أربع وقفات مع أربع جمل في سورة آل عمران - د. خالد السبت

أربع وقفات مع أربع جمل في سورة آل عمران

د. خالد السبت

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴿١٨٥﴾)

في سورة آل عمران عزاء طويل لأهل الإيمان والمؤمن بحاجة إلى أن يُمعن النظر وأن يتفكر ويتدبر في مضامين هذه السورة في هذا السياق الطويل الذي مؤدّاه (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿١٣٩﴾) هذا هو حال أهل الإيمان والأمة تمر في هذه السنوات بأحوال لا تخفى على أحد، مصابها عظيم، بلاؤها كبير، حيثما اتجهت وجدت أحوالًا وألفيت لا تسر وقد تحبط بعض النفوس وقد يلحقها اليأس والقنوط والعاقبة للمتقين. هذه الآيات هي عزاء لأهل الإيمان مهما اشتدت الكروب وادلهمت الخطوب فإن ذلك كالسحب تنجلي ثم بعد ذلك يفضي الحال إلى نصر وتمكين لهذه الأمة فنسأل الله عز وجل أن يلطف بإخواننا المسلمين وأن يرفع ما بهم من ضر ويشفي مرضاهم ويرحم موتاهم ويبدلهم من الفرقة اجتماعا على الحق والتوحيد.

في السورة آية تلخص ما يقوله القائلون ويذكره الخطباء والوعاظ والمحاضرون وما يذكر في الكتب والمصنفات، آية واحدة تضمنت أربع جمل نحتاج أن نتبصرها لأنها تلخص لنا الرحلة من أولها إلى آخرها وتلخص لنا الحقيقة وتجليها بأوضح عبارة. أربع جمل في آية واحدة:

(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴿١٨٥﴾)

الجملة الأولى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) هذه حقيقة كما قال علي بن أبي طالب: ما رأيت يقينًا أشبه بالشك من الموت، يتوقع الإنسان الموت في كل لحظة، قد لا يخرج من المسجد، قد لا يقوم من مقامه، يتوقع الموت في صباحه ومسائه في ليله ونهاره، يتوقع الموت كل يوم وهو يشيع جنائز من قرابته وأحبته وممن حوله، كل يوم يُخرج ببعض أفراد المجتمع إلى القبور وسيأتي اليوم الذي يُملأ به فضاء المقبرة منا. هذه حقيقة (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) مهما اجتهد الإنسان ومهما احتاط من أجل البقاء وطول السلامة فإن هذا الموت الذي يحاذره كما قال الله عز وجل ما قال يلاحقكم فقد يدرك وقد لا يدرك، قال (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ (8) الجمعة) لأنه قد تفرون منه فإنه ملاقيكم وجها لوجه حيث تفر تجد الموت أمامك، لا ينفع معه حذر، ولا يرتبط بالعافية والاعتلال والمرض إنما هو أجل لا يعلم الإنسان متى يكون وقته وحينه وإذا جاء الأجل فلا يمكن أن يتقدم أو يتأخر، هذه حقيقة نعلمها ولكن اليقين ضعيف الصوارف كثيرة والغفلة غالبة.

الجملة الثانية: (وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الجزاء هناك، هنا دار عمل ويختبر الجزاء بالخير والشر في ذلك اليوم يوم القيامة فيجد الإنسان ما قدم وما أخر ويوافي عمله ويجد صغائر الذنوب وكبائرها قد رصدت (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ) كتاب الأعمال وصحائف الأعمال، (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴿٤٩﴾ الكهف) كل ذلك يُحضر، كل ذلك يقرأه الإنسان (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴿١٤﴾ الإسراء) فيطالع فيه ما يسره أو ما يسوؤه لنه يخطه الآن، هذا وقت الخط والرسم، هذا وقت العمل التي تسجل فيه الأعمال في الصحف ثم كل واحد منا يلاقي كتابا يُنشر. (وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قد يؤخر الجزاء، قد لا تجد ثمرة العمل الآن قد تدعو ولا تجد نتيجة الدعاء الآن، وقد تعمل، قد تتعب ولا ترى أثرا لهذا البذل، قد تدعو إلى الله ولا ترى أثرا لهذه الدعوة وقد لا يستجاب لهذا الداعي وإنما الأجور هناك، عليك هنا أن تعمل وأن تبذل وأن تقدم ولا تنتظر من الناس الجزاء وإنما الشعار (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴿٩﴾ الإنسان) فيلقي التبعة عن نفسه وعن الآخرين فلا يطالبهم لا بشكر ولا بتقدير ولا بثناء ولا بذكر (وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الجزاء هناك.

الجملة الثالثة: (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) هذه هي الحقيقة الكبرى، هذا هو خلاصة ما جاء في القرآن (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ) هذه هي النتيجة، ثمرة الإيمان الذي جاء شرحه طويلا في القرآن، الأعمال الصالحة، وصف الصراط المستقيم بتفاصيله، ذكر الجنة والنار والآخرة وأهوال يوم القيامة، كل ذلك إما لبيان صفة المعبود جل جلاله وأنه واحد لا شريك له وهذا قطب النجاة وعليه المعول أو لبيان العمل وشرح الصراط المستقيم الذي رسمه الله لعباده  من أجل سلوكه أو يكون ذلك لوصف الدار التي يصلون إليها وما يحتف بذلك في مضامين القرآن من ذكر أخبار الأمم والقصص كل هذا من أجل الترغيب والترهيب من أجل أن يُسلك طريق الأنبياء الكبار عليهم الصلاة والسلام فهذا الطريق الطويل سلكه سالكون قبلك لستَ أول من يسلكه ولاقوا فيه من الأذى كما أن أقوامًا قد كذبوا وأترفوا في هذه الحياة الدنيا وضيعوا حق الله عز وجل وطاعته وعبادته فكانت نهايتهم وخيمة. (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) هذا هو المستقبل الحقيقي، ليس المستقبل الحقيق أن يتخرج الإنسان من الجامعة أو أن يُقبل في الكلية التي يريد أو في مرحلة الماجستير والدكتوراة أو يقبل في وظيفة مرموقة أو يكون له من الأرصدة والعقارات والمراكب ليس هذا هو الفوز الحقيقي، هذه الحياة قصيرة لا تستحق وانظروا إلى أحوال الكثيرين ممن حصلوا هذا العَرَ ربما كانوا من أشقى الناس إذا كانوا بعداء عن الإيمان وطاعة الله وكاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. 

يظن الإنسان من بعيد أن هؤلاء الناس سعداء والواقع أنه من لم يكن منهم على حال مرضية من طاعة الله وطاعة رسوله وانشراح الصدر بالإيمان فهو يعيش بضيق صدر بقدر ما فيه من بعد عن الله. لكن الحقيقة الكبرى التي عليها المعول والتي ينبغي أن يتطلع إليها كل أحد ويرجيها كل أحد ويعمل الجميع من أجل الوصول إلى هذا الفوز هو أن يزحزح عن النار ويُدخل الجنة، هذا هو الأهم بل هذا هو الأساس. "يؤتى بأنعم أهل الدنيا فيغمس غمسة في النار غمسة واحدة  فيقول لا والله ما رأيت نعيمًا قطّ! غمسة واحدة، ليست مليارات السنين يُضرب، يقمعه الملائكة بماقمع من حديد فيقول لا والله ما رأيت نعيما قطّ! غمسة واحدة في النار تنسيه كل نعيم الدنيا! وأبأس إنسان في الدنيا ماذا كان يلتحف وكيف كانت همومه وآلآمه وما هي مصائبه والمشكلات التي تحيط به وزوجه وأولاده، أبأس إنسان في الدنيا، يغمس غمسة في الجنة فيقال هل رأيت بؤسا قطّ؟ فيقول لا والله ما رأيت بؤسًا قط!

وهنا (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) لست القضية إخفاق في وظيفة أو في اختبار أو إخفاق في فرصة عمل وإنما القضية (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) هذا الذي نحتاج أن نعمل من أجله وأن تكون جميع ممارساتنا في هذه الحياة، ما نتفوه به، ما نأكله، ما تنبت عليه هذه الأجسام، ما نلتفت إليه، النظر، أعمالنا، ذهابنا، مجيئنا، احتكاكنا، أخلاقنا، قلوبنا، جوارحنا كل هذا ينبغي أن يكون إلى هذه الوجهة (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ). (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ﴿١١﴾ البروج) بينما أهل النار (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴿١٥﴾ لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ﴿١٦﴾ الزمر) هذه الخسارة الحقيقية لو رأيت إنسانًا يتوهج داره أو سيارته محترقة وهو في هذه الدار أو السيارة مع أولاده لتقطع قلبك وأنت لا تعرفه فكيف بالسعير، بالنار؟! ويبقون فيها كل هذه المدة التي لا تقاس بالمليارات ليس لها أمد ولا انتهاء، على شهوات عشر سنوات وخمسين ومئة، ثم هذه النتيجة الرهيبة! فهذا الفوز الحقيقي وهذه الخسارة الحقيقية! دعم مما وراء ذلك كل شيء يُتسلى عنه، فقد الأحبة فقد المال كل ذلك يتسلى عنه الإنسان لكن الفوز هناك والخسارة هناك!

الجملة الرابعة: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) الغُرور والغَرور ما يغر الإنسان ويستهويه فهي متاع الغرور حينما ينظر إليها بمباهجها وزينتها تنجذب إليها نفسه وتشده وتقعده عن طاعة الله ورسوله لكنها متاع والمتاع زائل وقد صوّر الله عز وجل حالها (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴿٤٥﴾ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴿٤٦﴾ الكهف) فهذه حقيقتها وهذا مثلها وصورتها فهي تغرّ الجاهل، تستهويه، فيتعاظم طمعه ورغبته فيها ثم ما يلبث بعد ذلك أن تقشع هذه الأمور جميعًا تذهب تلك اللذات وتبقى الحسرات.

تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها          من الحرام ويبقى الإثم والعار

تبقى عواقب سوء من مغبّتها           لا خير في لذة من بعدها النار

وقانا الله وإياكم والمسلمين من النار.

http://khaledalsabt.com/cnt/kalemat/2897

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل