أشواق الحج - د. عبد الوهاب الطريري

أشواق الحج

الشيخ عبد الوهاب الطريري

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

ثلاث خفقات في قلب الحاج

1.    الخفقة الأولى أن تستشعر عظمة هذه العبادة التي سوف تتلبس بها، ومن عظمتها أنها عمل من أفضل الأعمال. يا رسول الله أيُّ العمل أفضل؟ قال الإيمان بالله، قالوا ثم أيّ؟ قال الجهاد في سبيله، قالوا ثم أيّ؟ قال الحج. أنت تتهيأ لعبادة الداخلُ فيها يُطهّر تطهيرًا ويُمحَّص تمحيصا ويُسلخ من كل ذنب ويُنقى من كل خطيئة. هل وقفت يومًا أمام غرفة ولادة وخرج إليك بطفل عمره في الحياة دقائق؟ كم كتب في صحيفة هذا الطفل من ذنب؟ كم سجل في صحيفته من خطيئة؟ كم يوجد في صحيفته من كبيرة؟ إنها صفحة بيضاء وضيئة ليس فيها خطيئة ولا ذنب،" من حج فمن لم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه". إنك ستتلبّس بعبادة لم يجعل الله لها أجرًا ولم يقدّر لها ثوابًا ولم يشأ جل وعزّ وهو الكريم الأكرم أن يعطي من أدّاها عطاء إلا الجنة "والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة". استحضر عظمة هذه العبادة وأنت تتهيأ لها (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 97] استحضر فضلها، ثوابها، طهرها وتطهيرها.

2.    الخفقة الثانية التي ينبغي أن يخفق بها قلبك وأنت تتهيأ للإحرام، خلعت هذه الملابس التي تميز بعضنا عن بعض يتظاهر فيها الغني بغناه وينكسر فيها الفقير بفقره، نخلعها كلها ونحسر رؤوسنا ونلبس ملابس الإحرام ثم تختلج الألسنة وهي تنادي ربها لتقول لبيك اللهم لبيك وملؤ قلبك استشعار أن ربك ومولاك ناداك ودعاك فأتيت وخلعت كل مظاهر التميز وأعلنت كل شعائر الفقر لتقول يا رب لبيك، عبد لبّاك، عبدك أتاك مجيبا معظّما يقول يا رب ها أنذا عبدك لبيك ربي وسعديك. استشعر معنى أن تعلن لله افتقارك فتحسر عن رأسك عبودية لله وتطامن لله وخضوع لله ثم تناديه لبيك اللهم لبيك يا رب عبدك أجابك إجابة المحب المعظم، يا رب عبدك قصدك، لا أعلن لك إلا فقري، لا أعلن لك إلا ذلّي لا أعلن لك ربي إلا عبوديتي. ما أعظم مشهد المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو يتهيأ للإحرام، استشعر أن نبيك صلى الله عليه وسلم كان يدلف إلى عبادة عظيمة تهيأ لها أعظم التهيؤ: اغتسل صلى الله عليه وسلم ثم تضمخ بالطيب يتطيب لهذا المسير حتى كان الطيب يُرى في مفارق رأسه وهو الطيب المطيب ثم لبس إحرامه فلما ركب راحلته بسط كفين طيبتين مطهرتين ليهتف لربه بدعاء الذل والعبودية قائلًا: لبيك حجة لا رياء فيها ولا سمعة وكانت حاله تعلن لله الافتقار والذل، ركب على رحل رثّ وقطيفة لا تساوي أربعة دراهم وهو يقول: لبيك حجة لا رياء فيها ولا سمعة. إن مشهد الإحرام والتلبية من مشاهد العبودية العظيمة لله عز وجلّ: إعلان فقر، إعلان ذلّ، إعلان خضوع. هل تستشعر وأنت تلبي ربك وتجيب نداءه أنك تتوجه بكل ذلك وعبوديك لله فتهاتفه وتقول: يا رب عُبيدك، يا رب مُسيكينك، يا رب فقيرك يا رب أتيت بفقري إلى غناك، بذلي إلى عزّك، بعبوديتي إلى ربوبيتك، يا رب مسكينك قصدك، فقيرك أتى إليك، يا رب هاقد حسرت رأسي خضوعًا لك وذلّا لك وعبودية لك، املأ قلبك بمشاعر الذلّ، بمشاعر الافتقار، بمشاعر العبودية. سوف يجمعك الطريق وفجاج مكة مه فئام عظيمة من الناس سوف تلتفت فترى من كل قارة زائر ومن كل أمة وفد ومن كل لغة لسان، اسأل نفسك وأنت تهاتف ربك: من هؤلاء؟ لماذا أتوا؟ ما حاجتهم؟ سيأتيك الجواب سريعا: هؤلاء كلهم عبيد الله أتوا يطلبون ما تطلب، أتوا يعلنون ما تعلن، أتوا يسألون ما تسأل، حينها اهتف من قلبك: يا رب هؤلاء كلهم عبيدك وليس لي رب سواك، با رب كل هؤلاء خلقك أما أنا فلا خالق لي غيرك، يا رب كل عبيدك هؤلاء أتوا إليك وأنا مسكين مع هؤلاء المساكين، أنا فقير مع هؤلاء الفقراء، يا رب أنا ضارع مع هؤلاء الضارعين، يا رب اقبلني معهم، يا رب أفض عليّ مما تفيض عليهم. اسق قلبك من هذه المشاهد العظيمة ففي قلوبنا ظمأ. كنت في الحرم في الحج فرأيت حاجًا أعجميا أتى بعد طول شوق وحنين ووقف بعيدًأ ينظر إلى الكعبة وهو يدعو الله بدعاء أعجمي ما فقهت منه شيئا لكني فقهت ضراعته، فقهت عبوديته، رأيته يدعو وكأن جلال الله يتراءى له رأي عين، يقف برهبة وخضوع وانكسار يدعو وعيناه تهملان فجعلت أنظر إليه وأدنو إليه وأقول يا رب ما أفضت على عبدك هذا فأفض عليّ فأنت أكرم من أن تردّه وأكرم من أن تصدّه وأكرم من أن تخيّب ظنّه وأنا مسكين معه فاقبلنا يا رب جميعًا. استشعر معاني عبودية الناس وأنت تندس بينهم وتحشر نفسك في زحامهم.

3.    الخفقة الثالثةعندما تقف مع عبيد الله وعباده في صعدات الدعاء المعظم صعيد الدعاء في عرفات يوم ترى هذا الضجيج الأيدي مرفوعة والرؤوس مطأطئة والأعين دامعة وهؤلاء الخلق كلهم يضجون لله كلٌ يناديه كلٌ يسأله كلٌ يستغيثه (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴿٢٩﴾ الرحمن) استحضر عظمة هذا الموقف، استحضر أنك تقف موقفا يتجلي الله عز وجلّ فيه لعباده هؤلاء وأنت بينهم فيباهي ملائكته الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، يباهيهم بهؤلاء الذين كشفوا رؤوسهم وبسطوا أيديهم ضاحين لله يقولون يا رب هاقد أتيناك، يا رب ها قد قصدناك لبيك اللهم لبيك. ما أعظم أن تكون في مشهد يباهي به الله الملائكة الكرام فما ظنك بعطاء رب لعبيده وهو يباهي بهم؟ ما ظنك بعطائه لهم؟! ما ظنك بفضله عليهم؟ّ ما ظنك بإكرامه لهم؟ّ ادعُ ربك في هذا المشهد وأنت واثق بفضله، واثق بكرمه، واثق بعطائه، ادعُ ربك فهو الذي يعطي ولا يبالي ويغفر ولا يبالي، ادعُ ربك في هذا المشهد بدعاء المفتقر الخاضع الذليل الي امتلأ قلبه يقينًا بأن الله أكرم من أن يصده أو يرده لا والله ما دعاك الله إليه ليطردك أو يردك أو يصدك ولكن ليقبلك ويتطول عليك ويفيض عليك ويكرمك وهو الكريم. إذا دعوت ربك فتذكر أنك تدعو كريمًا لا يمنع ما عنده وتدعو غنيًا لا ينفد ما عنده فما ظنك؟ رأى الإمام سفيان الثوري ضجيج الناس في عرفات فالتفت إلى أصحابه وقال: من تظنون أعظم الناس ذنبًا في هذا الموقف؟ قالوا من يا أبا سعيد؟ قال أعظم الناس ذنبًا في هذا الموقف من ظنّ أن هؤلاء يسألون الله ثم لا يعطيهم. ووقف الإمام عبد الله بن المبارك في عرفات فلما رأى ضجيج الناس فالتفت إلى أصحابه وقال: ما رأيكم لو أن هؤلاء أتوا إلى تاجر في خراسان وقالوا أتيناك، طلبناك، لا تردنا، قال ما تطلبون؟ قالوا أعطنا دانق (يساوي قرش) يعطيهم أم لا؟ قالوا: يعطيهم، فقال: لَمَا يسألون الله أهون عليه من ذلك. فاملأ قلبك يقينًا أنك تسأل الكريم فما ظنك بكرمه؟ تسأل العظيم فما ظنّك بعطائه؟ تسأل الغفور فما ظنّك بمغفرته؟ تسأل التواب فما ظنك بتوبته؟ تسأله فتقول: يا رب فقيرك، مسيكينك، أى بفقره إلى غناك، أتى بذلّه إلى عزّك، أتى بعبوديته إلى ربوبيتك، يا رب أسألك فلا أذكر عملي ولكن أذكر رحمتك، ولا أذكر ذنبي ولكن أذكر مغفرتك، ولا أذكر خطيئتي ولكن أذكر توبتك، يا رب اقبلني مع من قبلت وأعطني مع من أعطيت وتفضل عليّ مع من تفضّلت ولا تجعلني أشقى خلقك. ادعُ ربك بصدق، بابتهال، تذكر نبيط صلى الله عليه وسلم الذي وقف بعرفة وبسط يديه يدعو من وقت الوقوف بعد أن صلى صلى الله عليه وسلم إلى أن غربت الشمس وقد بسط يديه إلى صدره كاستطعام المسكين، ترى المسكين إذا بسط يديه يسأل ترى الضراعة في عيونه في قسمات وجهه وفي عباراته التي يسأل بها. كان صلى الله عليه وسلم يبسط يديه ويدعو كاستطعام المسكين حتى إنه لما اضطربت به راحلته وسقط خطامها تناوله بيد وأبقى اليد الأخرى مبسوطة يدعو بها. ادعُ ربك وأنت على يقين أنك تدعو ربًا رحيمًا هو أرحم بك من أمك التي ولدتك فما ظنك؟ ادعُ ربًا غفورًا يقول: يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم أتيتني لا تشرك بي شيئا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. أنزل حواجك وثق أن ربك لا يمكن أن تدعوه ولا يستجيب لك. التقيت بأحد العُبّاد تعبّدًا فطريًا، كان شيخًا كبيرًا أتى من مصر وفي عينك شوق وفي قلبه ظمأ وعمره سبعون سنة قضاها شوقا إلى الحج إلى بيت الله الحرام، احتفيت به قبل أن يسافر وأنا أرى دموع الشوق في عينيه فلما عاد من الحج استقبلته وسألته وقلت له: تقبل الله يا حج سمير، كيف الحج معك؟ فأجابني وكل قسمات وجهه تضج بالبشرى وقال لي كلمة أثرت في نفس: الرضى، كل ما أريده قلته، كل ما كنت أريده سألته، أوصلت دعوتي إلى الذي يقبل الدعاء ويستجيب. هذا اليقين الذي ينبغي أن يكون في قلبك وأنت تدعو ربك. لا يمكن أن تدعوه فيصدّك أو يردّك أو يخيّب رجاءك وظنّك "أنا عند ظنّ عبدي بي فليظنّ بي ما يشاء".

لنذهب إلى الحج بهذه الأشواق وبهذا المشاعر والشعور ولن نلقى من ربنا إلا خيرًا فوعزّته وجلاله ما دعانا إلا ليكرمنا، إلا ليعطينا، إلا ليغفر ويرحم ويتوب ويعطي وإذا أعطى تطوّل وأجزل.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل