سور القرآن، دروس ومحاور - من دروس سورة الأعراف

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة الأعراف

من دروس السورة

الدرس الأول: قصة الإنسان مع الشيطان

افتتحت سورة الأعراف بقصة الإنسان الأول آدم عليه السلام، ولكن قبل القصة جاء قوله تعالى (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴿١٠﴾) فذكر الله سبحانه وتعالى تمكين الإنسان من الأرض وأعانه على ذلك وكانت أول إعانة من الله للإنسان أن عرّفه بعدوه الأول، الشيطان، الذي أخذ على نفسه عهدًا بإغواء بني آدم وإن علاقة ذكر التمكين في الأرض للإنسان وذكر استخلافه في الأرض ثم تحذيره من الشيطان علاقة واضحة جدًا وكأن السياق القرآني يقول للإنسان: اعمر الأرض وفق منهج الله عز وجلّ ومنهج الله هو الخير واتباع الرسل وإياك من المشي خلف خطوات الشيطان لأنك إذا اتبعته انحرفت مسيرتك في إعمار الأرض فبدل أن يكون إعمارك للأرض إرضاء لله سيكون إرضاء للشيطان لأنك سمحت له أن يتدخل بينك وبين خالقك فصرت تستمد توجيهاتك من إيحائه فصرت عبدًأ له بدلًأ من عبوديتك لله وبئس للظالمين بدلًا. إن قصة آدم مع إبليس قصة بليغة جدًا فيها الكثير من الدروس والعبر يمكننا أن نستنبطها من خلال هذه الآيات التي ذكرها القرآن الكريم في مطلع سورة الأعراف إنها قصة بداية المعركة بين الإنسان وبين الشيطان، إنها نقطة الإنطلاق التي بدأ بها الإنسان حياته على وجه الأرض، فعلى بركة الله نمضي في استخلاص العبر والعظات من قصة الإنسان والشيطان:

(وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴿١٠﴾ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ﴿١١﴾ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴿١٢﴾ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴿١٣﴾ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿١٤﴾ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ﴿١٥﴾ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿١٦﴾ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴿١٧﴾ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿١٨﴾)

أولًا: تكريم الله للإنسان.وهذا واضح جدًا من خلال ذلك الاستقبال المهيب الذي استقبل به الإنسان الأول آدم عليه السلام فقد خلقه الله سبحانه وتعالى بيديه ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه الأسماء كلها وأسكنه في جنته وقد حكى القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى سماه خليفة في الأرض قال تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة: 30] وقد ذكر القرآن الكريم تكريم الإنسان بصراحة في سورة الإسراء وذلك في قوله تعالى (﴿٦٩﴾وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴿٧٠﴾ الإسراء) وقد مكن الله الإنسان من الأرض فأعانه على كشف قوانين الطبيعة وتسخيرها لمصالحه.

ثانيًا: كان آدم جسدًا بلا روح فقد خلقه الله سبحانه وتعالى من طين ثم تركه ما شاء الله أن يتركه، قال عليه الصلاة والسلام: لما صوّر الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه فجعل إبليس يطوف به ينظر إليه فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك. فهذا الحديث يشير إلى أن إبليس عرف نقطة ضعف الإنسان لما رآه أجوفًا أي يتأثر بالترغيب والترهيب فيخاف ويحذر ويفرح ويطمئن ويبكي ويضحك، ومن خلال هذا الاكتشاف الذي اكتشفه إبليس استطاع أن يوسوس لآدم بشيئين يحبهما الإنسان ويسعى جاهدًا لتحقيقهما طيلة حياته: البقاء وحب التملك، وهذا واضح من سياق السورة (وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) وقرئت ملِكين بالكسر. واستطاع إبليس أن ينزل آدم من مكانته التي وضعه الله فيها إلى مكانة أدنى بها وذلك بأن غرّه بوسوسته قال تعالى (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ) وكلمة الوسوسة تدل على تكرار الفعل كثيرًا لا سيما وأن إبليس أقسم بالله تعالى إنه لهما لمن الناصحين فوقعا ضحية سوسته.

ثالثًا: إن الله سبحانه وتعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام وأُمر إبليس فتكبر وقال (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) وقد علل هذه الخيرية بأنه خُلق من نار بينما خُلق آدم من طين وهو تعليل فجّ لا قيمة له عند الله لأن الخيرية في ميزان الله متعلقة بطاعة الله عز وجلّ وإن الله لا ينظر إلى الصور والأشكال وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال فبسبب غروره وتكبره رفض السجود لآدم ولذلك كان السجود لله تعالى من أعظم العبادات لأن فيه تأكيدًا لعبودية الله سبحانه وتعالى وانتماء إليه وبرآءة من الشيطان ومخالفة له. قال عليه الصلاة والسلام: إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار. وقد ورد أن العبد أقرب ما يكون إلى ربه وهو ساجد وقد قال تعالى (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴿١٩﴾ العلق)

رابعًا: طلب إبليس من الله سبحانه وتعالى طول البقاء فاستجاب له ربه وأعطاه ما سأل فقطع على نفسه عهدًا بأن يغوي بني آدم ما بقي حيًا وهذا يعني أنه استخدم نعمة الله في معصيته وإغواء خلقه وهذا ملمح دقيق جدًا فكل من أنعم الله عليه نعمة يجب عليه شكرها لتزداد وأن يستخدمها في طاعة الله عز وجلّ وهناك عبرة أخرى تستنبط من هذه الآيات وهي أن إبليس يعلل نفسه أنه سيعيش طويلًا وأن حساب الله له بعيد جدًا وهذا شأن كثير من الناس فإنهم يسوفون التوبة ويؤخرون الأعمال الصالحة لأوقات لاحقة وهذا تفكير إبليس وتشبّه بالشيطان الذي أُمرنا بأن نخالفه، قال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿١٣٣﴾ آل عمران) وقال أيضًا (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴿٢١﴾ الحديد).

خامسًا: قال إبليس (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿١٦﴾) وهذا اعتراف من إبليس بأن صراط الله مستقيم ثم هو بعد ذلك يصدّ الناس عن هذا الصراط ويقنع الناس باعوجاجه وضآلته ثم يعلن حربه الشعواء على الإنسان وأنه سيسدّ عليه جميع الجهات فسيأتيهم من بين ايديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ويمكننا أن نفسّر هذه الجهات كما فسّرها بعض العلماء فقوله من بين أيديهم يعني المستقبل، ومن خلفهم يعني الماضي، وعن أيمانهم يعني الحسنات، وعن شمائلهم يعني السيئات. أما المستقبل فهو توجيه علم الإنسان واكتشافاته التي سيصل إليها إلى مقاصد خبيثة كعلم التسليح الذي وصل فيه الإنسان إلى مرحلة لا نظير لها في التاريخ البشري وهناك علوم كثيرة ليست نافعة للإنسان بل تبعده عن الله وتنسيه الدار الآخرة بل تنسيه علّة وجوده أصلًا وأما الماضي فهو مجال واسع جدًا يدخل الشيطان منه على الإنسان بأن يقطع العلاقة بين المسلمين ومسيرة سلفهم الصالح وأن يوسوس لهم بأن ما كتبه المتقدمون إنما كتبوه لعصرهم ولا فائدة منه اليوم وربما شمل هذا الكلام السنة النبوية نفسها فهي سنة صحيحة ونافعة ولكنها لعصر الرسالة ولا قيمة لها اليوم وما من فكر منحرف اليوم إلا وله سلف من الماضي. وأما أن يأتيهم من قِبَل الحسنات يعني بأن يقلل شأنها في نفوسهم ويقنعهم بالأعمال المفضولة دون الفاضلة وأن يُدخل الكثير من البدع ويوهم الناس بأنها من الأعمال الصالحة فيملأ الناس بها أوقاتهم ويبذلون في سبيلها جهودهم وأموالهم وهي في حقيقة الأمر لا أصل لها في دين الله، ومن هذا القبيل إشغال الناس بالمباحات فإن الإنسان إذا انشغل بالمباحات ربما أقنعه الشيطان بأن هذا العمل مباح ولا إثم لفاعله ولكن المسكين فاته أن تضييع العمر بالمباحات يشغل عن الطاعات والواجبات والإنسان مخلوق ليعبد الله لا ليضيع عمره بالمباحات التي يستوي فعلها وتركها. وأما دخوله على الإنسان من قبيل السيئات فيعني إظهارها بمظهر الطاعات وأن يقلل من شأنها في نفس الإنسان حتى يقترفها فيموت الشعور بالذنب عند الإنسان وربما أصبحت نفسه أمارة بالسوء غير لائمة له على ذنبه ويا ليت أولئك الذي يمشون خف الشيطان يقرأون تلك الآيات التي تصور إبليس يوم القيامة وهو واقف خطيبًا في حزبه يعلن برآءته منهم وأنه غير مسؤول عن إضلالهم.

(وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ ﴿٢١﴾ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٢٢﴾   سلام إبراهيم)

سادسًا: إن الله سبحانه وتعالى خلق آدم وأسكنه جنته وأباح له كل ثمارها وطيباتها إلا أنه حرّم عليه أن يقترب من شجرة واحدة ليأكل منها، قال تعالى (وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿١٩﴾) نستطيع أن نستنبط من هذه الآية ثلاثة أشياء:

·         أولًا: إن الإنسان ليعجب عندما يقرأ هذه الآية فمنذ اللحظات الأولى لخلق آدم تبدأ الأوامر والنواهي من الله سبحانه وتعالى (فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) وهذا أمر مهم جدًا لمن تدبره وهو أن الإنسان غير مهيأ لأن يكون حرًا يفعل ما يشاء ويتناول ما يشتهي بل لا بد له من توجيه وإرشاد منذ اللحظة الأولى وهذا التوجيه لا بد أن يكون من الله عز وجلّ حصرًا لأنه هو الذي خلق فالأمر يجب أن يكون له وإن كثرة الأوامر والنواهي تكريم للإنسان يفترق به عن الحيوان الذي لا ضابط لتصرفاته يفعل ما يشاء لأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يربي هذا الإنسان بهذه التوجيهات لكي يكون حاكمًا لشهواته لا محكومًأ لها وإن مثل الأوامر والنواهي كمثل طريق مليء بالمتاهات والمخاطرات لا يعرف أي طريق يسلك فتأتي هذه التوجيهات بمثابة لافتات تحذيرًا تقول له: افعل هذا، اترك هذا، اسلك هذا الطريق أو دع هذا الطريق ومن المؤكد أن الإنسان لن يتضايق من هذه التوجيهات لأنها تضمن له طريق السلامة والنجاة.

·         ثانيًا: أباح الله لآدم عليه السلام كل الجنة وحرّم عليه الاقتراب من شجرة بعينها وربما ترمز هذه الشجرة إلى المحرمات وترمز الجنة إلى المباحات وبهذا تظهر نسبة المحرّمات إلى المباحات في أحكام الله تعالى فكل طيب حلال وكل خبيث محرّم.

·         ثالثًا: إن الله سبحانه وتعالى نهى آدم عليه السلام عن الاقتراب من الشجرة فضلًا عن الأكل منها وهكذا يجب أن يتعامل الإنسان مع المحرمات فيبقي بينه وبينها مسافة احتياطية حتى لا يقع فيها فالله سبحانه وتعالى قال: لا تقربوا الزنا ولم يقل لا تزنوا" وقال عليه الصلاة والسلام: "ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه".

(وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿١٩﴾ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ﴿٢٠﴾ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ﴿٢١﴾ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿٢٢﴾ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٢٣﴾ قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴿٢٤﴾ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ﴿٢٥﴾ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿٢٦﴾ يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٢٧﴾ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٢٨﴾ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴿٢٩﴾ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ﴿٣٠﴾)

سابعًا: وسوس الشيطان لآدم وزوجه ليبدي لهما ما وري عنهما من سوءاتهما فلما تمت المعصية شعرا بأن عوراتهما قد انكشفت فبدافع من الفطرة التي خلقها الله في الإنسان بادرا إلى تشبيك أوراق الجنة وسترها فهاهنا قانون يجدر التنبيه إليه: إن فتنة الشيطان هدفها تعرية الإنسان فحين تفسد الفطرة بسبب المعاصي تكشف العورات. فالمعاصي هي التي تكشف عورات الإنسان النفسية والجسدية، إن الفطرة السليمة تنفر من انكشاف سوءاتها الجسدية والنفسية وتحرص على سترها ومواراتها والذين يريدون تعرية الجسم من اللباس وتعرية النفس من التقوى ومن الحياء من الله ومن الناس والذين يطلقون ألسنتهم وأقلامهم في سبيل ذلك هم الذين يريدون سلب الإنسان خصائص فطرته وخصائص إنسانيته التي صار بها إنسانًا وهم الذين يريدون تسليم الإنسان لعدوّه الشيطان وما يريده به من نزع لباسه وكشف سوءاته. إن العُري فطرة حيوانية ولا يميل الإنسان إليه إلا وهو يرتكس إلى مرتبة أدنى من مرتبة الإنسان وإن رؤية العُري جمالًا هو انتكاس في الذوق البشري قطعًا، وقد وصل الفتح الإسلامي إلى بعض مناطق أواسط إفريقيا وقد كانوا أناسًا عراة فكانت أول مظاهر الحضارة الإسلامية إكساء العراة. وهناك نوع آخر من العري هو العري النفسي ويكون عريا من الحياة والتقوى وهذا العريٌ له لباس يستره ذكره الله تعالى في سورة الأعراف في نفس الآية التي ذكر فيها ستر عورات الجسد لأن الإسلام يحرص على سلامة ونظافة الظاهر والباطن قال تعالى (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) وكم من الناس ترى ظاهره جذابًا أنيقًا ولكن عوراته النفسية الداخلية مكشوفة لكل الناس، إننا نقول لمثل هؤلاء كما قال الشاعر:

يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته

أتطلب الربح مما فيه خسران

ارجع إلى النفس فاستكمل فضائلها

فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

ثم يختم هذا الدرس من سورة الأعراف بنداءات لبني آدم فيها تحذير وتنبيه من عدوهم وتوجيه لهم بالمشي على صراط الله سبحانه وتعالى فإنه أمر بكل نافع وأباح كل زينة وحلال وحرّم الفواحش والموبقات وصراط الله هو نهج الرسل الذين أمر الله الناس أن يكونوا خلفهم يقتدون بأفعالهم وسلوكهم.

(يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴿٣١﴾ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿٣٢﴾ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٣٣﴾ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴿٣٤﴾ يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٣٥﴾ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٣٦﴾ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ﴿٣٧﴾ قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿٣٨﴾ وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴿٣٩﴾)

 

الدرس الثاني: قوتُ القلوب وغذاء الروح

في وهج الحرّ قد يأوي المرء إلى حجرة مكيّفة الهواء يبقى داخلها مستريح الأعصاب وربما كان حظه أتمّ فيذهب إلى مصيف عليل الريح لطيف الأنفاس فهو حيثما اتجه ربيع دائم. إن علاقة المؤمنين بربهم تتراوح بين هذه المنازل لا تغادرها، فقد يعيش العابد في صومعة معزولة من ضجيج المجتمعات وآثامها راكنًا إلى الحميد المجيد الفعال لا يريد فهو سعيد بربه ترنو إليه بصيرته وتتحد عنده وجهته ويظل كذلك بعيدا عن لفح الحياة الضالّة والعوج الشائع وربما رُزق بيئة صالحة انهزم فيها الشيطان واتقر في جنباتها الحق وتجاوبت في جنباتها أصداء التسبيح والتحميد فهو في ربيع دائم. إن الإسلام يريد للمسلمين أن تكون حياتهم حياة الطمأنينة والسعادة ولهذا الهدف كانت كل الأحكام التي أنزلها الله عز وجلّ على نبيه صلى الله عليه وسلم. إن معركة الإنسان مع هموم الحياة معركة لا تنتهي حتى تخمد أنفاسه ويفارق الدينا حتى لو أنه كتب له طول البقاء فيها لكان في ذهنه من المشاريع الاقتصادية ما يحتاج إلى مئات السنين والإسلام لا يريد أن تستهلك الحياة الأرضية الناس إلى هذا الحد إنه يريد أن يرتقي بهم إلى السماء فهناك حياة أخرى لا يعرفها إلا كل موصول بالله لا يغفل عنه ذاكرًا له بقلبه ولسانه وكل أحواله وتصرفاته لذلك كله حضّ الإسلام من خلال الكتاب والسنّة على ذكر الله عز وجلّ وأن يبقى اللسان رطبًا بذكره سبحانه وتعالى في كثير من النصوص لأن القرب من الله عز وجلّ بشكل مستمر يعيد صياغة الإنسان فيتشكل إنسانًا جديدًا مختلفًا عن هؤلاء الذين يمشون على الأرض، فالغني بالله لا تدنيه مشاعر الرغبة والرهبة، والقوي بالله لا تقلقه أعداد القلة والكثرة والمراقب لله تستوي عنده الخلوة والجلوة وطالب الآخرة لا تستخفه مآرب الحياة الدنيا والإنسان المؤمن بحاجة مستمرة لحظية إلى الله عز وجلّ لأن في القلب شعثًا لا يلمه إلا الإقبال على الله وفي القلب وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفة الله وفي قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه وفي القلب نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضى بأمره ونهيه والرضى وقضائه وقدره والصبر على ذلك إلى يوم لقائه وفي القلب فاقة لا تسدها إلا محبته والإنابة إليه ودوام ذكره وصدق الإخلاص له.

وسورة الأعراف التي نحن بصدد تلقي الدروس منها ختمت بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذكر الله في النفس تضرعًا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال وعدم الغفلة عنه وكان ذلك في معرض الحديث عن التوحيد والالتزام بالصراط المستقيم والبراءة من الشرك والإسراع بالتوبة واستماع القرآن الكريم.

(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿١٩٤﴾ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ ﴿١٩٥﴾ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴿١٩٦﴾ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ﴿١٩٧﴾ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴿١٩٨﴾ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴿١٩٩﴾ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٠٠﴾ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴿٢٠١﴾ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ﴿٢٠٢﴾ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٢٠٣﴾ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿٢٠٤﴾ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴿٢٠٥﴾ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴿٢٠٦﴾)

إن هذه السورة الجليلة كانت عرضًا لأحداث المعركة بين موكب الإيمان بزعامة رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وبين الشيطان وحزبه بزعامة إبليس اللعين على مر التاريخ وهي رحلة شاقة يقصّ الله سبحانه وتعالى أخبارها على النبي صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده تثبيتًا لهم وتقوية لعزائمهم وليخبرهم أنهم امتداد لذلك الموكب الكريم موكب الهدى والنور وأن خير ما يعينهم على المهمة المنوطة بأعناقهم هو ذكر الله سبحانه وتعالى الذي خُتمت به هذه السورة الكريمة لأن المداومة على ذكره اتصال به وقوة للقلب الضعيف. وبعد فإن ذكر الله عز وجلّ إنما هو التوجه إلى الله بالتذلل والضراعة وبالخشية والتقوى إنما هو استحضار جلال الله وعظمته واستحضار المخافة لغضبه وعقابه واستحضار الرجاء فيه والالتجاء إليه حتى يصفو الجوهر الروحي في الإنسان وذكر الله تعالى لا يكون بالشفة واللسان ولكنه الذكر بالقلب والجنان فذكر الله إن لم يرتعش له الوجدان وإن لم يخفق له القلب وإن لم تعش به النفس وإن لم يكن مصحوبًا بالتضرع والتذلل والخشية والخوف لا يكون ذكرًا بل قد يكون سوء أدب في حق الله سبحانه وتعالى فإذا تحرك اللسان مع القلب وإذا نبست الشفاه مع الروح فليكن ذلك في صورة لا تخدش ولا تناقض الضراعة، ليكن ذلك في صوت خفيض لا مكاء ولا تصدية ولا صراخًأ وضجّة ولا غناء ولا تظرية قال تعالى (واذكر ربك  بالغدو والآصال  الغافلين). وهذه الآية فيها ملاحظة جديرة بالتدبر وهي قوله تعالى (بالغدو والآصال) أي في مطالع النهار وفي أواخره فيظل القلب موصولًا بالله طرفي النهار إلا أن ذكر الله عز وجلّ لا يقتصر على هذه الآونة فذكر الله ينبغي أن يكون في القلب في كل آن، ومراقبة الله يجب أن تكون في القلب في كل لحظة ولكن هذين الوقتين المذكورين في هذه الآية إنما تطالع النفس فيهما التغيير الواضح في صفحة الكون من ليل إلى نهار ومن نهار إلى ليل ويتصل فيهما القلب بالوجود من حوله وهو يرى قدرة الله سبحانه تقلب الليل والنهار وتغير الظواهر والأحوال وإن الله سبحانه ليعلم أن القلب البشري يكون في هذين الآنين أقرب ما يكون إلى التأثر والاستجابة. ولقد كثر التوجيه في القرآن إلى ذكر الله تعالى وتسبيحه في هذه الآونة التي كأنما يشارك الكون كله فيها في التأثير على القلب البشري وترقيقه وإرهافه وتشويقه للإتصال بالله كقوله تعالى (فاصبر على ما يقولون  وأدبار السجود) (واذكر اسم  وسبحه ليلا طويلا).

(مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴿٤٠﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴿٤١﴾ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴿٤٢﴾ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴿٤٣﴾ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا ﴿٤٤﴾ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴿٤٥﴾ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ﴿٤٦﴾ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا ﴿٤٧﴾ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴿٤٨﴾ الأحزاب)

وقد نهى الله سبحانه وتعالى الإنسان عن عدم الذكر بأن يكون من الغافلين بل أمره أن يذكره ذكرًا كثيرًا والغفلة عن الذكر هي غفلة القلب لا غفلة اللسان فرُبّ رجل لا يفتر لسانه عن تكرار التسبيح والتحميد لله سبحانه وتعالى ويكون سلوكه مخالفًا لما يردده لسانه بل المقصود بالذكر الذكر الذي يخفق به القلب فلا يسلك صاحبه طريقًا يخجل أن يطّلع الله عليه فيه ولا يتحرك حركة يخجل أن يراه الله عليها ولا يأتي صغيرة ولا كبيرة إلا وحساب الله فيها فذلك هو الذكر الذي يرد به الأمر هنا وإلا فما هو ذكر الله إذا كان لا يؤدي إلى العمل والطاعة والاتباع؟! اذكر ربك ولا تغفل عن ذكره ولا يغفل قلبك عن مراقبته فالإنسان أحوج أن يظل على اتصال بربه ليتقوى على نزغات الشيطان، قال تعالى في سورة الأعراف (وإما ينزغنك  عليم). وذكر الله سبحانه وتعالى له شأن كبير في منهج هذا الدين وفوائده وآثاره في النفس الإنسانية كثيرة جدًا وأجره عظيم جدًا وهو من أجلّ العبادات التي أكّدت عليها نصوص القرآن والسنة، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله. لأن ذكر الله هو الباعث والدافع إلى كل تلك الأعمال العظيمة التي نص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الشريف. وقال أيضًا: مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحيّ والميت. والذكر يرقق القلب ويرهف الحسّ وهذا واضح لمن تابع كلمات أعلام هذه الأمة الذين شُهد لهم بالصلاح والعلم وعلى رأس كل هؤلاء محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الإنسان يتلمس رقة كلامه وعذوبة ألفاظه حتى غدت كلماته في مناجاته مع ربه مدرسة يتخرج فيها كل من يريد أن يرهف حسه وترق مشاعره. وإن افتنان النبي صلى الله عليه وسلم في المناجاة والتضرع هو أثر استغراقه في ذكر الله ورؤيته لعظمة ربه، استمع إليه وهو يقول: اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أنك الرب وحدك لا شريك لك، اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن محمدا عبدك ورسولك اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة، اللهم ربنا ورب كل شيء اجعلني مخلصًا لك وأهلي في كل ساعة من الدنيا والآخرة يا ذا الجلال والإكرام، اسمع واستجب، الله الأكبر الأكبر نور السموات والأرض، الله الأكبر الأكبر حسبي الله ونعم الوكيل. إن ألفاظ اللغة تعجز عن ملاحقة هذا الجيشان المنساب في كل دعوة تجعل الرسول المنيب المتعبد يلجأ إلى التكرار في العبارة الواحدة لينفس عما استكنّ في صدره من روعة ومحبة وإجلال. وقد روي أنه عليه الصلاة والسلام كان من دعائه عشية عرفة: اللهم إنك ترى مكاني وتسمع كلامي وتعلم سري وعلانيتي لا يخفى عليك شيء من أمري أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل وأدعوك دعاء الخائف الضرير من خضعت لك رقبته وذلّ جسده ورغم أنفه اللهم لا تجعلني بدعائك شقيا وكن بي رؤوفًا رحيمًا يا خير المسؤولين ويا خير المعطين. وقد حرص نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم على ربط أفراد هذه الأمة بالله تعالى فعلّمهم من خلال سيرته العطرة وحياته اليومية أذكارًا وأدعية لكل شأن من شؤونهم خلال يومهم الذي يعيشونه لكي لا يكون المسلم من الغافلين الذين تطحنهم معركة الحياة ولقمة العيش، فلنتأمل بعض هذه الأدعية والأذكار فإن فيها رقة في القلب وإرهافًا للمشاعر والأحساسيس.

علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستقبل يومنا بترحاب ورضى عن كل ما قدّر الله عز وجلّ فيه وأن نسأله خيره وبركته قال عليه الصلاة والسلام: إذا أصبح أحدكم فليقل: أصبحنا وأصبح الملك لله رب العالمين، اللهم إني أسألك خير هذا اليوم فتحه ونصره ونوره وبركته وهداه وأعوذ بك من شره وشرّ ما بعده، ثم إذا أمسى فليقل مثل ذلك. وكان صلى الله عليه وسلم إذا استقيظ من نومه يقول: الحمد لله الذي رد إليّ روحي وعافاني في جسدي وأذن لي بذكره. يا لها من بداية ملؤها الرضى واليقين وكلها اتصال بخالق الوجود تجعل الإنسان يمشي مع الناس على الأرض بينما تكون آماله وتطلعاته إلى الملأ الأعلى. إن الناس يعيشون داخل كهف معتم من همومهم الحقيقية أو المتخيلة وإنه لمحزن أن عقولًا ذكية لا ترى أبعد من جدران هذا الكهف وأن قلوبًا فيّاضة بالأسى لا تحس إلا ظلمته وضيقه فإذا خرج الإنسان إلى الصلاة قال: اللهم اجعل في قلبي نورًا وفي لساني نورا واجعل في سمعي نورا واجعل في بصري نورا واجعل من خلفي نورا ومن أمامي نورا، اللهم أعطني نورا. فإذا ما جلس الإنسان ليتناول طعامه بدأ بذكر الله تعالى وحمده وشكره على رزقه وإن هناك أناسًا يملأون أجوافهم بالطعام والشراب ثم يمضون لشأنهم ما يدرون أن لله عليهم حقًا، إنه كأيّ دابة دسّت فمها في مزودها حتى شبعت وحسب وهذا سلوك لا يليق بالمؤمن فقد علمنا نبينا أن نقول بعد الطعام كلمات كثيرة ملؤها الشكر والاعتراف لله بالنعمة منها: اللهم أطعمت واسقيت وأغنيت وأقنيت وهديت وأحييت فلك الحمد على ما أعطيت. ومن تعاليمه أيضًا أن يقال بعد الطعام: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، الحمد لله الذي منّ علينا وهدانا والذي أشبعنا وأروانا وكل الإحسان آتانا. فإذا خرج المرء من بيته ليبدأ معركته مع الحياة سنّ له أن يقول: بسم الله توكلت على الله اللهم إني أعوذ بك من أزلّ أو أزلّ أو أضلّ أو أُضل أو أظلم أو أُظلم أو أجهل أو يجهل عليّ. وقد طلب النبي الكريم من كل مسلم عندما يخرج من بيته لما يهمه من شأنه أن يوثق رباطه بربه فقال صلى الله عليه وسلم: من قال إذا خرج من بيته بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هديت وكفيت ووقيت. وإذا أراد الإنسان سفرًا علمه نبيه أن يستودع الله أهله وماله فيسافر وهو مطمئن البال مرتاح الضمير. قال صلى الله عليه وسلم: من أراد أن يسافر فليقل لمن يخلّف: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه. فالمهم أنك وأنت راحل عن بيتك تذكّر أن هناك من لا يغيب عن البيت أبدًا إذا غبت أنت عنه، إنه الله، وأنك إذا رجوته أن يحفظ أهلك ومالك عدت لتجدهم في خير حال. فإذا ما انتهى اليوم وعاد الإنسان لمنزله ليأوي إلى فراشه فإنه قد يضع جنبه فلا ينهض إلا يوم النشور! فإن كان كذلك فهو يرجو الرحمة وإن قام ليبدأ نهارًا آخر فهو يرجو أن يحيا في حفظ الله، قال عليه الصلاة والسلام: إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليقل: بسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه فإن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين.

 

وهكذا تكون حياة المؤمن ذكرًا لله عملًأ بطاعته، التصاقًا ببابه، رجاء لجنابه، أنسًأ به وشوقًا إليه، كل ذلك بفضل ذكر الله في كل حال وفي كل مكان. إنها حياة أخرى غير تلك الحياة التي يعيشها غير المؤمن ذلك أن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل