سور القرآن، دروس ومحاور - محور سورة الأعراف

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة الأعراف

محور السورة: الحضارات البشرية في ميزان الله

إن الحديث عن الحضارات البشرية وعن قيمتها في ميزان الله تعالى وعن أسباب سقوطها أو ارتفاعها هو الدرس الكبير في هذه السورة العظيمة بل هو عنوان هذه السورة الذي يربط مواضيعها بعضها ببعض. وسورة الأعراف هي سورة من هذا القرآن الذي أنزله الله تعالى ليصنع به هذه الأمة. وإن كل سورة من سور القرآن ذات شخصية متفردة وذات ملامح متميزة وذات منهج خاص وذات أسلوب معين وذات مجال متخصص في علاج هذا الموضوع الواحد وهذه القضية الكبيرة قضية العقيدة. إن كل السور تتجمع على الموضوع والغاية ثم تأخذ بعد ذلك سماتها المستقلة وطرائقها المتميزة ومجاللها المتخصص في علاج هذا الموضوع وتحقيق هذه الغاية. إن الشأن في سورة القرآن كالشأن في نماذج البشر التي جعلها الله متيمزة، كلهم إنسان وكلهم له خصائص الإنسان وكلهم له التكوين العضوي والوظيفي الإنساني ولكنهم بعد ذلك نماذج منوعة أشد التنويع.

إن سورة البقرة هيأت النفوس الخضوع والاستسلام لله تعالى ثم جاءت بعدها سورة آل عمران سورة الاصطفاء وتربية النفوس على المنهج الجديد وسورة النساء جاءت لتسقط المجتمع الجاهلي بكل صوره وملامحه وبكل ما يحمل من انحرافات زظلم وضلال وأما البناء الجديد فقد تولت تأسيسه سورة المائدة بكل ما فيها من أحكام الحلال والحرام وتصحيح لكثير من المفاهيم والتصورات، كل هذا جاء كبديل عن تلك الشعارات والمفاهيم التي سقطت في سورة النساء ثم بعد ذلك يأتي الحديث عن رب الأرباب الهادي إلى الصراط المستقيم الواحد الذي ليس كمثله شيء الرحمن الرحيم الشديد العقاب يأتي الحديث عنه في سورة الأنعام التي جاءت لتعلم المؤمنين قواعد أصول الدين والتوحيد ثم جاءت بعد ذلك سورة الأعراف لتسجل واقع التاريخ البشري حيال قواعد الدين الذي تحدثت عنها سورة الأنعام. إنها تحكي واقع البشرية وقصتهم مع هذه العقيدة ومع ومع أنبيائهم، تحدثت الأعراف عن أمم وحضارات لها وزنها في التاريخ من حيث التحضر والعمران ولكنها كانت خفيفة لا وزن لها ولا قيمة في ميزان الله عز وجلّ لأن تقييم الحضارات عند الله مختلف عن تقييم الناس فالناس يرون الأمم التي بنت وشيّدت وابتكرت يرونها أممًا ذات حضارة جديرة بالدراسة والنظر وأما عند الله عز وجلّ فإن الأمر مختلف تمامًا ذلك بأن الله عز وجلّ أنزل الكتاب ومكّن الإنسان من الأرض ويسّر له سبل إعمارها بأن عرّفه على قوانين الطبيعة وعلمه خصائص الأشياء ووهبه عقلًا يستطيع ربط الأشياء ببعضها واستخلاص نتائج هذه الارتباطات وأمره أن يعمر هذه الأرض وفق منهج الكتاب المنزّل والتعاليم الإلهية فكل العلوم التي يتوصل إليها الإنسان يجب أن تكون علومًا نافعة تزيد من ارتباط المخلوق بالخالق وتستعمل في سبل الخير والبناء. وقد أخبر الله عز وجلّ الإنسان بأن هناك ميزانًا يقيّم العلوم والأعمال والأشخاص والأفكار فيعطيها وزنها الحقيقي والحقيقة أن سورة الأعراف افتتحت بكل الذي ذكرناه فأمرت باتّباع الكتاب المنزّل من عند الله ولو كان في ذلك حرج بسبب طواغيت الأرض ثم ذكرت الميزان ثم ذكرت الاستخلاف والتمكين في الأرض ثم بدأت قصة الإنسان الأول آدم عليه السلام.

(المص ﴿١﴾ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢﴾ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴿٣﴾ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ﴿٤﴾ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴿٥﴾ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴿٦﴾ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ﴿٧﴾ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٨﴾ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴿٩﴾ وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴿١٠﴾ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ﴿١١﴾ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴿١٢﴾ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴿١٣﴾ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿١٤﴾ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ﴿١٥﴾ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿١٦﴾ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴿١٧﴾ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿١٨﴾)

وكان من الضروري أن يعرّف الله الإنسان بعدوه الأول إبليس وذريته لكي يحذر منه لأن إعمار الأرض يجب أن يكون وفق أوامر الله مع الحذر من تدخل الشيطان في هذا الإعمار فيحرفه عن مقصده فيكون اعماًرا خبيثا لا يبتغى فيه منهج الله عز وجلّ فتستغل العلوم للشر والفساد ويعمّ التخريب والطغيان، عندئذ يجيء دور سنة الله التي لا تتحول ولا تتبدل. وهاهي الأمم التي قصّ الله عز وجلّ أخبارها في سورة الأعراف إنها أمم ذات حضارة عريقة وعلوم كثيرة ولكن ما الفائدة من هذا كله؟! إنه لا قيمة له في ميزان الله لأنه لم يسلك سبيل الصراط المستقيم، فالحذر الحذر من إبليس وجنوده!! لذلك نرى السياق القرآني يحرص على تنبيه بني آدم من فتنة الشيطان والمشي في ركابه وتحت راياته لأن هذا الطريق طريق مسدود لا نهاية له إلا ألسنة اللهب في نار جهنم!

ثم يأتي السياق بعد ذلك على ذكر بعض دلائل قدرة الله عز وجلّ وبراهين عظمته وسلطانه فإن الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام والذي يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا والشمس والقمر والنجوم مسخّرات بأمره هو الذي له الأمر وحده لأنه هو الذي خلق وهو وحده الذي يعلم ماذا يصلح حال خلقه لذلك كان واجبًا على كل الأمم ذات الحضارات والعلوم أن تحني له الجباه وتتلمذ على تعاليمه وإرشاداته وتمشي خلف رسله الذين بعثهم معليمن للناس.

وتبدأ سورة الأعراف بعد ذلك تتحدث عن موقف الأمم الغابرة من تعاليم الله عز وجلّ والآن تمضي الرحلة وتجري القصة ويبرز موكب الرسل الكرام يهتف بالبشرية الضالة يذكّرها وينذرها ويحذرها سوء المصير. والبشرية الضالة تلوي وتعاند وتواجه الدعوة الخيّيرة بالتمرد والإعراض  ثم بالطغيان والبطش. ثم يتولى الله سبحانه وتعالى المعركة بعد أن يؤدي الرسل واجبهم من التذكير والإنذار فيقابلوا من قومهم بالتكذيب والإعراض. ويعرض السياق القرآني قصة نوح وقصة هود وقصة صالح وقصة لوط وقصة شعيب مع أقوامهم وهم يعرضون عليهم حقيقة واحدة لا تتبدل (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) وهذه الحقيقة هي السبب في ارتفاع الأمم أو سقوطها فإن الأمة الموحّدة لله عز وجلّ الطائعة لتعالميه وإرشاداته أمة جديرة أن تبقى ويطول عمرها ويعيش الناس في كنفها لأن التوحيد سيوجه حضارتها وعلومها إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى حيث تدخل حضارتها في الإسلام فتغدو وكل العلوم والاكتشافات والابتكارات التي يتوصل إليها الإنسان في تلك الأمم تقرب الإنسان من ربه وتذكّره به دائمًا. وإن الأمة المشركة الهاربة من تعاليم الله إليها أمة جديرة بالسقوط والتخريب لأنها لا تستحق البقاء فالشيطان تدخل في حضارتها فحرفها عن مسارها الصحيح الذي أمر الله سبحانه وتعالى به فغدت علومها واكتشافاتها وابتكاراتها تأخذ مسميات غريبة كقولهم: قهر الطبيعة والتغلب عليها، وتسخّر هذه العلوم للشر والفساد في الأرض ولإخضاع رقاب الناس بالحديد والنار، إنها حضارة فاسدة لا بد من تخريبها وهدمها. لذلك أرسل الله عز وجلّ الرسل ليحذروا الناس من كل هذا (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) كل رسول يقول هذه العبارة كما هو واضح من سياق السورة ويتقدم من قومه بهذه الحقيقة التي استحفظه الله عليها تقدم الناصح المخلص المشفق على قومه مما يراه من العاقبة التي تتربص بهم وهم عنها غافلون ولكنهم لا يقدّرون نح رسولهم لهم ولا يتدبرون عاقبة أمرهم ولا يستشعرون عمق الإخلاص الذي يحمله قلب الرسول وعمق التجرّد من كل مصلحة.

(وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٧٣﴾ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿٧٤﴾ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴿٧٥﴾ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آَمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴿٧٦﴾ فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٧٧﴾ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴿٧٨﴾ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ﴿٧٩﴾)

وبعد أن يسرد السياق قصص الأنبياء السابق ذكرهم يقف سياق السورة للتعقيب على ما مضى وقفة لبيان سنة الله التي جرت بها مشيئته في خلقه وهي أن يأخذ الله المكذّبين بالبأساء والضراء لعل قلوبهم ترقّ وتلين وتتجه إلى الله وتعرف حقيقة ألوهيته وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية القاهرة فإذا لم يستجيبوا أخذهم بالنعماء والسراء وفتح عليهم الأبواب وتركهم ينمون ويكثرون ويستمتعون كل ذلك للابتلاء حتى إذا انتهى بهم اليسر والعافية إلى الاستهتار والغفلة واللامبالاة وحسبوا أن الأمور تجري جزافًا بلا قصد ولا غاية وأن السراء تعقب الضراء بلا حكمة ولا ابتلاء وأنه إنما أصابهم ما أصاب آباءهم من قبل لأن الأمور تمضي هكذا بلا تدبير أخذهم الله بغتة وهم سادرون في هذه الغفلة. لم يدركوا حكمة الله في الابتلاء في بالضراء والسراء ولم يتدبروا حكمته في تقلب الأمور بالعباد ولم يتقوا غضبه على المستهترين الغافلين بل عاشوا كالأنعام بل أضلّ حتى جاءهم بأس الله. ولو أنهم آمنوا بالله واتقوا لتبدلت الحال ولحلّت عليهم البركات ولأفاض الله عليهم من رزقه في السماء والأرض ولأنعم عليهم نعيمه المبارك الذي تطمئن به الحياة ولا يعقبه النكال والبوار.

ثم تطوى صفحتهم وينتهي الحديث عنهم ويصبحون ذكرى وعبرة لغيرهم ويأتي دور الذين يرثون الأرض من بعد أهلها ويتوجه إليهم السياق القرآني بالتحذير يحذرهم الغفلة والغرور ويدعوهم إلى اليقظة والتقوى ويلفت أنظارهم إلى الاعتبار في مصارع الغابرين الذين ورثوا هم الأرض من بعدهم فكأنه يقول لهم محذّرا: اِسمعوا قصص الأمم التي قبلكم كانت لهم حضارة وقوة بهرت الأبصار وأخذت بمجامع القلوب ولكنهم خالفوا تعليمات الصانع الخبير ولم يهتدوا بهديه فانقلبت حضارتهم رأسّا على عقب فإياكم والمشي خلفهم وإلا فإن سنة الله التي لا تتبدل ولا تتغير تنتظركم..

(وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ﴿٩٤﴾ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿٩٥﴾ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿٩٦﴾ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ﴿٩٧﴾ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴿٩٨﴾ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٩٩﴾ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴿١٠٠﴾ تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ﴿١٠١﴾ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ﴿١٠٢﴾ الأعراف)

بعد ذلك يعرض السياق قصة موسى مع فرعون وملئه ومع قومه بني إسرائيل وتستغرق القصة أكبر مساحة استغرقتها في قصة قرآنية وقد شملت الحديث عن مواجهة فرعون بعبادة الله والتحدي السحرة. وكذلك تحدثت عن أخذ آل فرعون بالسنين والآفات وإرسال الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وحديث إغراق فرعون وجنوده. ثم استمر السياق مع موسى وبني إسرائيل وطلبهم من موسى أن يجعل لهم إلها صنما ليعبدوه ثم الحديث عن ميقاته مه ربه وطلبه لرؤيته ودك الجبل وصعقه وتنزيل الألواح عليه والحديث عن اتخذا قومه للعجل في غيبته والميقات الثاني لموسى مع السبعين من قومه وأخذ الصاعقة لهم حين قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، وذكر عصيانهم في دخول القرية وفي صيد السمك يوم السبت وذكر نتق الجبل فوقهم كأنه ظلّة، أحداث وأحداث كلها معروضة في هذه السورة بتفصيل واسع. إن الحديث عن بني إسرائيل في هذه السورة التي فصلت أخبارهم ورحلتهم مع نبيهم موسى عليه السلام حديث له وقفة خاصة فهم الذين اصطفاهم الله عز وجلّ واختارهم على علم على العالمين ونجاهم من فرعون الذي سامهم سوء الحساب فذبح أبناءهم واستحيا نساءهم فأنعم الله عليهم ونجاهم بطريقة معجزة شقّ لهم طريقًا في البحر ورأوا بأم أعينهم كيف أهلك الله عدوهم وظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى ثم ماذا كان منهم بعد ذلك؟ كفر بآيات الله وتمرد على منهاجه وعصيان لرسوله! إنهم كانوا ولا زالوا وراء كل فساد في الأرض فاستحقوا سنة الله عز وجلّ فغضب الله عليهم ولعنهم وجعل منهم القرة والخنازير وضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس، إنهم ضلّوا على علم وقد ذكرت لنا الآيات قصة رجل يمثل نموذجا لهم إنه ذو علم بآيات الله وتمسك بها لكنه في نهاية الأمر انسلخ من آيات الله فترك العمل بما علم فتمكن منه الشيطان فأتبعه بركب الغاوين. إن سنة الله تلحق الأفراد كما تحلق الأمم لا تتغير ولا تتبدل. ثم تختم السورة بوصية النبي صلى الله عليه وسلم وأمته من بعد بوصايا تحذيرًا لهم أن يكونوا كغيرهم من الأمم التي قصّ الله عليهم أخبارها في هذه السورة.

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴿١٧٥﴾ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴿١٧٦﴾ سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ ﴿١٧٧﴾ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿١٧٨﴾ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴿١٧٩﴾ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٨٠﴾ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴿١٨١﴾ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٨٢﴾ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴿١٨٣﴾ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴿١٨٤﴾ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴿١٨٥﴾ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿١٨٦﴾ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٨٧﴾)

ويستطيع دارس هذه السورة أن يضع يده على أسباب إهلاك الله تعالى لهذه الأمم، إنه الانحراف عن أصل الفطرة في الاعتقاد والإعراض عن دين الله تعالى وأحكام شريعته، إنه الانحراف عن سنن الفطرة والشذوذ في العلاقات الجنسية، إنه الاغترار بالقوة والتكبر والطغيان والعدوان ويأتي مع ذلك الطمع والشجع وسلب حقوق الناس، ومن هذه الأسباب أيضًا جحود نعم الله وتحجر المشاعر وبلد الإحساس بسبب السرف والترف والانهماك في الشهوات وهذا يسبب انسلاخًا عن الشعور بالمسؤولية وإنكار يوم الحساب والجزاء.

وبعد استعراض هذه الأسباب يمكننا أن نستنبط عوامل نهضة الأمم وارتفاع الحضارات في ميزان الله تعالى: إنه الإلتصاق بالحق الذي خلق الله به السموات والأرض والحق هو دين الله عز وجلّ ورسالاته للناس، فبقدر ما يتوجه إعمار الأرض ونشوء الحضارات إلى عبادة الله عز وجلّ والخضوع له يُكتب لهذه الأمة بقاء وقوة وإلا فسنّة الله تنتظر كل من يخالف هذا القانون هذا وإن عبادتنا لله لا تنفعه ولا تضره إنما هو نفع لنا وإذا نحن جهلنا هذه الحقيقة وقصّرنا في العبادة فالذين عند الله لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون وبذلك ختمت السورة.

 

(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴿١٩٩﴾ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٠٠﴾ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴿٢٠١﴾ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ﴿٢٠٢﴾ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٢٠٣﴾ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿٢٠٤﴾ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴿٢٠٥﴾ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴿٢٠٦﴾)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل