علّمه البيان - سورة يوسف - 3

علّمه البيان

د. عبد الواحد الوجيه

قصة يوسف عليه السلام - 3

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

لا زلنا مع قصة يوسف عليه السلام وأسرارها البيانية وذلك لما دخل الجبّ وخرج منه عبدًا مملوكًا ثم دخل مصر وبيع (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٢١﴾ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٢٢﴾ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴿٢٣﴾ يوسف)

وقد ذكرنا على أن المرأة هاهنا لأنه ليس بينها وبينه ولد فتسمى امرأة. والقرآن الكريم يعطي للمرأة أربعة أسماء: يسميها: أهل وصاحبة وامرأة وزوج.

·        تسمى زوجًا إذا كان هناك الرابط وهو الولد

·        وتسمى صاحبة في الأسرار

·        وتسمى أهل في السفر وفي البيت وخاصة في المطبخ

·        وتسمى امرأة إن لم يكن هناك ولد أو اختلاف الدين. فتسمى امرأة كما قال زكريا وكما جاء في القرآن الكريم (وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ (40) آل عمران) فلما وهب له يحيى سماها "زوج" (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ (90) الأنبياء) فأصبحت زوجًا بعد يحيى عليه السلام

وتسمى أهل في موضعين اثنين: في السفر وفي المطبخ. إبراهيم عليه السلام لما جاءه الضيوف قال: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ (71) هود) سماها امرأة فلما احتاج للطعام (فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) الذاريات) فسميت "أهل". وفي السفر فالمرأة مع الزوجة أثناء السفر فهي أهل للإستشارة ولا يقال لها هنا امرأة أو زوج إنما أهل (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ (29) القصص) لأن المرأة في السفر تحمل أسرار زوجها وسمي السفر سفرًا لأنه يُسفر عن خبايا الرجال، يكشف عنها ومن ثمّ قيل للكتب أسفارا فالرجل في السفر جهاز التحكم عند المرأة تستطيع أن ترفعه وأن تهدّئه وأن تعينه فسميت هنا أهل. وتسمى زوج للأولاد وتسمى صاحبة في الأسرار. لما ذكر الله تعالى خماسية الأسرار فسميت في ذلك "صاحبة" (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴿٣٤﴾ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴿٣٥﴾ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴿٣٦﴾ عبس) وهذه خماسية أسرار لأنه بدأ بالصغير وانتهى للصغير وأنت مع أخيك في المدرسة إذا صدر منك شيء تطلب منه ألا يخبر أمك، وحينما يصير شابًا تنتقل أسراره إلى أمه، قال: (يوم يفر المرء من أخيه وأمه) تدافع عنه عند أبيه تقول ان ابنك قد كبر فعليك أن تحترمه وتصاحبه وتربيه فإذا وصل إلى الزواج تنتقل كل أسراره إلى الأب (وأبيه) فإذا ما تزوج انتقلت أسرار صغره وشبابه إلى صاحبته قال (وصاحبته) وحينما يصبح كبيرًا عجوزًا تنتقل أسراره إلى أبنائه يأخذونه إلى المسجد، إلى المستشفى، فيصير رفيق الصغار فيكون رفيق الصغير وينتهي برفقة الصغير في هذه الخماسية (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴿٣٤﴾ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴿٣٥﴾ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴿٣٦﴾ عبس) فبدأ بالصغير ثم ارتفع ثم انتهى بالصغير، هذه خماسية الأسرار.

نعود إلى يوسف عليه السلام لما دخل مصر وصار مملوكًا وصار شابًا بمصر (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ) فدخل مضيقًا آخر ودخل ابتلاءً آخر، ذلكم الابتلاء يكمن في كيد النساء ومن ثمّ رب العالمين قال (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) لم يقل كيدك والكيد ينقسم إلى أقسام ولا يراد به دائمًا الشرّ، الكيد قد يكون خيرًا وسيأتي الكلام عليه في وقته. (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ) راودته التي هو في بيتها عن نفسه فحاول الامتناع حتى حصرته في غرفة وأغلقت الباب من الخارج بواسطة الخادمة فلما حصرته في زاوية غلّقت الأبواب ولم يقل أغلقت لأن التغليق بالتشديد يراد به الإحكام بالمفاتيح أما أغلقت وهي ردت الباب. (وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ) ولم يقل غلّقت الباب لأنها أول شيء غلّقت باب القصر الكبير ثم باب الغرف الخاصة للنساء ثم غلقت باب غرفتها غرفة النوم، لأن قصرها فيه أبواب ولإحكامها ومخافتها من زوجها أو مخافتها أن يرى أحد فاحشتها وهذا لا يليق بها لأنها أميرة، قامت بتغليق كل الأبواب لكنها نسيت أن تغلق باب الله الذي لا يرى فإذا أنت أردت أن تظلم فلا تستطيع أن تغلق باب الله

لا تظلمنّ ما دمت مقتدرا فالظلم يرجع عقباه للندم

تنام عينيك والزظلوم منتبه تنام عينك وعين الله لم تنم

(وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ) هُيئت لك، تهيأت لك، فقال (مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ) يقصد المستشار (أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) والأنبياء يحفظون الجميل والكريم هو الذي يحفظ الجميل من باب

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإذا أكرمت اللئيم تمردا

قال (مَعَاذَ اللَّهِ) وذكرها باليوم الذي جيئ به إليها وقال لها زوجها (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ). ولم يقل أكرميه لأن إكرامه هو أن يأكل ويشرب ويلبس أما لفظ (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ) أن يأخذ سائق خاص ويأخذ غرفة خاصة وخادم خاص، قالت: كيف وقد اشتريته عبدا؟ قال: لا، إنما اشتريته ليكون لنا ولدًا وهذا معنى قوله (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ) ولم يقل أكرميه. فذكّرها يوسف بذلك فلم تسمع وإنما قد عميت وتريده بأي وجه كان فأرادت أن تصل يدها إلى جسده  فكان يدافع بأن يمنع يدهل أن تصل إلى جسمه وهذا معنى قوله (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا) همّت به لتأخذه وهمّ بها ليدافع عن نفسه وقد قال العلماء بأن همّت به تريده وهمّ بها يريدها وهذا الكلام بعيد وقد ردّه الشوكاني وقال: عجبًا لأهل العلم أن أغفلوا هذه المسألة مع العلم أن الإشارة البيانية أن يوسف عليه السلام كيف يقول معاذ الله ثم يغير رأيه في نفس اللحظة ويهمّ بها؟! هذا كلام بعيد. وإنما همّت به لتأخذه، وهناك وقف لازم في القرآن (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) (وَهَمَّ بِهَا) حتى تفرق بين الهمّين فعلماء القرآءة وقفوا وقفًا لازمًا ليفرّقوا بين الهمّين على أن الهم الثاني لا علاقة له بالأول والهمّ في اللغة ينقسم إلى أقسام:

·        يأتي الهمّ بمعنى الضرب (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ (5) غافر)

·        ويأتي بمعنى الأخذ (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ)

·        ويأتي الهمّ بمعنى التمنّع وهذا معنى قوله تعالى (وَهَمَّ بِهَا) اي امتنع عنها أن تصل يدهل إلى جسده.

(لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) على أن الأبواب انفتحت بغير مفتاح فلما رأى هذه الآية وأن الأبواب انفتحت بغير مفتاح قال (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ) ولم يقل تسابقا إنما استبقا هو يفر وهي من ورائه تريده، فلما كانت تريد أن تأخذه قال (استبقا). (وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا) لما كان الوقع غريبًا والفعل غريب مراودة نبي حتى الألفاظ كانت غريبة (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا) ولم يقل (سيدهما).

رابط المشاهدة

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل