سور القرآن، دروس ومحاور - بين يدي سورة الأعراف

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة الأعراف

بين يدي السورة

سورة الأعراف من السور التي يغلب الطابع المكي على آياتها بل هي مكية إلا بضع آيات منها، تكلمت عن بعض قواعد العقيدة وغلب على آياتها الطابع القصصي وفصّلت عدة موضوعات كانت سورة الأنعام قد أجملتها.

اسم السورة

وأما تسميتها بالأعراف فالأعراف جمع عرف وكل مرتفع من الأرض عند العرب يسمى عرفًا وإنما قيل لعرف الديك عرفًا لارتفاعه والأعراف سور مرتفع بين الجنة والنار. روى ابن جرير الطبري عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف فقال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة وخلّفتهم حسناتهم عن النار فوقفوا هناك على السور حتى يقضي الله فيهم، ينتظرون فضل الله ويرجون رحمته وهم يعرفون أهل الجنة بسيماهم ربما ببياض الوجوه والنور الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ويعرفون أهل النار بسيماهم ربما بسواد الوجوه والوسم على أنوفهم التي كانوا يشمخون بها في الدنيا ويدور حديث بين أهل الأعراف وأهل الجنة وأصحاب النار ثم يقال لهم في نهاية المطاف ادخلوا الجنة وفائدة وقوفهم على الأعراف ليعلم أن الجزاء على قدر الأعمال وأن التقدم والتأخر يوم القيامة يكون على حسن الأعمال وأن أحدًا لا يسبق عند الله تعالى إلا بسبقه في العمل ولا يتأخر أحد إلا بتأخره فيه وليرغب السامعون لهذه الآيات وليكثروا من العمل الصالح حتى تسبق حسناتهم سيئاتهم. ثم ليُعلم كل واحد من الناس أنه يعرف بسيماه يوم القيامة التي استوجب أن يوسم بها من أهل الخير والشر فيتردع المسيء عن إساءته ويزيد المحسن في إحسانه وليُعلم أن العصاة يوبخهم كل أحد حتى أخسر الناس عملًا.

(وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴿٤٤﴾ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ ﴿٤٥﴾ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴿٤٦﴾ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٤٧﴾ وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴿٤٨﴾ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴿٤٩﴾ وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿٥٠﴾ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴿٥١﴾)

مناسبة السورة لما قبلها

مرت معنا سورة الأنعام فيما سبق وهي كالموكب المهيب الذي تحفه الملائكة الأطهار ارتجت بهم الأرض ولهم زجل بالتسبيح وكان صلى الله عليه وسلم يقول حين نزولها: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم. والسبب في هذا النزول الخاص أن سورة الأنعام بمجملها كانت حديثًا عن الله تبارك وتعالى تعريفًا بجلاله وقدرته وعظمته وتضمنت هذه السورة قواعد أصول الدين حيث تناثرت فيها البراهين والحجج مبرهنة على وحدانية الله سبحانه وتعالى وأسكتت كل فاهٍ يريد أن يقول على الله قولًا بغير علم. فكانت سورة الأنعام سورة قواعد الدين الحق الذي أمر الله عز وجلّ رسله أن يبلغوه للناس فجاءت بعدها سورة الأعراف لتصور لنا كيف استقبل كثير من الأمم هذه العقيدة التي خالفت دين آبائهم وما كانوا عليه من جاهلية فحكت سورة الأعراف إسقاط قواعد أصول الدين على أمم غابرة في التاريخ كيف استقبلوها وكيف عاملوا رسلهم وكيف أن الله سبحانه وتعالى كلما استخلف أمة من الأمم أرسل لها رسولًا يبلغها دين الله الذي ارتضاه لعباده وتلك القواعد التي أطالت سورة الأنعام الحديث عنها فمن أطاع الرسول حاز على سعادة الدارين ومن عصاه هلك بعذاب الله الذي أنزله على العصاة المجرمين. وكلما هلكت أمة استخلف الله بعدها أمة أخرى وهكذا دواليك. إن الله سبحانه وتعالى يقص هذه الأخبار على هذه الأمة، الأمة الخاتمة لتتعظ بغيرها ولتعلم أن لله سبحانه وتعالى سنة لا تتبدل ولا تتغير فمن آمن وعمل صالحًا يحييه الله حياة طيبة ومن أعرض عن ذكر الله فإن له معيشة ضنكا ويحشره الله يوم القيامة أعمى. إذن فسورة الأنعام هي سورة قواعد الدين وسورة الأعراف هي حكاية قصة العقيدة في التاريخ البشري وكيف استقبلت الأمم دين الله تعالى وكيف عاملها الله عز وجلّ.

(وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿٦٥﴾ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿٦٦﴾ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٦٧﴾ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ﴿٦٨﴾ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٦٩﴾ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٧٠﴾ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ﴿٧١﴾ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ ﴿٧٢﴾)

وقد تضمنت سورة الأنعام أكبر عدد من أسماء الرسل فلم يرد في غيرها من السور كما ورد فيها من أسماء الرسل وذلك عند قول الله تعالى (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴿٨٣﴾ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٨٤﴾ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٨٥﴾ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٨٦﴾ وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٨٧﴾). وقد كان ذكر الرسل في سورة الأنعام مجملًا من غير تفصيل فجاءت سورة الأعراف لتحكي لهذه الأمة قصص الرسل الكرام ومعاناتهم مع أقوامهم، ويصلح أن تكون قصص الأنبياء الواردة في هذه السورة تفصيلًا لقوله تعالى في آخر الأنعام (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٦٥﴾) لذلك صدّر السورة بخلق آدم عليه السلام الذي جعله خليفة في الأرض. وقد جاء في آخر سورة الأنعام قوله تعالى (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿١٦٠﴾) فالحسنات والسيئات لا يُعلم رجحان إحداهما على الأخرى إلا عن طريق الميزان الذي تحدثت عنه سورة الأعراف في مطلعها عند قوله تعالى (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٨﴾ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴿٩﴾) فالميزان الحق في سورة الأعراف هو الذي يُظهر وزن الحسنات التي ذُكرت في آخر سورة الأنعام وهو وزن حق لا يأتيه الباطل حيث يعطى الوزن الحقيقي للحسنة فما كل حسنة جيء بها يكون لها وزن في ميزان الله الحق فكم من عمل يعمله الإنسان يظنه عظيمًا ثقيلًا في ميزان الله تبارك وتعالى فإذا هو لا اتباع فيه وقصد به غير وجه الله تعالى فيكون يوم القيامة هباءً منثورًا لا وزن له في الميزان الحق، فيكون معنى آيتي سورة الأنعام وسورة الأعراف: أن من جاء بالحسنة فله عشر أمثلها إذا ابتُغي بها وجه الله عز وجلّ والميزان هو الذي يكشف الوزن الحقيقي للحسنات فمن ثقلت موازينه في ميزان الله فأولئك هم الملفحون ومن خفت موازينه في ميزان الله فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون. ورُبّ عملٍ لا يهتم الإنسان له كابتسامة في وجه مسلم وكإماطة أذى عن طريق المسلمين يعطي الله عليه أجرًا جزيلًا وقد روت كتب السنّة أن الله قد غفر لامرأة بغيّ سقت كلبًا قد أجهده العطش لذلك وصف الله ميزانه بأنه ميزان حق.

(المص ﴿١﴾ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢﴾ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴿٣﴾ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ﴿٤﴾ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴿٥﴾ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴿٦﴾ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ﴿٧﴾ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٨﴾ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴿٩﴾)

وهناك مناسبة أخرى بين السورتين تؤكد ارتباط السورتين ببعضهما وهي أن الله سبحانه وتعالى قال في سورة الأنعام بعد الوصايا العشرة التي وصى بها عباده المؤمنين (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) ثم يقول (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿١٥٥﴾) فهذا تأكيد من الله عز وجلّ لهذه الأمة بعدم الحيدة عن منهج الكتاب الذي أنزله الله ولما كانت سورة الأنعام هي سورة قواعد أصول الدين كانت الوصية باتباع الكتاب من أهم قواعد العقيدة التي لا تصلح عقيدة مسلم إلا بالإقرار بها ثم بعد ذلك تجيء سورة الأعراف لتؤكد في مطلعها على ضرورة اتباع منهج الله عز وجلّ وتبليغه للناس ولو كان في تبليغه حرجٌ وصدّ من أولئك المتجبرين الذين وقفوا حجر عثرة في وجوه الرسل، لا بد من اتباعه لأنه منهج الله عز وجلّ فإن لم يُتّبع ابتكر الناس لأنفسهم منهجًا جديدًا ابتعد بهم عن صراط الله سبحانه وتعالى، قال الله تعالى في سورة الأعراف (كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢﴾ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴿٣﴾) وهكذا تترابط السورتان مع بعضهما وتتحدان في كثير من المواضيع فتكمل إحداهما الأخرى وتؤدي كل منهما دورها الذي أنزلها الله سبحانه وتعالى من أجله.

اجمالي مواضيع السورة

نزلت سورة الأعراف لتفصيل قصص الأنبياء وبيان أصول العقيدة وهي كسورة الأنعام بل كالبيان لها لإثبات توحيد الله عز وجلّ وتقرير البعث والجزاء وإثبات الوحي والرسالة. وافتتحت هذه السورة الجليلة بالحثّ على اتباع ما في القرآن الكريم ولو كان في اتّباعه حرجٌ وعنت بسبب أولئك الطواغيت الذين وقفوا سدًا منيعًا أمام دعوات الرسل ولما قصّ الله سبحانه وتعالى قصص الأنبياء مع أقوامهم وكيف أنهم صبروا على أذاهم ثم نصرهم الله سبحانه وتعالى على الجبابرة والمعاندين وكأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يثبت قلب النبي صلى الله عليه وسلم بهذه القصص والأخبار فكأنه يقول له: بلّغ ما أنزل إليك من الكتاب ولو كان في ذلك حرج ومشقة بسبب الطواغيت الذين سيعارضون بلاغك ودعوتك ولك في ذلك أسوةٌ بموكب الرسل الكرام الذين جاؤوا من قبلك برسالات ربهم إلى أقوامهم فأعرضوا عنهم وآذوهم فاصبر كما صبر هؤلاء الرسل من قبلك وبلّغ كما بلّغوا هم ولو كان في ذلك حرج ومشقة.

ثم ينتقل السياق للحديث عن الإنسان الأول آدم عيله السلام كيف خلقه الله سبحانه وتعالى وكيف استقبله هذا الوجود استقبالًا مهيبًا فأسجد الله له ملائكته وعلّمه الأسماء كلها وأسكنه في جنته تكريمًا له ثم حذره بعد ذلك من عدوه إبليس الذي وسوس له فعصى أمر ربه سبحانه وتعالى حبًا بالبقاء والتملك اللذين أغراه بهما إبليس فأنزله الله مع عدوه من الجنة لتبدأ معركة الإنسان مع الشيطان فكان إبليس أول من تمرّد على أمر الله عز وجلّ وكان آدم أول تائب لله سبحانه وتعالى. ويُظهر النص القرآني لمن تدبّره بعض صفات الإنسان وبعض صفات الشيطان بدأت هذه المعركة من تلك اللحظة وإلى قيام الساعة حيث أخذ إبليس عهدًا على نفسه بإضلال البشر ووعد الله سبحانه وتعالى أن يغفر لكل من استغفره وهكذا الحرب سجال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ويستمر السياق القرآني في التعليق والتوجيه والإرشاد إلى أن يصل إلى الحديث عن انقسام الناس إلى ثلاث فرق: أهل النار وأهل الجنة وأصحاب الأعراف وبعض الحوارات التي تجري بين أهل الجنة وأهل الناء وكأنه مشهد شاخص أمام العيون، فأهل الجنة يحمدون ربهم على ما هم فيه من نعمة وأهل الأعراف ينظرون إليهم من فوق سورهم وهم يسألون الله أن يجعلهم معهم وأهل النار يستغيثون ويطلبون العون من أهل الجنة ثم يُسدل الستار عن هذا المشهد المؤثر ليسوق السياق القرآني بعد ذلك بعض دلائل قدرة الله عز وجلّ ليعرفه الناس فيحبوه ويعبدوه فإنه مالك يوم الدين الذي قصّ عليهم مشهدًا منه عند الحديث عن أهل الأعراف.

(إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٥٤﴾ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿٥٥﴾ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٥٦﴾ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿٥٧﴾ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴿٥٨﴾)

ثم ينتقل السياق بعد ذلك ليقصّ علينا تاريخ البشرية مع هذه العقيدة التي أنزلها الله عز وجلّ عن طريق رسلهم فحكى القرآن قصة قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى مع بعض التعليقات على هذه القصص. إنها أمم من أعظم أمم الأرض أهلكها الله سبحانه وتعالى لما عصت رسله وخالفت منهاجه. ويستطيع الدارس لهذه السورة الكريمة والمتمعّن بالقصص فيها أن يضع يده على أسباب هلاك الأمم وسقوط الحضارات، لماذا يهلكها الله سبحانه وتعالى؟ ولماذا لا يعبأ الله عز وجلّ بتلك الحضارات وما اشتملت عليه من تقدم علمي وتطور عمراني فيقلبها الله رأسًا على عقب ولا يقيم لها وزنًا؟ إنها حضارات قامت على غير هدى من الله بل لم تكن على منهاج الله عز وجلّ فإن الله سبحانه لم يمكّن الإنسان من الأرض ليتفاخر بالبناء ويسخّر هذه الحضارة للعبه ولهوه، إنه تمكين لتُبنى حضارةٌ على الأرض تطيع الله سبحانه وتعالى بكل وجهاتها وأما إذا حادت عن ذلك فلا قيمة لها يهدمها الله على رؤوس أصحابها وربما أبقى منها آثارًا لينظر الناس إليها بعد ذلك فيعتبروا بها لأنها سنّة الله التي لا تتبدل.

ويؤكد السياق القرآني على رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأنها رسالة عامة لجميع الخلق حضًا على اتباعها والالتزام بها. وتختم السورة بالتحذير من الشيطان والحضّ على اتّباع القرآن وفهمه وذكر الله سبحانه وتعالى تضرعًا وخفية بالغدو والآصال اقتداءً بالملأ الأعلى الذين لا يستكبرون عن عبادة الله وتسبيحه والسجود والخضوع له في كل وقت وحين.

 

(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿١٩٤﴾ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ ﴿١٩٥﴾ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴿١٩٦﴾ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ﴿١٩٧﴾ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴿١٩٨﴾ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴿١٩٩﴾ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٠٠﴾ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴿٢٠١﴾ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ﴿٢٠٢﴾ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٢٠٣﴾ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿٢٠٤﴾ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴿٢٠٥﴾ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴿٢٠٦﴾)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل