روائع البيان القرآني - سورة البقرة الآيات (53- 58)

روائع البيان القرآني

د. محمد داوود

سورة البقرة الآيات (53- 58)

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

http://www.fawaed.tv/episode/23237

نواصل رحلة التدبر كيما نقف على أسرار وأسباب العظمة وروائع البيان وبديع لغة التنزيل، هذا كلام الله عز وجل، كلام الحكيم وكلام الحكيم كله حِكمة. تمضي بنا الآيات ونمضي نحن أيضًا مع الآيات التي تعدد النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل بهذه الآيات التي جاءت جملًا بيانية تفسيرية شارحة توضيحية للآية التي ذكّر الله فيها على سبيل الإجمال بني إسرائيل بنعمه وأفضاله (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) ما هذه النعم يا رب؟

في هذا الحلقة نبدأ مع قول الله تعالى (وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿٥٣﴾ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿٥٤﴾) الله عز وجل يذكّرهم بقوله (وَإِذْ آَتَيْنَا) أي واذكروا يا بني إسرائيل ساعة ووقت أن آتينا موسى الكتاب والفرقان، الكتاب هو التوراة والفرقان يعطف بصفة من صفاتها إنما فيها إنقاذ لهم وهي صفة أنه فرقان يفرق بين الحق وبين الباطل بين الخير وبين الشر الله عز وجل يبين لهم هذه النعمة نعمة إنزال هذا الكتاب وأنه آتاه لموسى عليه السلام، لماذا؟ ما المقصد؟ قال (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).

انظر إلى الإحكام والتماسك في الآية (وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ) الفرقان للفرق بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال، بين الخير وبين الشر فجاءت ذيل ونهاية الآية (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) لأنكم في ضلال فالآية كلماتها ينادي بعضها بعضًا، الله يؤكد حصول النعمة بالتعبير بالماضي (وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)

(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ) (لقومه) القوم فيها أقوال أريد أن أوضحها وأفسّرها وأبينها لطلبة العلم وأصحّها وأرجحها بالعودة إلى المعجمات وإلى كتب العلم أن القوم يطلق على مجموعة الرجال ولذلك في سورة الحجرات (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاء (11) الحجرات) لأن القوم هم جماعة الرجال فخص النساء بالذكر بعد ذلك. لكن قد يأتي معترض ويقول: الله عز وجل يقول: (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه) وقومه رجال ونساء وليسوا رجالًا فحسب نقول هنالك قاعدة بيانية لغوية تقول: أنها تأتي مثل هذه الأمور على سبيل الاتساع وتغليب الرجال على النساء لأن هذه سُنّة عربية. لو أخطب وأحاضر في قاعة فيها ألف امرأة وفيها رجل واحد فعلى سنة اللغة العربية ليس من قبيل الاحتقار أو التفضيل لجنس على جنس أو نوع على نوع، أبدًا، هي سنة لغوية، عادة لغوية، حين أخاطب أغلّب ضمير المذكر على المؤنث وهذا في القرآن كله، الله عز وجل حين يقول (يا أيها الذين آمنوا) المؤمنات ليس لهن نصيب في هذا الخطاب؟ لهن نصيب لكن هذه سنة اسمها سنة تغليب الرجال على النساء سنة لغوية. (لقومه) تشمل الذكر والأنثى على سبيل التغليب لأنه إذا اجتمع الرجال والنساء وأنت تخاطب فأنت تخاطب بالمذكر على سبيل التغليب وهذه سنّة لغوية.

(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ) في غيبة موسى حينما ذهب لمناجاة ربه فاتخذتم العجل وعبدتموه (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ) من هذا الشرك وهذا الذنب (فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) أنفسهم تعودت وهذا أرجح الأقوال عندي بما ترجحه اللغة (فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) إنما لأن بني إسرائيل كانت لهم نفوس متمردة على الأنبياء، متمردة على الهداية، جاحدة لنعم الله كما رأينا كل نعمة يذكرهم الله بها وهم جاحدون هم لا يعتبرون هم لا يتذكرون (فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) إنما القتل للنفس هنا هو التهذيب لأن النفس رمز للشهوات والنزوات ولكل الشرور ولكل الآثام فيرمز للنفس بهذه الأمور ومن هنا (فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) اقتلوا في أنفسكم كل ما يخالف مرضاة الله سبحانه وتعالى وما جاءكم به الأنبياء. (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ) الذي برأكم أنشأكم أول مرة أنشأكم على الفطرة. كلمة بارئ لا نستطيع مكانها كلمة خالق ولا أي اسم من أسماء الله الحسنى لأن بارئ يريد أن يشير إلى ملمح الفطرة التي أنشأهم الله عليها، برأ النسمة خلقها أول مرة دون أن تشوبها أدنى شائبة، يشير إلى ملمح الفطرة النقية التي فطركم الله سبحانه وتعالى عليها. (عِنْدَ بَارِئِكُمْ) فالله برأ الخلق أي خلقهم على نحو فيه فطرة سوية فطرة سليمة لا تشوبه شائبة على هذا النقاء كل ذلك من الملامح الدلالية التي هي ظلال دلالية لكلمة (بَارِئِكُمْ) وهو اسم من أسماء الله الحسنى.

(فَتَابَ عَلَيْكُمْ) الله سبحانه وتعالى تاب عليكم قال (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ) وهنا يبشرهم بقبول التوبة (فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ). وللمتدبر أن يتدبر متى يتقدم الغفور على الرحيم أو التواب على الرحيم إذا ذُكر ذنب أو ذنوب في الآية أو الآيات التي تسبقها فتتقدم المغفرة والتوبة على الرحمة أما إذا لم يسبق ذكر ذنب وكان الكلام عامًا لا في الآية ولا التي في قبلها تتقدم الرحمة (الرحيم الغفور) وهنا قدّم التواب على الرحيم لأن المقام مقام التوبة فقدم المطلوب الأهم الذي هو باب نيل الرحمة، البوابة العظيمة للدخول في رحمة الله التوبة، (إِنَّهُ هُوَ) أسلوب حصر يعني وحده لا يشاركه مخلوق آخر في أنه هو التواب الرحيم يتوب على عباده، يتوب على المسيء بالليل ويتوب على المسيء بالنهار ويتوب على الشيخ الكبير ويتوب على الشاب ويتوب على الفتى يتوب على الرجل يتوب على المرأة تواب كثير التوب العبد يذنب مرة بعد مرة ثم يعود ويعود والله سبحانه وتعالى يدركه بتوبته، فانتبه لهذه الملامح الدلالية التي يبينها ربنا في هذا البيان.

وتمضي بنا الآيات في تعداد النعم وبيان النعم على بني إسرائيل، كل هذه آيات تفسيرية لقول الله تعالى (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) يقول ربنا (وإذ) تكرار (وإذ) واذكروا وقت كذا (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى) (قلتم) تأكّد هذا بصيغة الماضي التي تثبت حدوث الحدث (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى) ولم يكتف بالماضي بل جاء بأداة من أدوات النفي التي لها خصوصية في النحو العربي (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) علقوا إيمانهم حتى يكون لهم هذا العقل المادي في التفكير بأن يروا الله جهرا والقرآن يريد أن يظهر الإصرار والعناد لأن (لن) تفيد النفي على التأبيد، يعني لا يمكن أن يحصل الذي بعدها إلا بحصول شرطها (لن) تنفي المضارع والمستقبل أيضًا (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ) إلا بشرط (حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) هذا كان عقابا من الله، الصاعقة التي نزلت عليهم كانت عقابًا من الله. (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٥٦﴾) وانظر إلى نهاية الآيات الله عز وجل حين يقول (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) يعني شأن الصاعقة وهذه الكارثة التي كانت عليكم وكان بها الهلاك وكان بها الموت كانت أمام أعينكم لم يشاهدها قوم غيركم وأبلغوكم بها، أنتم عاينتم ذلك وشاهدتم ذلك (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) يعبر بالجملة الإسمية التي تؤكد شهودهم لهذا الابتلاء الذي حدث (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى) بسبب جحودهم، عنادهم، إصرارهم (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً).

(ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ) هذا من نعمة الله ليس هنالك إله آخر يحيي الخلق ولا يبعثهم، هذه قدرة الإله الحق (مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) هذه النعم تستوجب الشكر فما هذا الجحود وما بلادة الحس هذه؟! وما لهم لا يعترفون؟! وما لهم في هذا الشرود الذي هم فيه فالله يذكرهم بنعمة بعد نعمة.

وتمضي الآيات بقوله الله سبحانه وتعالى (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿٥٧﴾) (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ) في الصحراء بعد أن أخذتهم الصاعقة وبعثهم الله لم يتركهم هكذا، (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ) الغمام السحاب الأبيض. (وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى) المنّ نبات خاص حلو الطعم وطيب والسلوى طائر معروف بالسمّاني في اللغة العربية. (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) الطيب حين يأتي في القرآن هو ليس حكمًا شرعيًا، الحلال حكم لكن طيب وصف للطعام أنه ممتع فوق أنه نافع وسبب للحياة فهو ممتع، تتلذذ به، تستمع به (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ). وهنا يبين أنهم عدوانهم هذا كان على أنفسهم، وأنهم ظلموا أنفسهم حين لم يعترفوا بالنعمة للمنعم، انظر إلى بيان القرآن العظيم في ذلك (وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) الإنسان حين يكون جاحدا لا يعترف بالنعمة للمنعم فقد ظلم نفسه يعني مهما صنع العبد فالله غني عنه ولا تضره معصية من عصى ولا تنفعه طاعة من أطاع فأنت حين تظلم تظلم نفسك في الحقيقة لأنك لا تعترف للمنعم بالنعمة ولا تستجيب للهادي بهداياته وآياته كيما تنتفع وكيما ترتفع.

ثم تمضي بنا الآيات فيقول الله تعالى (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴿٥٨﴾) (وإذ) تكررت كثيرًا، القرآن الكريم يقول لهم (واذكروا) بلغة بسيطة جدًا كأن الله تعالى يقول لهم هل نسيتم هذه؟ اذكروا هذه، واذكروا هذه، ماذا تذكر أنت من نعم ربنا عليك؟! ماذا ستنسى من نعم ربنا عليك؟! التكرار في (وَإِذْ قُلْنَا) واذكر وقت أن قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا. القرية هنالك أقوال تقول هي بيت المقدس هي أو غيرها لكن أمرهم ربهم أن يدخلوا هذه القرية لينعموا بما فيها (فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا) الرغد إنما هو طيب العيش واتساعه، يعني النعيم فيه وفرة والنعم كثيرة. (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) القرية التي سوف تدخلونها وتفتحونها ادخلوها بتواضع ليس بكبرياء ولا تعالي هذا معنى (سُجَّدًا). سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وهو ينحني ويسجد من فوق ظهر الدابة تواضعًا لله عز وجل ولما قال أحد الصحابة: هذا يوم الملحمة قال صلى الله عليه وسلم: لا، هذا يوم المرحمة. التواضع حينما يكون الفتح، يكون التمكن، هذه نعمة من الله سبحانه وتعالى تستحق التواضع (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) متواضعين لله، معترفين له بالفضل، شاكرين لأنعمه. (وَقُولُوا حِطَّةٌ) يعني اسألوا الله المغفرة اطلبوا من الله أن يحط عنكم الذنوب والأوزار.

(نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ) هنا وقفة للتدبر: هذا جمع تكسير ولكن القرآن الكريم يرد فيه من جمع التكسير أيضًا قول الله سبحانه وتعالى في سورة الأعراف (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٦١﴾) وهنا (وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ) لماذا؟ الإثنان جمع تكسير لكن بينهما فرق. خطاياكم جمع تكسير يدل على الكثرة، الخطايا، العثرات والذنوب كثيرة جدًا من الكثرة بمكان، لكن خطيئاتكم هذا جمع قلة والعلماء إنما يفرقون بين الجمعين في السياقين: في الآية التي نحن فيها (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا) كلمة رغدا هي الملمح المميز بين الآيتين، أول ملمح مميز. في الآية الثانية في سورة الأعراف (وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ) بدون (رغدا) (وَقُولُوا حِطَّةٌ) لكن في سورة البقرة قال (فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ) في البقرة قال خطاياكم لأن قبلها رغدا أما سورة الأعراف قال خطيئاتكم لأنه لم يقل قبلها (رغدا) وايضًا كان السياق في سورة الأعراف لم يكن يعبر عن خطايا كثيرة ففرق بين الآيتين: التي فيها تصريح لجحود النعم وجحود رغد العيش ومخالفة هدي الله سبحانه وتعالى حين قال لهم (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) فقال (خَطَايَاكُمْ) بجمع الكثرة ولما لم يأت ذكر لهذه الأمور في آية سورة الأعراف كان يكفي جمع القلة فقال (خَطِيئَاتِكُمْ) فسبحان من هذا كلامه!

 

ثم يأتي بعد ذلك قول الله عز وجل في آخر الآية (وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) الله عز وجل حين يطالبهم بالإقبال عليهم فإنما يرغبهم في هذه الآية أن الله يبشرهم أنه (وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ). لكن ماذا حدث منهم؟ (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿٥٩﴾) استحقوا العقوبة. هكذا الآيات التي عشنا معها إنما تبين هذا التذكير بنعم الله عليهم وهذا الجحود وهذا النكران من هؤلاء فاستحقوا بذلك عذاب الله والعياذ بالله تعالى. هكذا النعم ستوجب الشكر (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (7) إبراهيم) أما الذي يكفر بنعم الله فعذاب الله حاصل والإنسان حيث يضع نفسه وضع نفسه في مقام الشكر كانت له الزيادة وكانت له العناية وإن وضع نفسه في مقام الكفران والجحود والنكران للنعمة على المنعم فإنه يستحق العقاب. هذا بيان الله سبحانه في روعته وجلاله وجماله فطوبى لعبد استمع فتدبر فانتفع وارتفع وما يعقلها إلا العالمون وما يذكر إلا أولو الألباب.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل