كل يوم آية - (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٧٦﴾ النحل)

كل يوم آية – (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٧٦﴾ النحل)

د. رقية العلواني

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

يقول الله عز وجلّ في سورة النحل (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٧٦﴾) القرآن يضرب الأمثال، القرآن يعلمنا كيف نتعامل مع الأحداث، كيف نغيّر من التصرفات السلوكيات الفردية والمجتمعية من خلال ضرب الأمثال. وكلمة (كلّ) بمعنى أن الإنسان يثقل عليه الأمر فلا ينبعث فيه ولا يستطيع القيام به حتى يصبح ذلك الإنسان يصبح عالة على غيره، عالة على وليّ أمره أو من يقوم بإعالته، وهذه الظاهرة التي يصفها القرآن تأتي من الوهن والضعف في الإرادة الذي ينعكس بطبيعة الحال على الضعف بالقيام بالأمر أو مزاولة ذلك الأمر حتى إذا كان هذا الأمر يتعلق بشيء في خاصة نفسه، خلل في الإرادة، فتور، وهن، ضعف، عدم قدرة على تحمل المسؤولية، ولنا أن نتساءل من منا اليوم لا يشعر بذلك الخلل الواقع في أُسرنا وفي بيوتنا ومؤسساتنا ومجتمعاتنا؟ هناك محاولة للتملص من المسؤولية، رغبة في التهرب من المسؤولية ولا نبالغ إن قلنا أننا نشعر بتلك التبعات حتى على مستوى الأبناء والبنات منذ الصغر. والسؤال الذي يطرح نفسه: يا ترى من أين جاءت نظرية الاتكالية في كثير من مجتمعاتنا؟ الإتطالية التي أصبحت تتخذ أشكالًا فردية وجماعية؟ الإتكالية التي تبدأ منذ الصغر حين لا نستطيع أن نجعل الأطفال منذ صغرهم يقومون بتحمل أعباء مسؤوليات أنفسهم حتى لو كانت تلك المسؤوليات بسيطة أو صغيرة تتلاءم مع أعمارهم. الطفل الذي يذهب إلى المدرسة ولكنه لا يستطيع أن يقوم بحمل الحقيبة على ظهره أو حتى ليس على ظهره لأن هذا ربما لا يكون مناسبا للمعايير الصحية، لا يستطيع أن يقوم بحمل أشيائه الخاصة بنفسه، يتكل على أمه، على خادمة، يتكل على والده أو أخيه، أي إنسان آخر ولكن لا يقوم هو بنفسه بحمل هذه الأشياء. هذا الطفل في هذا النوع من الممارسة العملية والتربية نحن بطريقة أو بأخرى انتبهنا أم لم ننتبه نحن نعلمه على التهرب من المسؤولية نحن نعلمه كيف يكون انسانًا انسحابيا من تحمل المسؤولية، نحن نسحبه في حقيقة الأمر سحبا من تحمل مسؤولية ذاته، مسؤولية القيام على شأنه.

 

وإذا ما جئنا إلى المؤسسات التربوية ومنذ مراحل مبكرة في لتدريس وفي التعليم نجد أننا لا نلاحظ نحن إلى أي مدى نسهم في غرس ثقافة التواكل والاتكالية نلقن الطلبة ذلك المنهج تلقينا نقوم بإعطائهم كل المادة أو الملخصات عن المقرر الذي نقوم بتدريسه ولكننا لا نقوم بمحاولة لدفعهم إلى التعلم الذاتي تحت إشرافنا، ذلك النوع من التعلّم الذي يربي في الناشئة القوة على اتخاذ المواقف، الجرأة على تحمل المسؤولية، القدرة على إثبات الذات، تعلّم أن العلم وطلب العلم عمل اكتسابي ينبغي للمتعلم أن يقوم به ولو بمراحل بسيطة تحت إشراف المربّي، الأم أو الأب. هذا النوع من التعامل وهذا النوع من التنشئة والتربية منذرة بأن تأتينا بأجيال لا تعرف سوى الإتكالية والإنسحاب من المسؤوليات الإنسحاب في مراحل مبكرة والاتكال دوما على طرف ثاني يقوم بالمهمة بالنيابة عنه. هناك مظاهر لتلك الاتكالية في مجتمعاتنا لا يمكن أن تبشّر إلا بمزيد من التهرب من المسؤوليات ولذلك حتى على مستويات المسؤولية الاجتماعية حين يكبر الإنسان نجد هناك انسحاب لجموع عريضة من الناس من ساحة المشاركة ناهيك عن المبادرة! لماذا؟ من أين جاء كل هذا النوع من الاتكالية والشعور بأن نكون عالة على الآخرين وعدم الرغبة في تغيير هذه الحالة، الإلقاء بالمسؤوليات على أشخاص آخرين دون أن يقوم الفرد فعلًا بمباشرة أعماله بنفسه، هذه الظاهرة المرفوضة في القرآن والتي اعتبرها القرآن وفق الآية التي ذكرنا اعتبرها مرتبطة بضعف الإيمان، الإنسان المؤمن الذي يبادر باتخاذ قرار الإيمان والإنجاز والعمل الصالح ليس بذلك الإنسان الذي لا يعرف خاصة شأنه ولا خاصة نفسه، ليس بذلك الإنسان الذي يعيش عالة على غيره. الإيمان الذي يصنع عند الإنسان الدافعية والقدرة على مزاولة الإرادة وممارسة العزيمة في معترك الحياة، هذا إنسان لا يمكن أن يُنشّأ تربية اتكالية علينا أن ننتبه إلى نوعية التربية التي نربي بها الأبناء منذ الصغر، التنشئة على القيام بالمسؤولية وتحمل المسؤولية ليست بالأمر الذي يكتسب في مراحل إلا من مراحل الطفولة لا في مراحل متأخرة، إذا بدأنا في مراحل متأخرة لن تكون الإنجازات بالمتسوى الذي نتمنى أن نصل إليه. نحن بحاجة إلى إعادة النظر في الكيفية التي نربي بها أبناءنا اليوم، الجيل الجديد ذاك الجيل الذي أصبح صحيح يمكن أن يكون عمر الطفل يتناسب بالتأكيد مع قدرات معينة ولكن ليس من الصحيح أن أربي الأطفال على أن لا يتحملوا ولا حتى الكتاب أو الدفتر الذي يحمله إلى المدرسة أو إلى الروضة، الأشياء التي يقوم بحملها نحن بحاجة أن نعيد النظر ماذا نفعل بأطفالنا، ماذا نفعل بهذه الأجيال التي يقع على أكتافها أعباء كثيرة هذه الأعباء كيف يمكن لتلك الأجيال أت تتحملها إن لم تكن على قدر من المسؤولية إن لم تكن على قدر من تحمل القيام بالواجبات التي تقع عليها بالدرجة الأولى. أن يكون الإنسان عالة على غيره حتى لو كان ذلك الغير أب أو أم أو أسرة، هذه مشكلة خطيرة! التكافل الأُسري والتكافل الاجتماعي لا يعني أبدًأ أن نصنع من أبنانا وبناتنا عالة علينا، الحنان والعاطفة والمحبة والأمومة والأبوة لا تعني بالضرورة أن أعلّم أبنائي أن يكونوا عالة عليّ أبدًأ، من تمام الأبوة والأمومة والرعاية أن أجعل هذا الطفل ابنًا كان أو بنتًا على قدر من تحمل المسؤولية، الأمومة والأبوة ليست مجرد ضخ للأموال وليست تحمل للأعباء بالنيابة عن الأبناء، بالعكس، هي محاولة لجعل الأبناء والبنات قادرين على تحمل المسؤوليات، تعليم الأبناء والبنات كيفية تحمل المسؤوليات. نحن بحاجة إلى إشاعة هذه الثقافة هذا الوعي المبكر عند المربين، عند الآباء، عند الأمهات لكي نقوم بإشاعة هذه الثقافة في مراحل عمرية مبكر جدا من حياة أبنانا كي لا ينشأوا عالة على غيرهم ولاعالة على مجتمعهم. 



التعليقات

  1. محمد علق :

    مقال رائع .. جزاكم الله خيرا

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل