نظرات لغوية في القرآن الكريم - د. صالح العايد - 15

نظرات لغوية في القرآن الكريم حلقات إذاعية

 

د. صالح العايد

التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات

(15)

النظرة الأولى:

في قوله تعالى في الآيات 161،160،159 من سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161)﴾ لو وقفنا أمام هذه الآيات العظيمات متدبرين فيها لخرجنا منها بفوائد بديعة منها:

1.    الفائدة الأولى: أن الله سبحانه وتعالى عبّر عن الكاتمين لما أنزله تعالى من البينات والهدى عبّر بالفعل المضارع (يكتمون)، وقد علمنا أن الفعل يدل على التجدد والحدوث، بخلاف الاسم الذي يدل على الثبوت والدوام، والفعل المضارع يدل على الزمن الحاضر والمستقبل، فالفعل "يكتمون" إذًا يدل على أن اليهود في الوقت الحاضر كاتمون للبينات والهدى، ولو وقع التعبير بالفعل الماضي لتوهّم السامع أن الحديث عن قوم مضوا، وليس عن قوم حاضرين، ثم إنه يدل على تجدد الكتمان منهم فبقاؤهم عليه تجدد له.

2.    الفائدة الثانية: قال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ﴾ الجملة خبر لـ(إنَّ)، وتدل على تجدد لعن الله إياهم كلما تجدد كتمانهم، فهم يكتمون والله يلعنهم؛ أي يطردهم من رحمته، والإشارة بـ(أولئك) التي تدل على البعد للدلالة على بعدهم بالإفساد، ثم إن الإشارة لا تكون إلا للمشاهَد ومع ذلك أشار بها إلى صفاتهم وهي لا تُشاهَد، لأن وصفهم بتلك الصفات جعلهم كالمشاهَدين للسامع.

3.    الفائدة الثالثة: تكرار (يلعنهم) في قوله: ﴿ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ مع إمكان أن يقال أولئك يلعنهم الله واللاعنون، لأن معنى اللعن في الثاني مختلف عن الأول، فإن اللعن من الله الطرد والإبعاد عن رحمته، واللعن من غيره الدعاء عليه بذلك، فلاختلاف اللعنين تكرر الفعل.

4.    الفائدة الرابعة: قوله: ﴿اللَّاعِنُونَ﴾ ليس هناك من أحد متخصص باللعن فيوصَم به، إنما المراد هنا الذين يمكن أن يصدر منهم اللعن، كالملائكة والصالحين الذين ينكرون المنكر، ويغضبون لله تعالى، ويطّلعون على كتمان من يكتم آيات الله، فهم يلعنونهم لذلك.

5.    الفائدة الخامسة: قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ﴾ اختلف النُحاة في نوع الاستثناء، أمتصل هو أم منقطع؟، ومعروف أن الاستثناء المتصل هو ما كان المستثني فيه بعضًا من المستثنى منه، والاستثناء المنقطع هو ما لم يكن فيه المستثنى جزءًا من المستثنى منه. فمن قال في هذه الآية إن الاستثناء متصل فقد استثنى التائبين ممن يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، ومن قال إن الاستثناء في هذه الآية منقطع جعل التائبين من غير الملعونين، لأنهم يرون أن من يلعنه الله لا يتوب عليه.

6.    الفائدة السادسة: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ عبّر بالفعل الماضي الذي يدل على ثبوت الكفر منهم، ثم أردفه بالإخبار عن موتهم على حالة الكفر، وهذا الصنف من الناس لا توبة لهم، ولا يغفر لهم الله لأنه تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [سورة النساء: 48] ولذلك عبّر الله عن جزائهم بجملة اسمية، تدل على الثبوت والدوام، وليس منها استثناء، فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. وتأملوا كيف عبّر الله عن جزاء من يكتم آياته بقوله: ﴿أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ فاللعن عليهم غير دائم لإمكان أن يتوبوا فيرضى الله عنهم؛ فهو حديث عن أحياء، أما في هذه الآية الكريمة فقد عبّر عن جزائهم بثبوت لعنة الله عليهم ودوامها، وكذلك لعنة الملائكة والناس أجمعين لأنهم ماتوا على الكفر فأُغلق دونهم باب التوبة، فالحديث عن هالكين.

النظرة الثانية:

في قوله تعالى في الآية 126 من سورة البقرة: ﴿قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾، قال: ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ ومعلوم أن الزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى، ومتَّع تدل على الكثرة، فكيف وصف مصدرها فقال: ﴿قَلِيلاً﴾؟ فوصف الكثير بالقليل سببه أن الله تعالى مهما أغدق على ابن آدم من نعم الدنيا فإنها قليلة بالنظر إلى صيرورتها إلى نقص ونفاد وفناء. ونظرًا إلى هلاكه ورحيله عن الدنيا وتركه ما فيها، فكثّر الفعل بعين صاحبه، وقلّله بالنظر إلى حقيقته.

النظرة الثالثة:

في قوله تعالى في الآية 94 من سورة الشعراء: ﴿ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾، لم يقل: فكبّوا، وإنما كرر الكلمة دليلًا على التكرير في المعنى، كأن الواحد منهم إذا أُلقي في جهنم ينكبّ مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها.

النظرة الرابعة:

 

في قوله تعالى في الآية 69 من سورة مريم: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾، الشيعة: الفرقة التي شايع بعضها بعضًا وتابعه، ومنهم الأشياع وهم التبع، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وغالب ما يستعمل في الذمّ، ولعله لم يرد إلا كذلك، كهذه الآية وكقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا﴾ [سورة الأنعام: 159] ، وقوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ﴾ [سورة سبأ:54]، وذلك -والله أعلم- لما في لفظ الشيعة من الشياع والإشاعة التي هي ضد الائتلاف والاجتماع، ولهذا لا يطلق لفظ الشيع إلا على فرق الضلال لتفرقهم واختلافهم" (انتهى كلام ابن القيم رحمه الله). وأقول إن الشيعة ليس مخصوصًا بالذم بل هو غالب فيه لقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83)﴾ (سورة الصافات)، والله أعلم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل