشيء دون شيء بل الاستجابة لله في كل شأن وفي كل حال فالطاعة كاملة وإعداد القوة مطلوب قدر المستطاع وكل واحد من هذين الشرطين لازم غير كافي فمن أطاع ولم يعدّ القوة فقد أخلّ بطاعته ومن اهتم بإعداد القوة وصرف الوقت والجهد في تحصيلها فهو غير جدير بنصر الله تعالى ولما كان النصر من عند الله حصرًا كان لا بد من استرضائه والاصطلاح معه. وبعد الأمر بإعداد القوة في سورة الأنفال يأتي الحديث عن الجنوح للسلم إذا جنح لها الأعداء لكي يكون السلم عن قوة لا عن ضعف وتخاذل.

(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴿٦٠﴾ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٦١﴾)

وفي نهاية المطاف تتحدث سورة الأنفال عن سبب من أهم أسباب النصر لا بد منه في بنية الجيش المجاهد في سبيل الله ألا وهو الابتعاد عن موالاة الكفار وضرورة التآخي والتوالي بين المؤمنين الذين يقاتلون في خندق واحد وأن تكون قلوبهم عامرة بالحب والود لبعضهم البعض فهم الذين يقفون معًا سدًا منيعًا في وجه الطغيان والكفر فلا يليق بهم التنافر والتنابذ وإن العقيدة التي وحّدتهم على عبادة الله ووحدت هدف حياتهم وتفاصيل عيشهم قادرة على أن تنتزع من قلوبهم كل ما يحول بينهم وبين أخوتهم في الله وما أبعد الأمة الي يتنافر أفرادها ويعمّ جو الكراهية والبغض بينهم ما أبعدهم عن نصر الله وتأييده ومدده!

 (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴿٧٣﴾ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿٧٤﴾ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٧٥﴾)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل