كمال اللغة القرآنية - استخدام الضمائر

كمال اللغة القرآنية
د. محمد داوود

• استخدام الضمائر:
زعموا أن هناك اضطرابًا في استعمال القرآن للضمير، في الآيات التالية:

3) قوله تعالى: ( حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ ) (يونس: 22)؛ حيث انتقل الكلام من ضمير المخاطب (كنتم) إلى ضمير الغائب (بهم ـ فرحوا) والصواب ـ في ظنِّهم ـ أن يقال: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بكم بريح طيبة، وفرحتم بها.. وبذلك يستمر الكلام على نسق واحد، وتتوحد الضمائر.

جاءت الآية الكريمة على نسق أسلوب بلاغي يُعْرَف بالالتفات، وهو ما أشرنا إليه في الآية السابقة.

وها هنا بدأت الآية بتوجيه الخطاب للناس كافَّة (مؤمنين وغير مؤمنين)، امتنانًا بنعمة التسيير في البحر، وهي شاملة لجميع الناس، فَحَسُنَ خطابهم بذلك، ثم التفت من الخطاب إلى الغيبة؛ لأن هذه الحالة (حالة جرى السفن) هي حالة غياب، فالسفن حملت راكبيها، وغابت بهم في خضم الأمواج، واستمر الكلام بضمير الغائبين في قوله تعالى: ( وَفَرِحُوا بِهَا؛ لأنه يخص الباغين الذين لم يشكروا نعمة الله، فأخرج الله ) المؤمنين من الخطاب وأفرده للكافرين لئلا يشترك المؤمنون مع الكافرين في هذا العقاب والهلاك في البحر .

هكذا جاء الالتفات في الآية من ضمير المخاطبين إلى ضمير الغائبين متوافقًا مع المعنى، فلما كان السياق خاصًّا بالنعمة جاء ضمير المخاطب الجمع لجميع السامعين، فلمَّا تَهَيَّأت للانتقال إلى ذكر الضراء حدث الانتقال من ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة بما يخلص وقوع الضراء بالمشركين.. ثم استمر ضمير الغيبة في الآية التالية خاصًّا بالمشركين وحدهم: ( فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) (يونس: 23)؛ فَتَمخَّض الضمير للمشركين .

ليس في الضمائر اضطراب إذن، بل إن تركيب الآية على هذه الصورة جاء متَّسقًا تمام الاتساق، فجاء كل ضمير مطابقًا لحال صاحبه، هذا إلى ما في الانتقال من الخطاب إلى الغياب من تفريق بين حالين: حال المؤمنين الذين شكروا نعمة الله، وحال المشركين الذين امتحنوا بخطر الهلاك في البحر فارتفعت أصواتهم بدعاء الله عز وجل ثم لَمَّا أنجاهم استمروا في بغيهم وطغيانهم.

وكانت الضمائر على النحو التالي:
كنتم: خطاب عام يشمل جميع السامعين من مؤمن وكافر، ثم أخرج المؤمنين وأفرد الضمير لغير المؤمنين، بهم، أنجاهم، هم، يبغون، فرحوا.

ثم عاد الخطاب إلى جميع الناس، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )(يونس: 23).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل