بلاغة آية وحديث - الحلقة الحادية عشرة

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 11

الحديث عن قوله سبحانه تعالى (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴿٦٨﴾ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٦٩﴾) الوقفة في هذه الحلقة مع قوله سبحانه وتعالى (مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ) هذا الشراب المختلف الألوان المتعدد المتباين تكلم عنه علماؤنا  الأجلاء في تفاسيرهم حول هذه الآية الكريم وذكروا أن مختلف الألوان يحتمل عدة أقوال وردت فيها فقالوا إن اختلاف الألوان يعني الشهد والعسل كما قاله الحسن رحمه الله تعالى. وقيل إن معنى اختلاف الألوان هو اختلاف الطعم وقيل إنه مختلف ألوانه حقيقة كالأبيض الذي يسمونه الماذي والأحمر والأصفر، أبيض وأصفر وأحمر وذو ألوان مختلفة أحيانًا يميل إلى الحمرة، وهناك رأي غريب ذكره السمرقندي رحمه الله في بحر العلوم يمكن أن أذكره دون تشجيع له ولا تضعيف حيث قال إنه يخرج من أفواه الشبان من النحل العسل الأبيض ويخرج من كهول النحل العسل الأصفر وأما شيوخها فيخرج منه العسل الأحمر والله أعلم بهذه القسمة التي أوردها السمرقندي رحمه الله تعالى. الشاهد البلاغي في هذه الآية العظيمة أن اختلاف الألوان يدل فيما يدل عليه على عظمة الخالق سبحانه وتعالى الله الذي يُنشيء الأشياء من لا شيء فهذه الأنعام التي تُخرج اللبن هي في الحقيقة أخرجت اللبن من غير مادتها بمعنى هي لم تشرب لبنًا حتى يكون ما تخرجه لبنًا، النحلة تخرج عسلًا مع أنها تأكل الرحيق من الزهور مواد غير العسل لذلك كان إخراج اللبن من الدوابّ وإخراج العسل من النحل آية من آيات الله تعالى الباهرة التي يستطيه بها سبحانه وتعالى وهو القادر يقدر على أن يخرج من اللاشيء شيئًا ذا بال شيئا مهما دون ترتيب معين بحساب البشر بمعنى أن يقيس الإنسان بعقله يقول إذا كان المأكول أو المشروب كذا خرج كذا، لا، الأمر من الله سبحانه وتعالى فالمخرجات لن ترتبط ارتباطًا مباشرًا حسيًا بالمدخلات، المدخلات شيء والمخرجات شيء آخر وهذا يدل على حكمة الله جلّ جلاله وعلى تدبيره وعلى حسن صنيعه وعلى منته على خلقه بإخراج الطيبات لهم من بين الأمور التي يُظنّ أنها لا تصلح أن يخرج منها مثل هذا الطيب.

من اللطائف الجميلة ما ذكره بعض علمائنا وهو القشيري عليه رحمة الله عندما قال: إن النحلة امتثلت أمر ربها عندما قال لها كلي فاستجابت النحل لأمر الأكل فلما استجابت صار ما يخرج منها شفاء للناس. إذن بامتثالها لأمر الله جلّ جلال الله صار الخارج منها طيبا وهذا فيه ما فيه من الإشارة اللطيفة الجميلة إلى امتثالنا نحن البشر أوامر الله سبحانه وتعالى عسى أن يبارك لنا في مخرجاتنا في كلامنا في علمنا في أزواجنا في أولادنا في وظائفنا في تجارتنا في حياتنا كلها إذا امتثلنا أمر الله بما يأمر به كان ما نأتيه من الأعمال وما نفعله وما نقوله من أقوال صارت كلها مثل العسل طيبة وطعمًا وحسن منظر وحسن رونق.

بلاغة حديث:

نستكمل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث السبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما. في قوله صلى الله عليه وسلم عندما ذكر أحد الأصناف السبعة " ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه" هذان الرجلان عملا عملًا مشتركا وهو الحب المتبادل وهذا الحب الراقي دلنا على أنه متبادل الصيغة التي ورد فيها وهذا من جمال اللغة العربية ومن بلاغة محمد صلى الله عليه وسلم عندما قال (تحابا) بمعنى أن الرجلين كليهما يبادل صاحبه الحب وينقل إليه مشاعر المودة ويبدي له الاستبشار والبشاشة ويهشّ في وجهه ويبشّ ويفعل ما تمليه عليه قوانين الحبّ:

لو كان صادقا في حبه لأطاعه

إن المحبّ لمن يحب مطيع

فهذا الرجلان تبادلا الحب تبادلا جميلا دلت عليه صيغة التفاعل في قوله صلى الله عليه وسلم (تحابا في الله) هذا الحب السامي الراقي العظيم دلّ على عظمته وسموه ورقيه التقييد الذي جاء في قوله صلى الله عليه وسلم (في الله) كثير من الناس يتحابون رجالا ونساء معا أو مختلطين  ولكن أسمى حب ما كان حبا في الله وهذا الحب الذي في الله اشترك فيه الطرفان المحب والمحبوب ولذلك استحقا معا ظل العرش يوم القيامة بصفة المحبة وهذا من العجائب كيف أن مجرد الحب يجزي الله به ظله يوم القيامة ولكن إذا عرفنا منزلة الحب في الله لا نستغرب فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الأحاديث: أوثق عرى الإيمان الحب في الله.

تقييد الحب في كونه في الله تحدث عنه الشيخ محمد بن عثيمين عليه رحمة الله تعالى فقال: إن هذين الرجلين لا يشترط أن يكون بينهما قرابة ولا بينهما شركة في تجارة وليس بينهما أبدا شيئا من أمور الدنيا ولكنهما تحابا في الله، رأى صاحبه على طاعة الله فأحبه، الأخت ترى أختها معينة لها على حفظ القرآن، معينة لها على البر، معينة لها على أعمال الطاعة، معينة لها متعاونة لها على التطوع في إعاشة الأسر، في إعالة الأيتام، في إعالة الأرامل. الأخ مع أخيه، الأخت مع أختها إذا رأى أحدهما من الآخر طاعة أحبه لهذه الطاعة فصار الحب فعلا متبادلا لله وفي الله. وما أحسن التعبير الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم (في الله) لأنه حب خالص لا لغرض ولا لعرض وهذا الذي يقود إلى لمسة ووقفة ونكتة جديدة في هذا الحديث وهو الاستمرارية في هذا الحب، ليس حبًا طارئا ولا حبًا ولا حبا مزاجيا ينتهي بانتهاء المصلحة وإنما هو حب مستمر بنصّ الحديث البليغ الذي خرج من مشكاة النبوة عندما قال صلى الله عليه وسلم: اجتمعا عليه وتفرقا عليه، يعني اجتمعا على هذا الحب المشاكل بينهما وتفرقا إما بموت أو بعرض من أعراض الدنيا التي تزيلهما وهما على الحب مستمران وعلى الحب باقيان. إذن الاستمرارية مأخوذة من قوله صلى الله عليه وسلم: (اجتمعا عليه وتفرقا عليه).

 ابن رجب الحنبلي رحمه الله أحد العلماء الذين لهم وقفات جميلة في استخراج الفوائد من الحديث النبوي وقف مع هذا الحديث وقفة قال: كيف أن الحب لمجرد الحب في الله يكون سببا لظل العرش يوم القيامة؟ فقال: لأن الهوى داعٍ إلى التحابّ في غير الله، الهوى يدعو الناس إلى أن يتحابوا في غير الله لما في ذلك غرض للنفس كأن يطمع الإنسان في حب جميل لجماله أو حب وجيه لوجاهته أو حب غني لغناه أو حب ملك لملكه أو حب أمير لإمارته أو نحو ذلك من مصالح الدنيا لكن الحب الذي نعصي به الهوى ونجعله مجردًا لله أيًا كان لون المحبوب ووضعه الاجتماعي وغناه وأيًا كان مستواه المعيشي وأيًا كانت جنسيته وأيًا كان موطنه هو حب في الله قال ابن رجب: ولذلك خالف الهوى حتى صار تحابهما وتوادهما في الله من غير غرض دنيوي يشوبه وهذا عزيز جدا ولذلك لن يتحابا في الله إلا صار لهما هذا الجزاء العظيم وهو ظل العرش يوم القيامة الذي نسأل الله أن يجعلنا ووالدينا جميعا أن يجعل الجميع في ذلك الظل العظيم يوم القيامة.

 




التعليقات

  1. randaabdelaziz علق :

    جزاكم الله خيرا ولكم جزيل الشكر واوفره

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل