نظرات لغوية في القرآن الكريم - د. صالح العايد - 11

 نظرات لغوية في القرآن الكريم حلقات إذاعية

د. صالح العايد

التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات

(11)

النظرة الأولى:

قال الله تعالى في الآية 13 من سورة سبأ: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾، الشكر: الامتلاء من ذكر المنعم عليه، الشكر ثلاثة أنواع:

1.    شكر القلب: وهو تصور النعمة.

2.    وشكر اللسان: وهو الثناء على المنعِم.

3.    وشكر سائر الجوارح: وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقه.

وبناء على هذا ففي الآية السابقة نظرتان:

·        أولاهما: أن الله تعالى قال: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾، ولم يقل "اشكروا"، قال الراغب الاصفهاني: لينبه على التزام الأنواع الثلاثة من الشكر بالقلب واللسان وسائر الجوارح، فيكون إعراب (شكرًا) في الآية على هذا القول مفعولًا مطلقًا، وقيل: إن (شكرًا) مفعول لأجله.

·        ثانيهما: أنه قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، قال الزركشي: الحمد لله الذي ما قال "الشاكر"، لأن الشاكر هو المُثني بالقليل والكثير، أما شكور فصيغة مبالغة بمعنى الموفي نعمة الله حقها من الشكر، ولذلك وصف الشكورون بالقلة؛ لأن توفية نعم الله بالشكر صعب، فهي كثيرة، ومهما حاول العبد شكرها فسيظل مقصرًا. قال الراغب الاصفهاني: ولذلك لم يثنِ -أي الله- بالشكر من أوليائه إلا على اثنين، قال في إبراهيم عليه السلام: ﴿شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ﴾ [سورة النحل:121]، وقال في نوح عليه السلام: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [سورة الإسراء:3]، فمدح إبراهيم بأنه مثنٍ على نعم الله، ومدح نوحًا بأنه مبالِغ في الثناء عليه.

ويحسن في هذا المقام أن أشير إلى فائدة المغايرة بين الصفتين، في قوله تعالى في الآية الثالثة من سورة الإنسان: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، سأل الصاحب ابن عباد القاضي عبد الجبار بن أحمد: لمَ جُعل المبالغة في الكفر ولم تُجعل في الشكر؟ فأجاب القاضي: لأن نعم الله على عباده كثيرة، وكل شكر يأتي في مقابلتها قليل، وكل كفر يأتي في مقابلتها عظيم، فجاء الشكر بلفظ فاعل، وجاء كفور بلفظ فعول على وجه المبالغة.

النظرة الثانية:

في قوله تعالى في الآية 27 من سورة الحديد: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾، جعل أبو علي الفارسي "رهبانية" مفعولًا به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، والواو عنده للاستئناف، وليست رهبانية معطوفة على رأفة، قال في كتابه "الإيضاح العضدي": فقوله: "ورهبانية" محمول على فعل؛ كأنه قال: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها، ألا ترى أن الرهبانية لا يستقيم حملها على (جعلنا) مع وصفها بقوله (ابتدعوها)، لأن ما يجعله هو تعالى لا يبتدعونه هم.

وتبع الزمخشري أبا علي الفارسي في إعرابه، وهذا الإعراب منهما مرجعه كونهما من المعتزلة، وهم يقولون ما كان مخلوقًا لله لا يكون مخلوقًا للعبد، فالرأفة والرحمة من خلق الله، والرهبانية من ابتداع الإنسان، فهي مخلوقة له، وهم يعتقدون أن ما يفعله الإنسان لا يفعله الله تعالى ولا يخلقه، وهذا الإعراب منهما باطل، ولا يستقيم على قواعد اللغة؛ لأن جعل هذه الآية من باب النصب على الاشتغال غير صحيح؛ لأن من شروط الاسم المشتَغل عنه أن يكون مختصًا ليصح رفعه على الابتداء، والمبتدأ لا يكون إلا معرفة أو نكرة مختصة، أما في هذه الآية فـ(رهبانية) نكرة غير مختصة، فلا يصح أن تكون من باب الاشتغال، وإنما الإعراب الصحيح لها أن تكون الواو عاطفة و(رهبانية) معطوفة على رأفة، ووصفت الرهبانية بجملة "ابتدعوها"؛ لأن الرأفة والرحمة في القلب لا تكسب للإنسان فيها، بخلاف الرهبانية فإنها أفعال بَدَن مع شيء في القلب، ففيها موضع للتكسب، والله أعلم.

النظرة الثالثة:

في قوله تعالى في الآية 74 من سورة البقرة: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، حيث أتى بالتفضيل من القسوة بواسطة "أشد"، مع أن قسا مما يؤتى بأفعل التفضيل منه فيقال أقسى لأنه مستوفٍ للشروط، والسبب في ذلك والله أعلم: أن الإتيان بـ(أشد) أبين وأدل على فرط القسوة، ولأنه لا يريد معنى الأقسى، ولكن قصد وصف القسوة بالشدة، كأنه قيل: اشتدت قساوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة، كذا قال الزمخشري في الكشاف. وقال ابن المنيّر: إن سياق هذه الأقاصيص قصد به الإسهاب لزيادة التقريع، ولا شك أن قوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ أدخل في الإسهاب من قول القائل "او أقسى"، فإن قيل: علام رفعت كلمة "أشد" فقد وقعت بعد "أو" العاطفة؟ فأقول: إن رفعها إما بكونها معطوفة على "الكاف" من قوله: ﴿ كَالْحِجَارَةِ﴾، فالكاف اسم بمعنى "مثل" واقع خبرًا، وإما أن تكون "أشد" معطوفة على محل الجار والمجرور "كالحجارة" إذا جعلنا "الكاف" حرف جر، والرأي الثالث وهو الأصح عندي: أن تكون "أشد" خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره أو هي أشد.

النظرة الرابعة:

في قوله تعالى في الآية 110 من سورة المائدة عن عيسى عليه السلام: ﴿ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾، حيث نصب "كهلًا" وهي بعد عاطف، والسبب أن "كهلًا" معطوفة على متعلق الجار والمجرور "في المهد"، وهو في محل نصب على الحال، فالتقدير: تكلم الناس كائنًا في المهد وكهلًا.

 

أما فائدة ذكر التكلم في الكهولة التي هي ما بين الثلاثين والستين مع أنه ليس بمستغرب تكلم الكهول، وإنما المستغرب تكلّم الطفل في المهد، فالسبب والله أعلم أنهم كانوا يعتقدون أن من يتكلم في المهد لا يعيش ولا يمتد به العمر، فكانت المعجزة أعظم حيث خولفت العادة، فعاش عيسى عليه السلام وتكلم في حال كهولته، والله أعلم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل