بلاغة آية وحديث - الحلقة 35 - (لولا إذ سمعتموه)

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 35

آيتنا في هذه الحلقة هي قول الله سبحانه وتعالى (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ﴿١٢﴾ النور) الآية الكريمة الثانية عشرة من سورة النور تتحدث عن حادثة هزّت المجتمع النبوي، المجتمع المدني وهي قصة الإفك عندما رمى المنافقون أمنا الطاهرة المطهرة رضي الله عنها بأقبح الأمور بالزنا في حادثة الإفك الخطيرة المشهورة وتورط فيها من تورط من الصحابة الكرام، من الصحابة الذين زلت بها ألسنتهم وتكلموا بما تكلم به المنافقون المعادون لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، هنا لما جاءت البرآءة جاءت بألفاظ عظيمة فيها من العتبا ما يتناسب وحجم الجريمة التي حصلت وحجم الخطأ لذي قام به بعض الصحابة رضي الله عنهم من الرجال والنساء على ما ظنوا به من الظن السيء بأمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق لا يتصور منها هذا الأمر، الصديقة بنت الصديق لا يتطرق الذهن إلى كونها تخون رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه النفاق إذا استشرى في المجتمعات أحدث الفتنة وأظهر الأمور على خلاف ما هي عليه كما هي حالهم يظهرون خيرًا ويبطنون شرًا فكذلك يظهرون المجتمعات بما هي عليه في الواقع، هنا تورط بعض المؤمنين فقال الله معاتبًا لهم (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ) لولا إذ سمعتموه يا مؤمنون يا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يجدر بكم إذ سمعتم ما سمعتم من المنافقين أن تظنوا الخير وأن تقولوا ما يصلح هذا الأمر وأن تقولوا هذا إفك مبين. تركيب الآية من أولها إلى آخرها بل الآيات كلها آيات قصة الإفك من أولها إلى آخرها آيات فيها من الديناميكية والحركية ما تجعل المشهد متحركًا أمامنا حتى كأننا ننظر في المجتمع النبوي في المدينة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام وهو يموج في ما يموج فيه من هذه الفتنة ثم بشائر التوبة، بشائر البرآءة، بشائر الهداية تتنزل من لدن رحيم، الله جل جلال الله. فلما نزلت آيات الإفك قال الله فيها (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ) يخاطب المؤمنين الآن بهذه الآية فمقتضى الظاهر أن يقول الله –والله أعلم – لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيرا لكنه لم يقل ذلك سبحانه وتعالى وإنما قال (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ  ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا) يسميه العلماء في بلاغتنا الراقية: الالتفات، التفت الله في الخطاب الآن من المخاطّب (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ) أنتم (ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ) هم (بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا) مع أن المخاطب في الأمرين هو هو واحد هم المؤمنون فلم لم يقل الله "لولا إذ سمعتموه ظننتم"؟ لأجل أن يكتب هنا وصف الإيمان قال الله (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ) يعني هذا وأنت مؤمنون ومؤمنات تظنون هذا الظن؟! هذا لا يجدر بكم. هذا ولله المثل الأعلى ولكلامه المكان الأسمى أن نقول لبعضنا هذا الأمر لا يحسن بالمجتهد مثلك أن يفعله أحسن من أن نقول هذا الأمر لا يحسن بك أن تفعله، هذا الأمر لا يحسن بالولد البار أن يقوم به أحسن من أن نقول هذا الأمر لا يحسن بك أن تقوم به، حتى نثبت أن الولد البار هو المقصود لصفة البر وأن الاجتهاد هو المقصود للمجتهد بصفة الاجتهاد كذلك في هذه الآية قال الله (ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ) بمعنى كان الأجدر بكم أن يمنعكم إيمانكم يا مؤمنون ويا مؤمنات من أن تقترفوا ما اقترفه المنافقون، أولئك قوم ضلّوا وإن تكلموا بما تكلموا فليس عليهم العتب الذي عليكم لأنهم هم مثل المريض الذي لا يرجى برؤه أولئك مثل الداء الخطير الذي بتره هو علاجه أما أنتم يا مؤمنون ويا مؤمنات سأسجل العتاب لكم حتى تعاتَبوا بصفة الإيمان التي كانت من المفترض ومن الأجدر أن تمنعكم من الكلام في بيت النبوة الطاهر بيت محمد وعائشة عليه الصلاة والسلام وعليها رضوان الله. إذن جاء هذا اللفظ بأنواع الخطاب المشتمل على العتاب بأسمى صوره وأقسى ألفاظه وأرقّها في الوقت نفسه يذكّر ربنا ويعتب ربنا ويؤاخذ ربنا ويسامح ربنا لأنه بالتلطف قال (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ) ثم قال قلتم ما قلتم لولا إذ سمعتم هذا قلتم (هذا) باسم الاشارة الذي يعود على حادثة الإفك (إفك) بالتنكير، جاء بها نكرة حتى تعمّ كل ما يُتصور أن تعمّ، يعني إفك عظيم لا يقّدر كنهه ولا يُعرف مداه إفك كبير كبير جدًا وقضية خطيرة (إفك) لو وقف عندها القرآن لكانت كافية فما بالنا وقد زادها الله بيانًا بقوله (هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ) يعني بيّن لا لبس فيه بمعنى لا يشك اثنان يقول يحتمل أن تكون عائشة رضي الله عنها أخطأت ويحتمل أن لا تكون أخطأت، لا، يحتمل أن تكون وقعت فيما وقعت أو لم تقع فيما قيل فيها، لا، هذا إفك مبين بمعنى نسبة وقوع الفاحشة صفر بالمائة ونسبة الإدّعاء الكاذب والتهمة الباطلة مائة في المائة لأن الله تعالى قال (هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ) رضي الله عن من نزلت برآءتها من السموات أمنا عائشة وأرضاها رضوانًا إلى يوم الدين.

بلاغة حديث

 استكمال حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض. ثم قال صلى الله عليه وسلم "والصلاة نور" هنا التشبيه البليغ الذي يقول علماء البيان فيه لم يذكر فيه أداة التشبيه ولا وجه الشبه بمعنى لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة كالنور أو الصلاة مثل النور أو الصلاة تشبه النور وإنما قال الصلاة نور، هذا التركيب في بلاغتنا العربية البديعة يسميه علماؤنا الأجلاء التشبيه البليغ وهو ما حذفت منه الأداة وحذف منه الجامع بين المشبه والمشبه به وهو وجه الشبه بمعنى أن الصلاة هي هي النور. ولذلك بهذا اللفظ النبوي الموجز الأخّاذ يتكلم العلماء عن تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة بالنور بكلام بديع يحتمل إطلاق النبي صلى الله عليه وسلم لهذا النور بالصلاة فقالوا إن معناها إن الصلاة تمنع من الفحشاء والمنكر فهي مثل النور الذي يمنع التخبط في الظلمات كأن الإنسان إذا سار ومعه من الإضاءة والكهرباء والكشافات ما يجعله يسير في طريقه بنور وهدى فكذلك الصلاة نور تمنع الفحشاء والمنكر. وقيل إن معناه والله أعلم إن الصلاة تكون في آخر شأنها نورًا لصاحبها يوم القيامة. وقيل إن الصلاة نور بمعنى أنها نور حسّي على وجه المصلي فيه من البهاء والضياء والسناء والإشراق ما ليس في غيره ممن لم يصلي وهذا أمر مشاهَد فإننا نرى الصلاة نور في الوجه، بسطة في الرزق، طول في العمر. نسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعًا للصلاة وإقامتها وأن يصلح لنا ذرياتنا أجمعين ويجعلهم من المصلين ويجعل بناتنا من المصليات المقتديات بالمؤمنات من أمهات المؤمنين ومن الصحابيات. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل