فروق لغوية: الخَبْءُ ـ الإخفاء ـ الدَّس ـ السَّتْر ـ المُوارَاة

فروق لغوية: الخَبْءُ ـ الإخفاء ـ الدَّس ـ السَّتْر ـ المُوارَاة

معجم الفروق الدلالية في القرآن الكريم

د. محمد داوود

في تفسير المعاجم اللغوية لهذه الألفاظ تردَّدت كلمة الإخفاء والسَّتر في تفسير أكثر هذه الألفاظ، على النحو التالى:
• الخَبْءُ: سَتْر اليىء 
[1].
• الإخفاء: الستر
[2].
• الدَّسُّ: إخفاء شيءٍ وستره تحت شيءٍ 
[3].
• السَّتْر: إخفاء الشيء 
[4].
• المواراة: إخفاء الشيء 
[5].
فلنتأمل الاستعمال القرآني لهذه الألفاظ:

• الخَبْء:
وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم مرة واحدة، في قول الله عز وجل:
- {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ}النمل/25.
الخَبْء: مصدرٌ أُطْلِقَ على المخبوء وهو المطر والنبات وغيرهما ممَّا خبأ الله عز وجل من غيوبه 
[6]. وهو اسم لكل مُدَّخَرٍ مستور [7].
• هكذا نرى أن القرآن الكريم قد استعمل لفظ الخبء لوصف شيءٍ يُخْفَى ويُسْتَرُ ويُدَّخَر لأنه ثمين نفيس.

• الإخفاء:
تكرر ذكر الإخفاء في القرآن الكريم كثيرًا، ومن شواهده:
- {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}البقرة/ 271.
- {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُالبقرة/284.
• يتضح معنى الإخفاء من وروده في القرآن مقابلًا للإبداء والإعلان والجهر، فالإخفاء ـ إذن ـ هو: الستر والكتمان
[8].

• الدَّس:
وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم مرة واحدة، في قول الله عز وجل:
- {يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَالنحل/59.
• الدَّسُّ هنا: الدَّفْن والتغييب في التراب 
[9]، وهذا فيه مبالغة في الإخفاء والسَّتْر، كما يظهر ملمح الدافع وراء دسِّ الشىء، وهو الرغبة في التخلص منه.

• السَّتْر:
وردت هذه المادة في القرآن الكريم ثلاث مرات، في الآيات التالية:
- {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا}الإسراء/45.
- {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا}الكهف/90.
- {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ}فصلت/22.
السَّتْر: تغطية الشيء بحيث لا تراه العيون، والحجاب المستور أي: البالغ الغاية في حجب ما يحجبه، حتى كأنه مستور بساتر آخر
[10].
والمراد بالستر في آية الكهف: كل ما يستر الإنسان ـ أي يقيه ويحجب عنه الأذى ـ من الثياب والأبنية والحصون وغيرها
[11].
• والملمح البارز في لفظ الستر هو الوقاية والحماية والمنع.

• المواراة:
ذكرت هذه الكلمة ومشتقاتها في مواضع عديدة من القرآن الكريم، ومن شواهدها:
- {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًاالأعراف/26.
- {يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِالنحل/59.
- {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِص/32.
يُوارِى الشيءَ مواراةً: يستره بشيءٍ يخفيه 
[12].
• غير أن هذه الكلمة جاءت في أكثر مواضعها من القرآن الكريم في سَتْر شيءٍ يخجل الإنسان ويشعر بالخزى إذا انكشف، كالسَّوْأة، وكاختفاء المُبَشَّر بالأنثى في الجاهلية؛ لأنَّهم كانوا يشعرون بالخزى والعار إذا وُلِدَ لهم إناث.
• وأمَّا وصف الشمس أو الخيل بالتواري في قول الله عز وجل: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ}، فهو مجازٌ عن تَوَارِى الملِك أو المُخَبَّأة بحجابها
[13].
• ونخلص مما سبق إلى أن ألفاظ "الخَبْء ـ الإخفاء ـ الدَّس ـ السَّتْر ـ المُوارَاة" متقاربة دلاليًّا؛ فكلها تدلُّ على الإخفاء والاستتار، ويتميز كل منها بملمح دلالي فارق في الاستعمال القرآني، على النحو التالي:
• الإخفاء: أعمُّ هذه الألفاظ، وهو الستر والكتمان.
• الخبء: إخفاء شيء ثمين.
• الدَّس: المبالغة في الإخفاء والستر.
• السَّتْر: الوقاية والمنع.
• المواراة: إخفاء شيء يُسْتَحْيَى منه خاصَّةً.

****************************

[1] مقاييس اللغة، اللسان (خ ب أ).
[2] تهذيب اللغة، مقاييس اللغة، اللسان (خ ف ا).
[3] مقاييس اللغة، اللسان (د س س).
[4] مقاييس اللغة، اللسان (س ت ر).
[5] اللسان (و ر ى).
[6] البحر المحيط 7/69.
[7] مفردات الأصفهانى (خ ب أ).
[8] مفردات الأصفهانى (خ ف ى).
[9] البحر المحيط 5/504.
[10] التحرير والتنوير 15/117.
[11] الكشاف 2/498.
[12] مفردات الأصفهانى (و ر ى).
[13] الكشاف 3/374.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل