نسق الاستكبار في سورة غافر

نسق الاستكبار في سورة غافر

تأمل هذا النسق من سورة غافر: (عذت بربي وربكم من كل متكبر) (يطبع الله على كل قلب متكبر) (قال الذين استكبروا) وآخرها في السورة (فبئس مثوى المتكبرين) مناسب للختام.
د. أحمد نوفل
--------------------------------------------------------------------
- (وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴿٢٧﴾) 
- (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴿٣٥﴾) 
- (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ﴿٤٧﴾)
- (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ﴿٤٨﴾) 
- (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴿٦٠﴾) 
- (ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴿٧٦﴾)

وقفة تدبرية بقلم صفحة إسلاميات:

سورة غافر تعالج أمر المجادلين في آيات الله والمجادل بالباطل لا يكون إلا مستكبرًا معتدّا بما عنده (مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ ﴿٤﴾). وآيات السورة من بدايتها إلى خاتمتها تشير إلى استكبار هؤلاء المجادلين وذكر الله تعالى لهم عاقبة أقوام كانوا يعتدون بقوتهم (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ﴿٢١﴾) تأتيهم الرسل فيكفروا استكبارا. 
وضرب الله تعالى في السورة مثالًا لأشد المستكبرين عتوًا وهو فرعون الذي وصل باستكباره أن قال (أنا ربكم الأعلى) بل وطلب من هامان أن يبني لي صرحًا ليصل إلى إله موسى بزعمه وهذا قمة استكباره والعياذ بالله (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ﴿٣٦﴾ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ ﴿٣٧﴾). 
وذكرت السورة قصة مؤمن آل فرعون ونصحه لقومه بكلام يدغدغ مشاعر الكبر التي في قلوبهم فقال (يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ). 
وجاء العذاب مناسبًا لاستكبار هؤلاء المجادلين لأن الجزاء من جنس العمل (وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴿٤٥﴾ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴿٤٦﴾) فكما حاق بهم استكبارهم في الدنيا فسيحيق بهم سوء العذاب وستحيط بهم النار ويدخلون أشد العذاب جزاء وفاقا.
ويأتي في السورة تحذير وتنبيه من رب العالمين لعباده (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴿٦٠﴾) فالاستكبار كله مكروه مرفوض فجاء التحذير من الاستكبار عن عبادة الله تعالى ودعائه والتضرع إليه بعد الأمر بالدعاء والوعد بالاستجابة فكم من أناس ينتسبون للإسلام ولا يصلّون يأنفون من وضع رؤوسهم على الأرض ولا يحجّون ويأنفون من الاختلاط مع ملايين البشر المختلفة أجناسهم وأعراقهم ولك هذا داخل في باب الاستكبار والبعض قد يهمل الدعاء ويزهد فيه بحجج كثيرة واهية.
وفي ختام السورة يأتي التذكير لهؤلاء المستكبرين بأصل خلقتهم (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٦٧﴾) فيما أيها المستكبرون، هذا أصلكم وهذا مآلكم فعلامَ تتكبرون؟! ثم تختتم السورة ببيان عقاب هؤلاء المستكبرين عقابًا مهينًا جزاء استكبارهم الأغلال في أعناقهم ويسحبون في النار بالسلاسل على مرأى ومسمع الناس ويسجرون في النار والعياذ بالله! والجزاء من جنس العمل ولا يظلم ربك أحدًا (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ ﴿٧١﴾ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ﴿٧٢﴾).

وتأتي الآيات (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿٧٩﴾ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴿٨٠﴾ وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَأَيَّ آَيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ﴿٨١﴾) يذكر الله تعالى هؤلاء المستكبرين بأن ما هم فيه من النعم إنما هو من عند الله تعالى لا من عند أنفسهم فهو سبحانه الذي سخّر لهم الأنعام والأكل والمنافع ووسائل النقل وآياته مبثوثة في الكون كله فعلى من يستكبرون وبمَ يغترّون والرزق رزق الله والنعم نعمه سبحانه؟!
وقد تكرر في السورة لفظ الجدال والمجادلة سنعرضها في مشاركة قادمة بإذن الله تعالى.
هذا والله أعلى وأعلم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل