النبأ العظيم - سورة البروج - د. أحمد نوفل

النبأ العظيم – تفسير سور جزء عمّ

د. أحمد نوفل

سورة البروج

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة البروج، سورة هائلة، جليلة، عظيمة، تتكلم عن قصة تاريخية أيضاً خطيرة وعظيمة، مفرق في تارخ الإنسانية، جريمة ضد الإنسانية. ما قصة هذه السورة؟ كيف عالجت هذه السورة موضوعها؟ ما اللفتات والمعاني المتضمنة في هذه السورة الهائلة العظيمة، سورة البروج؟

(وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) البروج)

هذه هي السورة الثامنة من سور جزء عمّ والسورة الخامسة والثمانون من سور المصحف الشريف، أي ترتيبها بالمصحف 85، ترتيبها بجزء عم هذه السورة الثامنة، هذه السورة من سور القسم، وما سور القسم؟ أي السور مبتدئة بالقسم. (وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3)) هذا كله المقسَم به، إذاً يُقسم الله تعالى بالسماء ولمولانا أن يُقسم بما يشاء لكن ليس للعبيد أن تُقسم إلا بما يشاء هو سبحانه وهو أمرنا ألا نُقسم إلا به سبحانه ذو الجلال، إذاً مولانا يُقسم  بما يشاء.

هذه السورة لها قصة، ما قصتها؟ فريقٌ من المؤمنين آمن بالله عز وجل، أكانوا يهوداً فجاء المسيح فآمنوا بالمسيح أو غير ذلك؟ ليس عندنا تفاصيل دقيقة وليس من شأننا البحث عن التفاصيل، لا يُبنى على التفاصيل كثير أو قليل. المهم هذه المجموعة دخلت في دين الله، في زمن طاغية من طغاة الأرض كَبُر عليه وعزّ عليه أن الناس تفلت من بين يديه، كيف تؤمنون؟ كيف؟ خدّ لهم أخدوداً في الأرض وصبّ فيه النفط ثم أشعل فيه النار وصار يعرضهم على النار واحداً واحداً، ترجع عن دينك أو تُلقى في النار؟ كلهم، جميعاً اختار أن يُلقى في النار ولا يترك دينه. طبعاً الإلقاء في النار، يستغرق الموت ثوانٍ، ثم ينتقل من هذه الحفرة من النار، ينتقل إلى جنة الأبرار، في ثوانٍ، لكن من أشعل النار سينتقل من العزّ إلى حريق جهنم خالدًا مخلّدًا بلا نهاية. أرأيت الفرق؟ هذا مارس الجبروت والطاغوت، دقيقة أو أيّا كان، المؤمن أُلقي في النار ففارق الحياة في دقيقة ولكن مقابل ما ضحّى بنفسه في سبيل الله سيكون من أهل الجنان.

أين الله؟ لماذا يترك الكافرين يقتلون المؤمنين؟ هذا سؤال ينبغي أن نعيه جيداً. الله عز وجل إله الكون (فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) [الإنفطار:16] مثل ما قالت السورة. إذاً لا تظننّ أن هؤلاء حُرقوا في النار من قلة الناصر، معاذ الله! الله القاهر الناصر القوي، سبحانه، موجود، لكنه شاء أن يرزق بعض من يشاء من خلقه الشهادة، شاء، وشاء ان يُنجي من يشاء، هكذا شاء، وشاء أن يتجبر من يشاء، لا أنه أجبرهم معاذ الله! لكن تركهم يختاروا الاستكبار والتجبر، تركهم، إلى أن يأتي وقت الحساب، ويريهم الذي لم يكونوا يحتسبوه.

إذاً السورة كلها تتحدث عن القوة، القوة، نعم، كي لا تتوهم أن هؤلاء قُتلوا من ضعف، لا، أو قُتلوا من عجز، معاذ الله، أو قُتلوا من قلة الناصر، لا، إنما أراد الله أن يجعلهم مثلاً للمؤمنين عبر الزمان وغلاوة العقيدة، كم أن العقيدة غالية وهذه المجموعة كريمة من الخلق ضحت بانفسها وبذلت مهجها وأرواحها في سبيل الله عز وجل واسترخصت المَنون وقدّمت النفس والنفيس لله رب العالمين واحتسبت ذلك عند الله. اختارهم رب العالمين واصطفاهم شهداء لينتقلوا من هذا الأخدود إلى جنة الخلود. ولينتقل من عذّبوهم أيضاً من العز والكبر إلى القهر والذل إلى ما لا نهاية، فشتان بين مصيرين، مصير المؤمنين ومصير الكافرين!!

(وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ) لاحظ حرف الجيم القوي، ما معنى البروج؟ البرج هو القلعة المشيّدة، الله تعالى جعل (فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا) [الحجر:16] أهي البروج التي تدور فيها الشمس؟ السرطان والاثنا عشر برجًا كل شهر، تدور الشمس، المهم أننا نراها، الشمس تدور في هذه الأبراج أم كل نجم بحد ذاته كأنه لشدته وقوته برج حصن محصّن من الأبراج؟ هذا المعنى أو هذا المعنى ينفع. إذاً (وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ) المحصنة الشديدة، إذاً أنا قوي، الذي خلق هذا الكون والسماء الشديدة الخلق (أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا) [النازعات:27] الإله القوي الذي خلق السماء القوية قادرٌ أن ينصر هؤلاء المستضعفين ويقهر هؤلاء المستكبرين، قادرٌ لكنه له حكمة بتركهم يُستشهدون، مولانا سبحانه، إذاً انظر مدخل السورة العجيب.

(وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ) لكي تعرف أيضاً وجه الربط ما بين المقسم به والمقسم عليه، ليس الكلام منتثرًا هكذا، معاذ الله! هناك علاقة منهجية بين المقسم به والمقسم عليه، علاقة عضوية، تلاحمية، تشابكية. إذاً (وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2)) الذي فيه تصفية الحاسابات وفيه الجزاء على الأعمال. (وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3)) من الشاهد؟ ومن المشهود؟ أعتقد أن الشاهد مولانا سبحانه والمشهود المؤمنون الذين يُقتلون والكافرون الذين يَقتلون، كل هذا بالنسبة لله عز وجل مشهود. إذاً أنا حاضرٌ في هذا المشهد لست غائباً، وقادرٌ أن أنصر أوليائي لست عاجزاً. إذاً (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3)) هذا المقسم به. على ماذا يُقسم مولانا؟ ولا يُقسم العظيمُ إلا بعظيمٍ على أمرٍ عظيمٍ، ما الأمر العظيم؟ المُقسم عليه (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4)) لن نتكلم عن قصة الغلام الذي آمن والملك الذي أراد أن يقتله فنجاه الله أولا مرة وثانِ مرة، لأن جميعكم يحفظ هذه القصة، أخيراً الغلام قال للملك، تريد أن تقتلني، أدلك، خذ سهماً من كنانتي ثم اضربني بهذا السهم قائلاً باسم الله رب الغلام، تتمكن من قتلي، بغير هذه الطريقة لن تقتلني، الملك سُرَّ لأنه دُلَّ على الطريقة التي بها يخلُص من هذا الغلام فضربه السهم فمات الغلام، فآمنت القرية كلها، كل القرية آمنت بإستثناء الأجناد المحيطين بهذا الطاغية فأراد أن يثبت أن البلد في قبضته فخدّ هذا الأخدود وقصّ الله علينا هذه القصة في هذه السورة الجليلة العظيمة القوية التي حوارها كله محور القوة، ستجد كل ما في السورة واضح فيه معنى القوة (وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4)) أي قاتل الله أصحاب الأخدود.

(قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6)) إذاً نتكلم عن النار، الدنيا الآن (النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ( 8)) لماذا هؤلاء المؤمنون يعذبون؟ ماذا فعلوا؟ أخانوا البلاد؟ أضيعوا الأرزاق؟ أفرطوا بالعزة والكرامة (القومية كما يقولون)؟ لا، فقط جريمتهم بين قوسين إن جاز التعبير بهذا، أنهم آمنوا بالله العزيز الحميد، لماذا العزيز؟ إذاً هذا الإله الذي يبدو أنه ترك هؤلاء لمصيرهم هو إلهٌ عزيزٌ وحميدٌ مستحقٌ الحمد.

قلنا أن محور سورة البروج، القوة، ليرّسخ مولانا في ذهننا أنه لم يتخلّ عن أوليائه وأحبائه وعباده المؤمنين به، من حملوا دعوته وضحوا في سبيله، لم يتخلّ عنهم إطلاقاً ولكنه أرادهم شهداء ليكونوا لمن بعدهم عبرة ومثلاً أعلى يُقتدى ويُحتذى عبر الزمان. هذا كان مراد الله عز وجل.

تكلم عن الطاغية الذي قتلهم أنه (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ(8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(9)) الله عزوجل  ما يغيب عن وجوده وعن خلقه وعن أوليائه، حاشا لجلاله، (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) أحبائنا الكرام،  شاء مولانا العظيم أن يقع الصراع بين الإيمان والكفر مذ قال للشيطان اسجد لآدم فأبى السجود، قامت المعركة وستظل المعركة محتدمة إلى أن ينتهي الوجود ويُبعث الخلق (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29)فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ ) [الأعراف:29-30] معسكران من بدأ الخلق إلى نهاية الخلق وسيُحشر الناس، نفس الشيء، واحد إمامه محمد صلى الله عليه وسلم وطابور إمامه الشيطان (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ) [الإسراء:71] الحياة معسكران، هي هكذا بإختصار شديد، ( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ) الفتن أن ندخل المعدن أو الذهب في النار،في الفرن، في المصهر، من أجل أن نكتشف معدنه، (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ) المعنى جاء مطابق تماماً، أدخلوهم النار، ( ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10)) الحريق الذي أشعلوه، الله عز وجل أعدّ لهم حريقاً هائلاً، هؤلاء أعدّوا حريقاً على قدر قوتهم والله تعالى اعدّ حريقاً على قدر قوته، سبحانه وعلى قدر انتقامه ممن آذى أوليائه وممن عادى منهجه، سبحانه.

إذاً (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ(11)) إذاً نقلنا من هذا المشهد إلى نعيمهم في الآخرة ثم الآن جئنا على المقطع الأخير من السورة.

(إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)) قلنا أن محور السورة كله قوة، بطش شديد، الشين، بطش شديد، حرف قويّ، (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13)) يبدئ الخلق ثم يعيدهم سبحانه (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14)) الغفور الودود لمن؟ قطعاً لأحبابه الذي ضحوا بأنفسهم، غفورٌ لذنوبهم، ودودٌ يحبهم ويتودد سبحانه إليهم بودّه وحبه، تبارك وتعالى.

(وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ* ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ) العرش رمز للقوة؛ أتذكر في قصة ملكة سبأ (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) النمل:23، أتذكر حينما قال (أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) النمل: 38، فالعرش رمز القوة ولله المثل الأعلى، إذًا (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ) يا سلام! الآية بعدها (فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) سبحانه، فاعل؟ لا، فعّال؛ أي كثير الفعل سبحانه ودائم الفعل؛ يفعل، ويفعل، ويفعل، سبحانه. إذًا ما بدا أنه تخلٍّ –حاشا أن يكون كذلك- إنما أراد أن يقدموا نموذجًا، أن يضربوا مثلًا، أن يُتَّخذوا من الله عز وجل شهداء، مولانا إذًا فعال لما يريد.

يا رسول الله ويا كل مخاطب (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ) وصلك خبر الجنود؟ جنود من؟ هذه كلمة عامة مبهمة فسرها ما بعدها (فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ) إذًا هؤلاء هم الجنود، والجنود رمز القوة؛ فانظر إلى المنهجية. الجنود رمز القوة قطعًا، فرعون وثمود، (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ) لم نفهم ماذا حدث للجنود؟ قد ترك لذهنك الوقّاد أن يستنتج أن هؤلاء الجنود قد أُفنوا تماما؛ وأخذتهم وأهلكتهم إهلاكا لم يبق منهم أحدًا؛ فإذن (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ) ترك جوابها معلّقًا لاستنتاجك أنت، بذهنك الوقاد (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ* فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ) وسكت (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ) في تكذيب، يستغرقهم كأنهم في مستنقع أو بئر أو غيره؛ محيط بهم التكذيب من كل الجوانب.

(بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ* وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ) محيط بهم مولانا سبحانه وتعالى بقوته. إذًا هم في قبضة مولانا العظيم الرحمن سبحانه (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ) يا سلام؛ هذا قرآن ممجد، قرآن عالٍ؛ قرآن سامٍ، ما شهد الوجود كلمات مثل هذه الكلمات، وكما يقول بعض العلماء: هذه الكلمات هدمنَ وبنين، وأمتنَ وأحيين، وهي مجرد كلمات! ما في الوجود والله  أعجب من القرآن الكريم، لا شمس ولا قمر، ولا سماوات أعجب من القرآن العظيم.ولكن علينا أن نعيد اكتشاف هذا الكتاب الموجود. إذًا (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ* فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ) وتأمل المنهجية، فختام سورة البروج الحفظ في لوح محفوظ. إذًا الكتاب الذي حوى هذه القصة؛ قصة الشهداء هؤلاء، هو كتاب ممجد، عالٍ، سامٍ، رفيع المستوى، وهو محفوظ لا يتطرق إليه لا مسح، ولا محو، ولا نسيان، حاشا، (فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ).

ننتقل إلى سورة الطارق في حلقة تالية إن شاء الله، وسنجد محور سورة الطارق أيضًا الحفظ. انتبه وانظر للمنهجية في تشابك السور ببعضها (إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) الحفظ هو الحفظ، فهل تنبهت إلى منهجية القرآن، وترابط السور ببعضها كأنها سلسلة متصلة لا فاصل، ولا قطع ما بين السور؟

هذه كانت نظرة عامة في سورة البروج، العبرة التي نستخلصها أن في صراع الحق مع الباطل ربما يبدو أن الباطل متمكن من حَمَلة الحق وأصحاب الحق، مما يجعل أهل الباطل يعتقدون أنه لا يوجد مدبر لهذا الكون، وأن أولياء المولى سبحانه وتعالى متروكون لمصيرهم، فيغريهم هذا لمزيد من التطاول والتمادي على المؤمنين؛ ومن ذلك نستخلص درسًا وعبرة  وصاحب الحق ربما يشعر بأنه مُخلى بينه وبين أعدائه؛ فربما يصيبه شيء من الإحباط والوهن، لا، لتظل على معنوياتك الرفيعة كائنًا ما كانت الظروف من حولك، والشدائد محدقة بك كائنًا ما كانت الظروف، أنت قوي بالله عز وجل، عزيز بعزة العزيز، لا يغرنّك أن عدوك يبدو مدججًا وقويًا، القوة لله عز وجل سبحانه.

هذا محور سورة البروج، ولنا درس آخر وهو أن الإنسان أحيانًا يطغى إلى حد  أن يقتل أخاه الإنسان لمجرد أن هذا آمن بالرحمن، يا سبحان الله! ويتكلم العالم عن الحرية، والعقائد، والفكر، والاختيار الإنساني الحرّ، كلام، كلام نظري كله، لكن في الممارسة العملية ستجد الممارسة مختلفة جدًا، وأن وحشية الإنسان تصل أن يقتل الإنسان دون أن يهتز له جفن، ولا يطرف له عين، ولا يستثار فيه ذرة من إنسانية أو غيرها، هذا أيضًا درس.

والدرس الثالث أن الدنيا والآخرة حلقات متصلة، فأنت تفارق الدنيا ليبدأ جزاؤك فورًا.

إذًا ما أجمل المرء مع منهج الله موصولًا بالله، قويًا، عزيزا بالله عز وجل. هذه بعض دروس سورة البروج، فقهنا الله وإياكم، علمنا وإياكم، أرشدنا وإياكم، وأحيانا وإياكم في ظلال القرآن المجيد، إلى الملتقى بكم في حلقة تالية أحبائنا أستودعكم الله. السلام عليكم ورحمة الله.

 

http://www.fawaed.tv/episode/8622



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل