النبأ العظيم - سورة عبس

سورة عبس

النبأ العظيم – د. أحمد نوفل

تفريغ صفحة إسلاميات حصرياً

سنعيش في أنوار وفي ظلال وأفياء سورة عبس. ما قصة هذه السورة؟ هل هي عتاب للرسول صلى الله عليه وسلم أم اعتذار عن الرسول صلى الله عليه وسلم؟ ما العلاقة بين هذه السورة وسورة النازعات؟ ما منهج هذه السورة؟ ما موضوعها؟ ما العلاقة بين هذه السورة وسورة المعارج، تلك فيه (يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴿١١﴾ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ﴿١٢﴾ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ ﴿١٣﴾ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ ﴿١٤﴾ المعارج) وفي هذه (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴿٣٤﴾ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴿٣٥﴾ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴿٣٦﴾)؟

(عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴿١﴾ أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ﴿٢﴾ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ﴿٣﴾ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ﴿٤﴾ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ﴿٥﴾ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ﴿٦﴾ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ﴿٧﴾ وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ﴿٨﴾ وَهُوَ يَخْشَى ﴿٩﴾ فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ﴿١٠﴾ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴿١١﴾ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ﴿١٢﴾ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ﴿١٣﴾ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴿١٤﴾ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ﴿١٥﴾ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴿١٦﴾)

سورة عبس هي السورة الثالثة في جزء عمّ والسورة الثمانون بترتيب المصحف، آياتها 42 آية، آياتها قصيرة كما هو شأن سائر سور هذا الجزء، والمطلوب من هذه الآيات القصيرة أن تكون قرعات تقرع العقل والقلب الغافل لهؤلاء العرب السارحين والمنشغلين عن مصيرهم ومسيرهم فتأتي الآيات قصيرة كمن يقرع الباب أو يتكلم مع شخص نائم كلمة كلمة: قم، استيقظ، انتبه! لا مجال لإطالة الحديث معه فإذا استيقظ طال الحديث - ولله المثل الأعلى- أقرّب الصورة. سورة جزء عم قصيرة الآيات لأنها طرقات على العقل والقلب وعلى بوابة هذه الشخصية الإنسانية لتفتح مكنونها ومخزونها وطاقاتها وتنتبه إلى مصيرها الخطير إما إلى جنة وإما إلى نار، لذلك جاءت الآيات قصيرة.

فاتحة هذه السورة جملة خبرية (عبس وتولى) مثل شأن عدد من سور القرآن العظيم (يسألونك عن الأنفال) جملة خبرية (برآءة من الله ورسوله) جملة خبرية (قد أفلح المؤمنون) جملة من السور فاتحتها على هذه الشاكلة. لو كان هناك وقت متسع دائمًا لكنا بحثنا عن العلاقة بين السورة السابقة والسورة اللاحقة الذي أسميناه شبكة العلاقات. لكن نقول بإيجاز شديد:

·         سورة النازعات موضوعها القيامة، سورة عبس موضوعها القيامة

·         سورة النازعات فيها (فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى ﴿٣٤﴾) سورة عبس (فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ﴿٣٣﴾)، هذه الآية 34 وهذه الآية رقم 33

·         في السورتين نصٌ مشترك (متاعا لكم ولأنعامكم)، في النازعات (مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴿٣٣﴾) وفي عبس (مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴿٣٢﴾)

ما قصة هذه السورة؟ ليست كل سورة في القرآن لها سبب نزول إنما القليل القليل من الآيات والسور هو الذي له سبب نزول وسورة عبس من هذا القبيل لها سبب نزول. سبب النزول أن مجموعة من وجهاء وزعماء وكبراء قريش والعرب جاؤوا ليخاطبوا النبي صلى الله عليه وسلم وفي ذات الوقت جاء مؤمن كفيف فقير بسيط هو عبد الله بن أم مكتوم، الوجهاء لا يسمحون أن يلتقوا في ذات الوقت مع أناس من السوقة، هم سوبر لا يجلسوا مع السوقة! مقاييس فاسدة! جاء الإسلام ليغير هذه المقاييس ولا يعترف بها ولا يقرّها قطعًا. فالنبي العظيم اجتهد لدين الله، اجتهد لدعوة الله أن العرب تابعون بمعنى إذا آمن الزعماء آمن الأتباع، فنختصر الطريق أنه إذا آمن هؤلاء الكبراء والوجهاء سيدخل الناس في دين الله أفواجًا وأتباع هؤلاء الزعماء سيدخلون في الدين بالآلآف فيعزّ دين الله هكذا اجتهد النبي. لكن الله تعالى عنده ترتيب آخر وأمر آخر سوى الهمّ الذي كان يشغل بال النبي صلى الله عليه وسلم.

إذن هل كانت السورة عتاب للنبي صلى الله عليه وسلم، عتاب رقيق قطعًا عتاب الحبيب للحبيب في منتهى الرقة أم هو اعتذار عنه صلى الله عليه وسلم؟ بمعنى أنت يا رسول الله تجتهد لدين الله تعالى وهذا الدين لله هو ينصره كيف يشاء، لا عليك من الزعماء والكبراء، لا تشغل بالك، لهذا الدين إله حكيم مدبّر عظيم هو الذي سينصر هذا الدين، دعك من الكبراء. وحتى لو آمن الكبراء وتبعهم الأتباع ليس هذا هو المنهج الذي نريد، نريد المنهج أن يؤمن الناس بقناعات لا عن طريق اتباع الزعامات هذا المنهج لا يليق الإسلام العظيم. إذن يا رسول الله هوّن عليك، لا تشغل بالك دع الأمور تجري في أعنّتها، دع المقادير تسير على ما قدّر القدير الخبير سبحانه! لا تشغل بالك.

هذا جو سورة عبس موضوعها القيامة شأن الجزء، لكن هذا الموضوع بمنهجية مختلفة في كل سورة، بدأت المنهجية بعرض قصة من الواقع، هذه القصة من الواقع فيها مجموعة من الناس المنصرفة قلوبهم عن الآخرة فامتلأوا بالكبر والنفخ الكاذبة لأن الآخرة تضاءلت في حسّهم ووعيهم وعقلهم وتصورهم، لأن تضاءلت الآخرة كبرت الدنيا ومقاييسها وزعامتها وأموالها فتضخمت الأشياء الصغيرة. وفي القصة أيضًا مجموعة من المؤمنين يمثلهم ابن أم مكتوم ممن كبرت في وعيهم الآخرة وصغرت الدنيا فجاء يبحث عن العلم يبحث عما به يتزكى ليلقى الله بقلب سليم، شتان بين اهتمامات االبشر، من كانت الآخرة على باله ومن كانت الآخرة غائبة عن خياله، شتان! هذه فاتحة السورة ومطلعها.

ثم تعرضت السورة لتعظيم شأن هذا الكتاب (كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴿١١﴾ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ﴿١٢﴾ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ﴿١٣﴾ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴿١٤﴾ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ﴿١٥﴾ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴿١٦﴾) هذا الكتاب هو الذي عرض لنا عقيدة الآخرة إذن كأنه يعظّم الكتاب الذي جاءنا بعقيدة الآخرة، مربوط الكلام.

ثم ينقلنا سياق السورة في رحلة مع الكون، قصة الطعام، هذا الإنسان محاصر بالأدلة تدله على الله وايوم الآخر لكنه معرض لا يستوعب (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ﴿١٧﴾ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴿١٨﴾ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ﴿١٩﴾ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴿٢٠﴾ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ﴿٢١﴾ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ﴿٢٢﴾ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ﴿٢٣﴾) أخذنا السياق في رحلة مع الطعام لما قال (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴿٢٤﴾ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ﴿٢٥﴾) قصة رغيف العيش من أول تكونه نبتة فحصاد فقمح، قصة الرغيف تفكّر وأنت تأكل كيف نبت هذا النبات وكيف خلق هذا الطعام من أجلك (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ)

(فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ﴿٣٣﴾) انتقل السياق في آخر السورة إلى ساحة القيامة، المنهجية حتى نعلم أن لكل سورة منهجيتها، لها جوّها، لها أسلوبها في عرض موضوعها الموحد القيامة بمنهجية دائما متجددة بأسلوب فريد، بسورة لها شخصيتها المتميزة. إذن هذه نظرة عامة على جز سورة عبس.

ليس للسورة اسم إلا هذا الاسم (عبس) والمقصود بمن عبس سيد الخلق صلى الله عليه وسلم (عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴿١﴾) عبس وتولى في وجه الفقير؟لا، لا نفهم خطأ! هذا أحسن القول يحتاج إلى أحسن الفهم، لا نفهم أجمل الكلام أسوأ الفهم، لا يليق، لكن أحسن الكلام لا يليق به إلا أحسن الأفهام. كيف نفهم هذه الآية؟ أنت أحيانًا يضيق صدرك من زحمة الواجبات والعمل والمراجعين فيضيق صدرك من زحمة الواجبات لا من كبرك على الناس، معاذ الله!، هذا سيد المتواضعين، هذا سيد الخلق أجمعين صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يستكبر على أحد، هذا بعيد جدًا إلى درجة الاستحالة. (عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴿١﴾) أنت أحيانًا تقول سبحان الله يهجم الشغل مرة واحدة والمراجعين جاؤوا دفعة واحدة فالمسألة من ازدحام الواجبات وضيق الأوقات.جاء الكبراء في الوقت الذي التقوا فيه مع ابن أم مكتوم، فلو تأخر أحدهم كنت تفرغت له بعقلي وقلبي هذا الذي جاء بالعبوس لا من كِبر على هذا الفقير، حاشا لمقام الرسول الكريم أن يعبس في وجه فقير وهو الذي كان يفرد له عباءته باستمرار ويقول له أهلا بالذي عاتبني فيه ربي. ابن أم مكتوم ولاه النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، كفيف، في القادسية استأذن عمر أن يلحق بالجهاد، قال لهم أحمل لهم الراية وحملة الرايات مستهدفون فلعل الله يرزقني الشهادة وقد كان مثل ما أراد رضي الله عنه. حمل الراية وثبت ولما ازدحمت عليه الحراب والسيوف قتل شهيدًا وظل رافعًا الراية حتى خارت قواه تمامًأ ليصعد إلى الله شهيدًا بإذن الله، هذا الذي فيه نزلت هذه السورة. إن أخذناها عتابا رقيقا لرسول الله فهو كذلك وإن أخذناها على أنها اعتذار عن رسول الله فلنا أن نفهم الأمور كذلك.

ندخل الآن في تفاصيل الآيات بما يسمح الوقت. (عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴿١﴾) فعل ماضي، بضمير الغائب وهذا من لطف القرآن، جملة بالماضي وبضمير الغائب كأن الكلام عن شخص آخر لكن (وما يدريك) ضمير المخاطب  لا يضير النبي أنه لا يدري ولكن يضيره عبستَ وتوليت أن جاءك الأعمى، شديدة! والله عز وجل يتلطف بنبيه أشد التلطف، هذا حبيب الله فيكلمه بمنتهى الحنو والرقة واللطف الشديد. هذا ملمح التعبير بالماضي ثم بمصير الغائب فلما انتقل إلى الكلام (وَمَا يُدْرِيكَ) استحضره بضمير المخاطب. (عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴿١﴾ أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ﴿٢﴾) ضمير الغائب (هو) كأنه شخص آخر، (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ﴿٣﴾ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ﴿٤﴾ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ﴿٥﴾ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ﴿٦﴾) لم يعبر بضمير الغائب هنا لأنه من المناسب جدًا أن يعبر بضمير المخاطب (فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) يتصدى للدعوة، لحمل الأمانة، يتصدى للتبليغ، التعبير بضمير المخاطب لا يضير. ينبغي أن نتعلم فن الخطاب كيف نعبّر عن مكنوننا بأرق الكلام بأسمى أنماط التعبير التي نقدر عليها، نستخدم مخزوننا من الذوق من اللطف والرقة من اللغة ونتعلم فن الخطاب من القرآن العظيم.

(أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ﴿٥﴾ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ﴿٦﴾ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ﴿٧﴾) تزكى أو لم يتزكى، هذا ليس من شأنك أنت، أنت تحب أن يتزكى الخلق جميعًا وأنت ما أُرسلت إلا لأجل أن تأخذ بيد من يريد أن يتزكى صلى الله عليه وسلم، هذا الذي زكّى النفوس بأمر ربه وبمنهج ربه سبحانه وتعالى لكن من لا يريد أن يتزكى ماذا تفعل له؟ فلا تذهب نفسك يا رسول الله عليه حسرات.

(وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ﴿٨﴾ وَهُوَ يَخْشَى ﴿٩﴾ فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ﴿١٠﴾) أظن أن أشد كلمة في العتاب كلمة (تلهى) فيما أرى، اعتبر شغله مع هؤلاء الكبراء والزعماء تلهّي، ما أجمل نمنهجية القرآن هذا منهج عزيز من إله عزيز فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر الله ليس بحاجة أحد، آمن الكبراء والزعماء أو لم يؤمنوا هم الخاسرون، وهذا المنهج سينتصر، هذا الدين الله يرعاه الله، الإسلام ماضٍ إلى غايته منتصر ظاهر إن شاء الله تعالى آمن الكبراء أو لم يؤمنوا، الكبير المطلق وراء هذا المنهج ما يضيرك أنت؟!

(كلا) كلمة شديدة، فيما أرى لا تقال لرسول الله، إنما (كلا) فيما أرى تلحق بما بعدها (كلا يا أيها الكفار إنها تذكرة) (كلا) لا تقال لرسول الله، هذا فهمي وأرجو أن يكون فهمًا صوابًا إن شاء الله. لم أقرأه في كتاب فإن كان خطأ تبعته عليّ واستغفر الله منه ولكن أظن أنه أليق برسول الله وبمكانته عند الله وأليق بأسلوب القرآن فلما لا نتبناه وتكون (كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) لما بعد لا لما قبل وقد تصرف (كلا) لما قبل وقد تصرف لما بعد وإذا تتبعنا (كلا) في القرآن وقد وردت عشرات المرات سنجد أنها دائمًا مصروفة للكافرين المعاندين، لا تقال لرسول الله فيما أرى. قد يقول قائل وماذا عن (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴿١٩﴾ العلق)؟ أيضًا ليست للرسول صلى الله عليه وسلم وإنما للكافر الذي حاول أن ينهى الرسول عن عبادته (كلا لا تطعه) (كلا) له هو واسجد أنت يا رسول الله.

(فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ﴿١٢﴾) إعلاء من شأن القرآن العظيم أن هذا الكتاب (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ﴿١٣﴾ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴿١٤﴾ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ﴿١٥﴾ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴿١٦﴾) تمجيد للكتاب.

ثم بدأ مقطع جديد (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ﴿١٧﴾ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴿١٨﴾ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ﴿١٩﴾) أرجعك إلى أصلك الصغير الضئيل القليل حتى لا تستكبر، أصلك إما طين وهو أهون الموجودات، وإما ماء مهين، لو تلطخت ثيابك بالطين من سيارة مرت بجانبك تتنكد يومك كله مع أن ما تلطخ ثوبك منه هو أصلك! فتنبه! ما أعلى حكمة رب العالمين ومنهجيته، خلق الإنسان من طين ولم يخلقه من يوروانيوم مشع أو من كريستال، إن كان الناس من طين وأنفه في السحاب من الكبر فكيف لو كان أصله من كريستال أو من ذهب أو يروانيوم أو بلوتونيوم لكن شاء الله تعالى أن يخلقه من طين ليرينا مولانا معجزة الدين لما رفع الطين إلى أعلى عليين، سبحانك!. إذن أصلك إما طين وإما ماء مهين فلم لكبر؟! (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ)

ثم تأتي الآيات (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴿٢٤﴾) قصة الطعام، الطماطم والبطاطا والخبر وغيرها، من الذي أخرج هذه النباتات تغطي احتياجاتك الجسمية؟ منها ما يمدّك باليود، منها ما يمدك بالنشويات، ومنها ما يمدك بالسكر والجلوكوز، منها ما يمدك بالبروتينات، كله يحتاجه الجسم، من الذي نوّع هذه الطعوم المختلفة والحاجات المختلفة لتغطي تكوينك البشري؟! قصة الرغيف: الأرض ساهمت في الرغيف، الشمس، المطر، الإنسان حرث وبذر الحبّ لكن الزارع الحقيقي والمنبت الحقيق له هو الله سبحانه وتعالى لكن كله سخّره الله لك، لخدمتك، من الشمس التي بخّرت الماء والأرض القابلة للزراعة تخيل لو أن الأرض ليس فيها عناصر التي تمد القمح بمكوناته أو النخل بمكوناته، النخل يخرج من الطين، سبحانك! كيف النخلة تخرج من الطين هذا الثمر اللذيذ؟ شجرة التفاح مسخّرة لك، تكون بذرة تصبح شجرة وتحمل ثمرة، قصة الطعام قصة.

(أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ﴿٢٥﴾) ليتكون الطعام (ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ﴿٢٦﴾ فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ﴿٢٧﴾ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ﴿٢٨﴾ وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا ﴿٢٩﴾ وَحَدَائِقَ غُلْبًا ﴿٣٠﴾ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ﴿٣١﴾) وعدّد مجموعة من الثمار والنباتات ثم علّق وقال (مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴿٣٢﴾).

(فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ﴿٣٣﴾) (الصاخة) الجرْس يعطيك المعنى دون الحاجة لفتح قاموس لتعرف معناها! القرآن يعطيك معناها من جرسها (صاخّة) ومدّ لازم كلمي مثقّل لتصف اليوم الثقيل، تصخّ السمع، تخرّق الأذن من شدة وقعها في الأذن.

(يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴿٣٤﴾ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴿٣٥﴾ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴿٣٦﴾ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴿٣٧﴾) سورة المعارج قالت (يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴿١١﴾ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ﴿١٢﴾ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ ﴿١٣﴾ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ ﴿١٤﴾) الترتيب معكوس، هنا يفرّ، فلما يفرّ الإنسان يرمي من هو أقل ويحتفظ بمن هو أعلى وأغلى أما في الفداء فيقدّم البنين وهم آخر من بقي معه في هذه السورة فيقدّمهم ليفتدي بهم لكن لا فدية ولا فداء!

تختم السورة (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ﴿٣٨﴾ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ﴿٣٩﴾ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ﴿٤٠﴾ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴿٤١﴾ أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ﴿٤٢﴾) في ساحة الآخرة تنتهي هذه القصة التي بدأت في الدنيا. هذه نظرة عاجلة على سورة عبس.

 

http://www.fawaed.tv/episode/8711



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل