سور القرآن، دروس ومحاور - بين يدي سورة الأنفال

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة الأنفال

بين يدي السورة

سورة الأنفال سورة مدنية تضمنت التعليق على أحداث غزوة بدر الكبرى وتوجيه المؤمنين إلى عوامل النصر في المعارك ضد أعدائهم وفيها بعض الأوامر والمناهي التي تتعلق بهذا المجال.

اسم السورة

سميت هذه السورة سورة الأنفال لأنها نزلت لتفصيل قسمة الأنفال بين المؤمنين. وأصل النفل هو الزيادة ومعناه الغنيمة لأن الغنيمة زيادة على ما يحصل للمجاهد من ثواب الجهاد، حيث حاز الصحابة رضوان الله عليهم في معركة بدر على غنائم غنموها من المشركين فاختلفوا في قسمتها قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه: فينا أصحاب بدر نزلت (يسألونك عن الأنفال) حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه رسول الله بين المسلمين عن بواء - أي عن سواء - وأخذ الأنفال والغنائم والاستفادة منها خاصية جعلها الله في هذه الأمة دون غيرها من الأمم وفي الحديث الصحيح: أُعطيت خمسًا لم يعطهنّ أحد قبلي، وذكر من بينها قوله: وأحلت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد من قبلي. وسميت هذه السورة أيضًا سورة الجهاد لما ذُكر فيها من أحكام الجهاد وقواعده وأسباب النصر والهزيمة وذكر الغاية التي من أجلها يقاتل المجاهدون في سبيلها.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ﴿١٥﴾ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿١٦﴾ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿١٧﴾ ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ ﴿١٨﴾ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٩﴾)

ما ورد فيها من الحديث

والتي هي أسباب نزول لسورة الأنفال وتفسير لبعض آياتها:

عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: لما كان يوم بدر جئت بسيف فقلت يا رسول الله إن الله قد شفى صدري من المشركين، هب لي هذا السيف، فقال: هذا ليس لي ولا لك، فقلت: عسى أن يعطي هذا السيف من لا يبلي بلائي فجاءني الرسول فقال: إنك سألتني وليس لي وإنه قد صار لي وهو لك، قال: فنزلت (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿١﴾)

عن عمر بن الخطاب قال: نظر نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا فاستقبل صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مدّ يديه وجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض، فما زال يهتف بربه مادّا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداءه من منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه فقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك لربك إنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله تبارك وتعالى (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴿٩﴾) فأمدّهم الله بالملائكة.

وعن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على المنبر (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) فقال ألا إن القوة الرمي إلا إن القوة الرمي إلا إن القوة الرمي، ألا إن الله سيفتح لكم الأرض وستكفون المؤنة فلا يعجزن أحدكم أن يلهو بأسهمه.

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لم تحلّ الغنائم لأحد سود الرؤوس من قبلكم، كانت تنزل نار من السماء فتأكلها فلما كان يوم بدر وقعوا في الغنائم قبل أن تحلّ لهم فأنزل الله تعالى (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٦٨﴾).

مناسبة السورة لما قبلها

سورة الأعراف هي سورة تقييم حضارات الأمم السابقة وبيان وزنها وقيمتها عند الله سبحانه وتعالى وقد قص الله سبحانه وتعالى فيها أخبار الأمم التي كان لها شأن وصولة وجولة وكيف كان موقفها مع أنبيائها وكيف تلقّت هذه الأمم أوامر الله عز وجلّ ثم بعد ذلك كيف كان المصير الذي صارت إليه هذه الأمم وما هو وزن التحضّر الذي وصلت إليه في ميزان الله عز وجلّ، كل ذلك كان في سورة الأعراف، ولما كانت هذه الأمة أمة الإسلام هي الأمة التي استخلفها الله عز وجلّ بعد هذه الأمم وكان قد قصّ علينا أنباءها ناسب ذلك أن يقصّ خبر نبيه الخاتم صلوات الله وسلامه عليه كما قصّ أخبار الأنبياء السابقين في سورة الأعراف فكانت سورة الأنفال بمثابة تسجيل لبعض مشاهد السيرة النبوية وبالذات لحدث مهم جدًا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وحياة أصحابه ودولته ألا وهو غزوة بدر التي تولت سورة الأنفال التعليق على أحداثها وتربية جيل الصحابة بآياتها وتصحيح الكثير من المفاهيم والقيم لديهم لأن الله عز وجلّ أنزل هذا القرآن ليصمم من خلاله الأمة التي سيكلفها بحمل أمانة البلاغ لأمم الأرض قاطبة. ونحن إذا قرأنا سورة الأعراف بتدبر وتمعّن لرأينا أن مقصودها وجوب اتباع أمر الإله جلّ وعلا والاجتماع عليه وهذا هو المقصد الذي سعى موكب الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم إلى تحقيقه مع أقوامهم. وإذا قرأنا سورة الأنفال لرأينا فيها حضًا على وجوب اتباع الداعي الذي أرسله الله للأمة الخاتمة برسالته الأخيرة وأدلّ دليل على ذلك أن الصحابة لما اختفلوا في أمر غنائم غزوة بدر جعل الله عز وجلّ أمرها للنبي صلى الله عليه وسلم فهو يوزعها بما يوحيه إليه ربه سبحانه وتعالى، ويظهر من هذا المعنى تكامل هاتين السورتين فالأعراف فيها وجوب اتباع الله سبحانه وتعالى والأنفال فيها وجوب اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم.

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿١﴾ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿٣﴾ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿٤﴾)

إجمال مواضيع السورة

تضمنت سورة الأنفال عدة مواضيع تلتقي كلها في مكان واحد حيث تخصصت هذه السورة بالتعليق على أحداث غزوة بدر الكبرى ونزل بهذه المناسبة العديد من الأحكام الفقهية والتوجيهات الربانية. وقد افتتحت هذه السورة بعرض آخر ما حدث في غزوة بدر وهو مسألة تقسيم الغنائم حيث اختلف الصحابة في شأنها فنزل أمر الله مبينًا حكم ذلك التقسيم لأن الاختلاف أمر خطير وله تأثير سلبي كبير ولو أنه حدث في أول معركة لأدّى إلى نتائج خطيرة ولكن الله سلّم فحدث الإختلاف بعد النصر وأنزل الله بطشته الكبرى بالمشركين وحُسمت مادة الخلاف بنزول حكم الله سبحانه وتعالى وبإذعان الصحابة رضوان الله عليهم لكلام الله وكلام رسوله.

ثم أخذ السياق القرآني يذكرهم بما أرادوا لأنفسهم من العير والغنيمة وما أراده الله لهم من النصر والعزّة وكيف سارت المعركة وهم قلّة لا عدد لها ولا عدّة وأعداؤهم كثرة في الرجال والعتاد وكيف ثبّتهم الله بمدد من الملائكة وبالمطر يستقون منه ويغتسلون ويثبت الأرض تحت أقدامهم فلا تسوخ في الرمال وبالنعاس يغشاهم فيسكب عليهم السكينة والطمأنينة وكيف ألقى في قلوب أعدائهم الرعب وأنزل بهم شديد العقاب. ثم يأمر المؤمنين أن يثبتوا في كل قتال مهما كانت قوة أعدائهم فإن الله هو الذي يقتل وهو الذي يأمر وهو الذي يدبر ثم تأتي نداءات متكررة للذين آمنوا ليستجيبوا لله ورسوله إذا دعاهم لما يحييهم وليذكرهم بنصره لهم وليعدهم أن يجعل لهم فرقانًا في قلوبهم إن هم اتقوه وما ينتظرهم من فضل الله الذي تتضاءل دونه الغنائم والأنفال.

(وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ﴿٧﴾ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ﴿٨﴾ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴿٩﴾ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿١٠﴾ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴿١١﴾ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴿١٢﴾ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿١٣﴾ ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ ﴿١٤﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ﴿١٥﴾ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿١٦﴾ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿١٧﴾)

ثم يمضي السياق يذكر المؤمنين بالماضي عندما كانوا قلة مستضعفة يخافون أن يتخطفهم الناس فآواهم وأيّدهم بنصره وهذا أمر تتضاءل إلى جانبه الأنفال والغنائم كما تهون إلى جانبه التضحيات والمشاقّ. وتصور الآيات موقف المشركين وهم يبيّتون لرسول الله قبيل الهجرة ويتآمرون وهم يعرضون عن ما معه من الآيات ويزعمون أنهم قادرون على الإتيان بمثلها لو يشاؤونز ثم يذكر عنادهم باستعجالهم العذاب إن كان هذا هو الحق من عند الله ثم يأمر الله المسلمين بعد ذلك أن يقاتلوا الكفر وأهله حتى يكون الأمر كله لله تعالى ويبشرهم بأنه معهم يثبتهم وينصرهم فإنه نعم المولى ونعم النصير.

(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴿٣٠﴾ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿٣١﴾ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٣٢﴾ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴿٣٣﴾ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٣٤﴾)

ويعود السياق القرآني مرة أخرى ليبين بعض الأحكام المتعلقة بالجهاد ومن بينها تقسيم الغنائم والأنفال ومع أن النص القرآني قد بتّ أمرها في بداية السورة فجعل ملكيتها لله وللرسول لكي تخلص نيّة المجاهدين لله. مع ذلك فإن القرآن يتعامل بواقعية مع هذه الأشياء فملكية الأنفال لله وللرسول يوزعها هو على المجاهدين ضمن نظام ذكرته سورة الأنفال يتلخص في ردّ أربعة أخماس كل شيء من الغنيمة إلى المقاتلين واستبقاء الخُمُس يتصرف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والأئمة من بعده في المصارف المذكورة في الآية. ثم يعرض النص القرآني بعض تفاصيل المعركة ويبرز توفيق الله عز وجلّ لهم ومدده وإعانته فهم جنده الذين يقاتلون في سبيله وإعلاء كلامه فوق كل كلام.

وتأتي سلسلة من التوجيهات الربانية تبدأ بنداء الذين آمنوا وتوجههم إلى الثبات عند لقاء الأعداء وإلى التزود بزاد النصر المتمثل بذكر الله وطاعة الله ورسوله وعدم التنازع لأن ذلك يؤدي إلى الفشل والخذلان وأن يتميزوا عن غيرهم في هذا القتال فغيرهم يقاتل بطرًا ورياء تحت راية الشيطان وقيادته ويضرب لهم مثلًا على ذلك بآل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم وأهلكهم ويحذّرهم من أن يكونوا مثلهم فالله سبحانه قد منّ عليهم بالإيمان والهداية للصراط المستقيم وهذه نعمة عظيمة من الله عز وجلّ وقد قدّر الله سبحانه وتعالى أن لا يغيّر نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم فالثبات على صراط الله إنما هو تثبيت لنعمه وفضله والعكس صحيح.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٤٥﴾ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿٤٦﴾ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴿٤٧﴾ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٤٨﴾ إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٤٩﴾ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴿٥٠﴾ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴿٥١﴾ كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٥٢﴾ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٥٣﴾)

ويأتي بعد ذلك القسم الأخير من السورة يتضمن الكثير من قواعد التعامل مع الدول الأخرى في السلم والحرب والتنظيمات الداخلية للمجتمع المسلم ونظرة الإسلام إلى العهود والمواثيق في شتى الأحوال. ويبين القسم الأخير من السورة الرابط الذي يجتمع عليه المسلمون إنه ليس رابط الدم أو الجنس إنه رابط العقيدة الواحدة الذي يجعل المسلم الذي في أقاصي الغرب أخًا ونصيرًا للمسلم الذي في أقصى الشرق ولو اختلفت اللغة وابتعدت الأماكن وتزداد هذه الأخوّة وتتضخّم هذه الولاية بين المسلمين إذا انضم إلى رحِم الإيمان رحِم القرابة والنَسب فقد اهتم الإسلام بتقوية أواصر الصلة بين الأقارب والأرحام بين المسلمين ولهذا قال تعالى (مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) أي كما هو مبيّن في كتاب الله في آيات المواريث التي وزعت كل ملكية الإنسان لقرابته الذين كان يستنصر بهم في الدنيا كلٌ بحسب درجة قرابته. وكانت حقوق المسلم عل المسلم على ثلاث مراتب، فإن المسلم له حق أخوة الإسلام فإذا كان مسلمًا جارًا اجتمع له حقّان حق أخوة الإسلام وحق الجوار فإذا كان مسلمًا جارًا ذا قرابة فله ثلاثة حقوق: حق أخوة الإسلام وحق الجوار وحق القرابة وصلة الرحم. وهكذا يعيش مجتمع الإسلام حياة أخوة وتباذل وتناصح كل فرد منهم مسؤول عمن حوله بشكل خاص وعن بقية المجتمع بشكل عام فيبذل نفسه لنصحهم وإعانتهم لأن العقيدة التي اجتمعوا عليها هي أغلى عليهم من كل مال وكل غنائم وأنفال.

 

(إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٧٢﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴿٧٣﴾ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿٧٤﴾ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٧٥﴾) 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل