بلاغة آية وحديث - الحلقة 36 - (وأما إن كان من أصحاب اليمين)

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 36

الآية التي معنا في هذا اليوم هي قوله سبحانه وتعالى في ختام سورة الواقعة (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴿٩٠﴾ فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴿٩١﴾) هذه الآية مع الآية 90 والآية 91 في ختام سورة الواقعة جاءتا على وجه بليغ بديع من بلاغات قرآننا العظيم، من بلاغات لغتنا العربية التي نعتز بها، هذه البلاغة البلاغة جاءت عن طريق ما يسميه العلماء: الإلتفات من أسلوب إلى أسلوب لما قال الله (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴿٩٠﴾ فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴿٩١﴾) إن كان هو من أصحاب اليمين فسلام لك أنت من أصحاب اليمين، ما السر –والله أعلم - في تنوع الأسلوب من الغائب إلى المخاطب؟ إن في ذلك لسرًّا بديعًا بديعًا بديعًا نعلم منه شيئا عن طريق ما ذكره علماؤنا الأجلاء بالتأمل في كتاب الله قالوا: إن هذا الخطاب فيه تشريف لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وفداه كل ما يفتدى به من النفس والمال والأهل والولد والوالد، محمد صلى الله عليه وسلم لما خاطبه الله قال له: فسلام لك يا محمد من أصحاب اليمين، في هذا تشريف وأيّ تشريف! إن كان من أصحاب اليمين وهو الصنف الراقي المهم من الناجين يوم القيامة لأن الناس إما مقربون وإما من أصحاب اليمين وإما من أصحاب الشمال - عافانا الله ووالدينا وإياكم جميعًا منهم – فقال الله: إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك أنت يا محمد من أصحاب اليمين صلى الله على محمد وفي هذا تشريف وكأنك تقول: إن كان فلان من الناجحين فهنيئا لك أنت إذ أنت منهم. هنا بالدليل الأولى، بالطريق الأولى، بالطريق الذي يضمن أنه من أصحاب اليمين لما يقول له: إن كان فلان من الناجحين فأنت أنت الآن من الناجحين، سلامٌ لك من أصحاب اليمين، لك أنت، يا من أنت من أصحاب اليمين. وقال بعض العلماء أخذًا من فضل الله الواسع إن الخطاب يصلح للنبي صلى الله عليه وسلم ويصلح لكل من يصلح له الخطاب جعلنا الله وإياكم منهم بمعنى سلام لك أنت الآن أيها القارئ للقرآن سلام لك من أصحاب اليمين بمعنى أنك أنت ينالك شرف كونك من أصحاب اليمين وهنا فضل كبير عظيم في هذه السورة التي قسّمت الناس ثلاثة أقسام: قسمًا خاسرًا وهم أصحاب الشمال وقسم واضح من الأقسام الثلاثة وهم أصحاب اليمين وقسم مقربون، هم المقرّبون، هذه الأصناف الثلاثة هم الذين ذكرهم الله تعالى في سورة الواقعة.

جرى بين بعض السلف حوار لطيف في هذا الباب: قال أحدهم للآخر: "إنني لا أرجو أن أكون من أصحاب اليمين، أنا أرجو أن أكون من المقربين" –يقول هذا الكلام بهمّة عالية - فقال أخوه له وهو يحاوره: "أما إني أعلم رجلًا يود أنه إذا مات لا يُبعث"، وذلك من خوفه الشديد من الله تعالى حتى قال أنا لا أريد أصحاب اليمين ولا أريد المقربين أنا أريد أني إذا مت لا أُبعث، هذا محمول على شدة الخوف وذاك محمول على شدة الرجاء بالله سبحانه وتعالى والخوف والرجاء كالجناحين للطائر يطير بينهما المرء المؤمن إلى الله سبحانه وتعالى حتى يصل إلى محبته وإلى رضاه.

بلاغة حديث

 في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي افتتحناه في حلقات سابقة ونكمل جزءا منه عندما قال صلى الله عليه وسلم: "والصلاة نور والصدقة برهان". الصدقة برهان، عبّر النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الصدقة التي – والله أعلم - تشمل الزكاة وتشمل صدقة التطوع وتشمل الابتسامة وتشمل إعانة الإنسان في مركوبه للآخر، وتشمل التعليم الخيري وتشمل هداية الناس للطريق بالوصف، بالخرائط، بنحو ذلك، لأن أي أمر يفعله للآخرين فهو صدقة، يعين من يحمل متاعه، يرشد الضالّ، يصنع لأخرق لا يستطيع الصناعة، كل أمر يفعله فهو صدقة. الصدقة على الإنسان المسلم والكافر، الصدقة على الدواب على البهائم، على الحشرات، وضع ماء في إناء خارج البيت ليشرب منه الطير كل هذا صدقات. هذه الصدقات برهان، قال عليه الصلاة والسلام "برهان"، ما معنى برهان؟ والله أعلم قالوا إن الإنسان إذا كان معه دليلفي قضية من القضايا فإنه يفزع إليها، يقول الحق معي بدليل كذا وكذا أنا اقول كذا والدليل كذا. فالإنسان كما أنه يفزع إلى الدليل والبرهان كذلك المؤمن في أوقات الشدة في الدنيا وفي يوم القيامة المهول يفزع إلى صدقته كما يفزع صاحب البرهان إلى برهانه وصاحب الدليل إلى دليله كما قيل: "صنائع المعروف تقي مصارع السوء". فالصدقات تمنع الكربات بإذن الله، الصدقات تزيل الهموم وتذهب الغموم وتعين على أمور كادت أن تقع لولا أن أتت هذه الصدقة ولذلك قال عنها صلى الله عليه وسلم: الصدقة برهان بمعنى أنه يفزع إليها. وقيل إن الصدقة برهان يعني أن الصدقة نفسها دليل قاطع على إيمان المتصدق لأن الذي يتصدق هو في الواقع يخرج من مملوكاته شيئا إلى غيره فالذي يخرجها إلى غيره لا شك أنه في عمله هذا يثبت ويبرهن على قوة إيمانه وإلا لما أخرج ما أخرج لأنه لا يرجوها ممن أعطاه سواء كانت صدقة مالية أو عينية أو نحو ذلك. ولذلك كانت الصدقات أثقل ما تكون على المنافقين الذين لا برهان لهم على صدق إيمانهم. جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن المرء في ظل صدقته يوم القيامة" بمعنى أن الصدقة يُخلَق لها – والله أعلم - ظل يوم القيامة تكون مظللة لصاحبها في موقف شديد فكأنه خرج من صدقته في الدنيا فجاءته في وقت يحتاج إليها في الآخرة فظللته واستظل بها إضافة إلى كونها برهان على صدقة الإيمان. الصدقة على الإيمان برهان الصدقة للمؤمن ظل وستر يوم القيامة نسأل الله تعالى أن يوفقنا لنفع أنفسنا ونفع الآخرين وأن يجعل مجتمعاتنا مجتمعات متحابة متآزرة فيما بينها وأن نبرهن عن إيماننا بصدقات نُخرجها عن طيب أنفس فيربيها الله لنا سبحانه وتعالى فنراها يوم القيامة مثل الجبال. 




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل