روائع البيان القرآني - سورة البقرة الآيات (72- 74)

روائع البيان القرآني

د. محمد داوود

سورة البقرة الآيات (72- 74)

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

http://www.fawaed.tv/episode/23577

نواصل رحلة التدبر للوقوف على أسرار البيان القرآني. كل حركة فيه كل حرف فيه كل كلمة فيه كل آية كل سورة كله حكم وأسرار، كلام الحكيم كله حكمة. تعالوا نتدبر لنقف على هذه الأسرار وهذه الحكم وهذه الروعة في كلام الباري سبحانه وتعالى

في الحلقة السابقة وقفنا على بداية قصة أمر الله عز وجل لبني إسرائيل أن يذبحوا بقرة ووقفنا على بعض أسرار البيان واليوم بمشيئة الله قد وصلنا إلى قول الله تعالى (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴿٧٢﴾ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٧٣﴾)

حين قال ربنا سبحانه وتعالى (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا) بحرف العطف (وإذ) الذي يفيج الترابط بين كل هذا البيان للنعم وهذا التوالي وهذا التعدد للنعم زأن كل هذه المواعظ والدروس إنما ترتبط بقضية واحدة تبين عناد بني إسرائيل وجحود بني إسرائيل في مقابل توالي النعم من الله عليهم (وإذ) أي واذكروا وقت كذا. (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) في الحقيقة مسألة الأمر بذبح البقرة تقدّم في السورة وهو كان بسبب أنهم قتلوا نفسًا ثم بدأ بعضهم يرمي بالتهمة على بعض حتى يدفع الشبهة والتهمة عن نفسه وتضيع هذه الجريمة، جريمة القتل  فيما بينهم فلا يؤاخذ أحد ولا يعاقَب أحد فكان الأمر بذبح البقرة إنما هو خاص بهذه الجريمة كيما يحدث الله معجزة على لسان موسى عليه السلام بهذا الأمر ثم يكون الأمر بأن يضربوا القتيل ببعض أجزاء هذه البقرة التي أمرهم الله بذبحها فيحيا القتيل ويخبر عن قاتله. لكن القرآن قدّم الأمر بذبح البقرة وقصة بني إسرائيل في اللجاج وفي التعنت وفي المكر وفي التشديد على أنفسهم حين سألوا عن أوصاف هذه البقرة، قدّم كل ذلك على سياق الأحداث وهو أن جريمة القتل حدثت أولًا، لماذا هذا التقديم؟ يبين العلماء الملهمون العارفون أن ذلك يرتبط بالسياق فالسياق هنا سياق تعداد النعم، سياق بيان النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل في مقابل جحودهم، فلما كان السياق سياق تعداد النعم قدم النعمة أولًا وهي بأمره سبحانه أن يذبحوا بقرة حتى تتم المعجزة ويظهر القاتل الحقيقي بعد إحياء المقتول وإخباره عن القاتل، فقدّم ربنا النعمة على المعصية ولم يذكر معصية القتل أولًا لأن السياق هو سياق تعداد النعم.

وجاء الأمر (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا) أي دفعتم عن نفسكم هذه الشبهة وجعل بعضكم يدفع الشبهة عن نفسه والتهمة عن نفسه، (فَادَّارَأْتُمْ) تدافعتم، درأ أي دفع بقوة وفيها مزاحمة وفيها قوة وفيها مبالغة لذلك يعبر القرآن على حرصهم على تضييع معالم الجريمة وشيوعها بين كل الناس فلا يقف أهل الاختصاص أو أهل القتيل على الحقيقة. فيقول ربنا سبحانه (فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا) ويأتي البيان الإلهي (وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) ويأتي التعبير بالجملة الإسمية لتأكيد المعجزة وتأكيد فضل الله سبحانه وتعالى، يعني التعبير عن الجريمة كان بالجملة الفعلية والتعبير عن المعجزة جاء بالجملة الاسمية. وهذا له مغزى وله معنى وهو أن التعبير بالجملة الاسمية يفيد تأكيد الحدوث لهذه المعجزة وحصولها بحيث لا يتطرق إليها شك أبدًا.

ثم يبين ربنا سبحانه وتعالى (وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) كان التستر على الجريمة عن قصد، أنهم يعرفون الحق ويكتمون ذلك الحق ويسترونه ثم يحاولون تضييع معالم الجريمة بدفع الشبهة واتهام بعضهم البعض وهذا من إحكام السياق القرآني والمفردة القرآنية.

يقول ربنا (فقلنا) والقول عند الله عز وجل إنما هو أمر إلهي صدر على لسان سيدنا موسى، الله لم يخاطبهم مباشرة بدون واسطة ولكن كان ذلك وحيًا لسيدنا موسى وسيدنا موسى هو الذي بلّغ قومه. لكن ما معنى (فقلنا) هنا؟ إسناده إلى عظمة الإلهة بيان لجلال هذا الأمر، لعظمة ذلك الأمر أنه أُسند إلى رب النبي إلى رب موسى إلى الله جل جلاله، إلى الله الحكيم. (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا) بأي جزء من البقرة (كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٧٣﴾). ويبين ربنا هنا أنه بعد أن أمرهم بضرب القتيل بجزء من البقرة أحياه الله سبحانه وتعالى وأخبر عن قاتله. ثم يأخذ الله من هذا المثل وقال بمثل ذلك الذي رأيتموه أمام أعينكم يحيي الله الموتى وهو قادر على ذلك (وَيُرِيكُمْ) الله يطلعكم، الرؤية أعلى درجات اليقين، ليس مع العين أين (وَيُرِيكُمْ) الرؤية بأبصاركم وعقولكم المشهد تمثل أمامكم (وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ) الآية هنا بمعنى المعجزة التي تعبر عن طلاقة القدرة الإلهية (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) لأن هذه المسائل إنما تحتاج إلى تدبر وأن العقل هو الذي يستوعب مثل هذه المعجزات ينتبه إليها العقلاء فيحدث الإيمان بعد ذلك.

ثم يأتي السياق القرآني (ثم) يعني بعد حين، لم يكن على الفور، (ثم) التي تفيد التراخي، يخاطب أجيال اليهود المختلفة الأجيال التي تتوالى (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) من بعد هذه الآيات، من بعد هذه المعجزات، قست قلوبكم كانت جامدة لم تستجب لهدي الله سبحانه وتعالى بعد أن أحدث لكم معجزة الإحياء أمام أعينكم وبعد إحياء القتيل أخبر عن قاتله، هذه أمور لا تنكر أبدًا! وعلى الرغم من هذا الذي حدث من اليهود هو الجحود هو الإنكار، (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) لا تستجيب. بيّن ربنا بهذا التشبيه المتدرج الذي يتصاعد شيئا فشيئا أن قلوبكم تشبه في نبوّها وبُعدها عن الحق بالحجارة القاسية التي لا تستجيب في قسوتها. فيقول متدرجًا في هذا التشبيه (فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) من الحجارة. ثم يبين في هذا التدرج أن الحجارة قد تكون ألين من قلوبكم الله يكشف عن الخبايا في نفوسهم وعن جحودهم ونكراهم وعدم استجابتهم لهدي الله بعد كل هذا البيان وهذه المعجزات! فيقول ربنا (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) وهنا إشارة علمية: العلماء يذكرون أن القرآن أشار إلى أنواع الحجارة وأن الحجارة ليست نوعا واحدا وأن الصخور ليست نوعا واحدا فهنالك حجارة يكون الفتحتات التي بينها واسعة فيخرج من بينها الأنهار والماء الوفير وهناك حجارة أخرى تكون الشقوق ضيقة يخرج منها الآبار والعيون وهناك حجارة تهبط وتقع من أعالي الجبال من خشية الله. يبين أنواع هذه الحجارة ليبحث العلماء بإشارة القرآن في أن القرآن يبين أن الحجارة ليست شيئا واحدًا وإنما هي على أنواع، وهذه إشارة علمية. (لو بحثت في الموقع العلمي للهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة) وتكتب هذه الآية فتأتيك كل الحقائق عن أنواع هذه الحجارة وكيف أن القرآن أشار إلى هذه الحقيقة وتلتقي الحقيقة العلمية مع الإعجاز اللغوي والبيان اللغوي حين يقول ربنا (وَإِنَّ مِنْهَا) منها التي تفيد التبعيض يعني الحجارة أنواع كثيرة جدًا ومنها هذا النوع فجاء بـ (من) التي تفيد التبعيض. (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) أي الذي يعلم دقائق وأسرار هذه المخلوقات لأنه خلقها ويعلم خفاياها فهو عليم وليس بغافل عما تعملون من إفك، من جحود، من نكران للنعم. وفي هذا تحذير بالغ من الله سبحانه وتعالى أن يُهمل الإنسان هذه الحقائق الخالدة التي تتصل بشأن الخالق سبحانه وتعالى، أن يهمل الإنسان قضية الإيمان بالخالق سبحانه وتعالى. أن يكون من الإنسان هذا الجحود حين ينكر النعمة على المنعم، حين ينكر على الخالق خلقه وعظمته وطلاقة قدرته (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ).

 

وهكذا يتبين لنا من خلال هذه الآيات جملة من المعاني البيانية وجملة من الهدي القرآني كيف أن الله سبحانه وتعالى أخّر ذكر القضية الأساسية في مسألة ذبح البقرة وهي قضية القتل حين قتلوا نفسًا ثم جعلوا يتدافعون بأن يرمي بعضهم التهمة على بعض ويبالغ القرآن في إظهار هذه المسألة بقوله (فَادَّارَأْتُمْ) مع مزاحمة وقوة ومغالبة للآخر (فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا). ثم يبين الله سبحانه وتعالى في هذا البيان (وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) الحق كان معلومًا لديكم لكن كنتم تستترون وتكتمون وتخفون ذلك الحق لكن اقتضت حكمة الباري أن يخرج هذا الحق وأن يعلنه أمام الجميع بهذه المعجزة. وعلمنا أنه لما كان البيان بيان النعم وتعداد النعم التي أفاءها الله على بني إسرائيل في مقابل جحودهم فقد قدم الله النعمة وقدم الآية وقدم النعمة حين أمرهم الله أن يذبحوا بقرة لتكون آية في كشف القاتل فقدم النعمة على الذنب، على الجريمة وهذا من إحكام السياق القرآني. ثم بعد ذلك بين ربنا سبحانه وتعالى (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا) إسناد القول لله مع أن البلاغ جاء على لسان موسى عليه السلام لإجلال الأمر بنسبته إلى الله سبحانه وتعالى مباشرة (فقلنا) لإجلال المعجزة وإجلال طلاقة القدرة الإلهية الربانية (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا). ثم اتخاذ هذه المعجزة من الوسائل الإيضاحية باللغة الحديثة، مثالا من خلاله يفهم الناس (كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى) فهذه كأنها وسيلة حية توضيحية لهذا المعنى فاتخذها الله مثلًا ومثالًا اتخذها الله وسيلة توضيحية يقرب هذه المعاني العظيمة للناس. ثم يخاطبهم بقوله (كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) والتعبير بـ(وَيُرِيكُمْ) الرؤية أعلى درجات اليقين، ليس مع العين اين، أنت شاهدت، أنت لم تُخبر فتشك في الخبر أو في الكلام ولا تصدق، ولكنك رأيت والرؤية أعلى درجات اليقين. ثم يقول (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) لأن العاقل لا ينكر هذه المعجزات، لأن العاقل هو الذي يستجيب ويسارع بالاستجابة لهدي الله سبحانه وتعالى وينتفع بهذه المواعظ. ثم بعظمة الأسلوب القرآني بروعة البيان القرآني، بديع لغة التنزيل يقول ربنا (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) (ثم) التي تفيد التراخي لتفيد أن الخروج عن هذا الهدي وعن هذا العهد وعن الامتثال أمر الله والانتفاع بهذه المعجزات إنما تم شيئا فشيئا مع مرور وتوالي الأجيال فجاء بـ (ثم) التي تفيد التراخي. (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) من بعد هذه النعم وهذه المعجزات (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) التشبيه في نبوّ القلوب عن الحق وبعدها وعدم الاستجابة بقسوة الحجارة وشدتها. ثم يقول الله عز وجل في إشارة علمية ما كان للعرب وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقت نزول القرآن وما كان للبشرية كلها وقت نزول القرآن ما كان لهم خبر بأي شيء عن أنواع الحجارة وأنها ليست نوعًا واحدًا فيشير القرآن بهذه افشارة العلمية إلى أنواع الحجارة (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ) الفتحات واسعة جدا فيخرج منه الماء مندفعاً فيكون منه هذه الأنهار (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ) كالآبار والعيون لأن الفتحات أضيق وأقل، (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) (وإن منها) تلتقي المعجزة اللغوية مع المعجزة العلمية التبعيض إشارة إلى أنواع الحجارة وأن هذه الأنواع هي جزء من هذه الأنواع. (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) لينتبه الناس إلى أن الله خبير وأن الله محيط وأن الله بصير بكل سكنة وبكل حركة وبكل خاطر وبكل كلمة وبكل فعلة وبكل شيء يقدم عليه الإنسان والسعيد من سعى إلى مرضاة الله والمحروم من حرم نفسه أن يكون في كفّة الإيمان. الله عز وجل يذكر لنا كل ذلك كي لا نسقط مثل هذه السقطات التي يسقطها بنو إسرائيل وسقطوها كيما نعتبر. فسبحان من هذا كلامه وهذا هديه وبيانه واجعل اللهم القرآن الكريم ربيع قلوبنا وعقولنا وكل شأن حياتن فأنت ولي ذلك والقادر عليه وطوبى لعبد شاهد وتدبر فانتفع وارتفع وما يعقلها إلا العالمون وما يذكر إلا أولو الألباب.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل