روائع البيان القرآني - سورة البقرة الآيات (44- 48)

روائع البيان القرآني – د. محمد داوود

سورة البقرة الآيات (44- 48)

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

http://www.fawaed.tv/episode/23209

نتدبر بقواعد اللسان العربي المبين لنقف على الإحكام في الكلمة القرآنية ونقف على روعة البيان في آيات القرآن وبديع لغة التنزيل. نتدبر اليوم آيات الله سبحانه وتعالى التي يقول فيها: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿٤٤﴾ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴿٤٥﴾ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿٤٦﴾)

(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ) هذا خطاب لعلماء بني إسرائيل أراد القرآن أن يلفت انتباههم فجاء بهذا الاستفهام (همزة الاستفهام في (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ)) هذا الاستفهام غرضه التوبيخ والإدانة لهم ولفت انتباههم إلى أن سلوك العقلاء ومنطق العقلاء أن الإنسان لا يحرم نفسه من الخير الذي يتفضل به على غيره، الإنسان أحقّ الناس بذلك فيقول (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ) والقرآن هنا وهو يقول (وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ) يبين أنهم علماء بهذا الكتاب وأنهم لا يقرأون الكتاب كما يقرأ كل الناس وإنما هم يتلون بقواعد التلاوة والعلم والفهم والأحكام لهذا الكتاب. لكن القرآن في هذه الكلمة (تتلون) يبين قاعدة مهمة لكل من يتصل بالكتب السماوية بالقرآن، بالإنجيل، بالتوراة ويكون معلمًا لها، تاليًا لها يضع القرآن هذه القاعدة (وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ) وهي قاعدة أن التنافس في تلاوة الآيات أمر عظيم لكن ينبغي أن يتصل به تنافس في العمل بالآيات. نعم هنالك مسابقات عديدة عالمية دولية للتنافس في التلاوة لكننا نحتاج إلى دعم التنافس في العمل بهذه الآيات والعمل بهدي هذه الآية والاستجابة لهدي هذه الآيات. هذه الآية إنما تدعو إلى هذه القاعدة التي يرسيها القرآن، قاعدة الأسوة في كل منطق وفي كل مجال، الذين يتحدثون عن التربية ينبغي أن يكونوا أسوة، الذين يدعون إلى الفضائل ينبغي أن يكونوا أسوة وإنه لعار على هؤلاء حين ينفصل القول عن العمل حين تسقط الأسوة عند هؤلاء فيقول القرآن (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ). واختيار القرآن لكلمة (البر) لأن البر اسم جامع لكل الخيرات والبركات. (وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ) لم يقل أهملوا ولكن بيّن أن الإهمال وصل إلى حد النسيان (وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ).

والعجيب والمدهش أن القرآن في آية واحدة يجمع بين استفهامين ليثير الانتباه بأعلى درجات إثارة الانتباه ولفت الانتباه فبدأ بقوله (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ) ثم أتبعه باستفهام آخر فقال (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) فيه إدانة لهم أن اختيارهم هذا وأن فعلهم هذا جاء منافيًا لمنطق العقل ومنطق الصواب (أَفَلَا تَعْقِلُونَ). كل هذا نعيٌ وتوبيخ على الذين يقولون ولا يفعلون، على الذين يقولون ولا تكون منهم الأسوة والقدوة، على الذين يتنافسون في التلاوة ولا يتنافسون في الفعل العمل والاستجابة والقرآن يجمع بين استفهامين لإثارة الذهن، للفت الانتباه، للتوبيخ والإدانة لكل من يحصل منه ذلك. حين يذكر القرآن ذلك في شأن بين إسرائيل وعلمائهم لا لنضحك عليهم ولا لنستهزئ بهم ولكن لنعتبر لنتعلم الدرس حتى لا نكرر هذا الخطأ، حتى لا نسقط في مثل ذلك. فهذان استفهامان جليلان للفت الانتباه، للإدانة والتوبيخ لهؤلاء ولكل من يسلك مسلك هؤلاء، فانتبه أيها العاقل واستفد بهذا العلم وهذه القواعد الهادية في القرآن الكريم.

ثم بعد ذلك يبين ربنا سبحانه وتعالى بقوله إلى سبب النجاة (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴿٤٥﴾) الإنسان يستعين بالصبر، الصبر إنما هو وسيلة لإدراك كل الطموحات وكل المطالب وتحمّل كل الكوارث وكل الابتلاءات. الصبر وسيلة عند العظماء عند الناجحين عند الفالحين، الفلاح في الدنيا يحتاج إلى صبر والفلاح عند الله عز وجل يحتاج إلى الصبر (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ). والصلاة إنما هي مدد إلهي يهييء المؤمن لأن يكون موضع توفيق من الله تعالى ثم يبين أن هذا الأمر ليس هينًا إلا على من يسّره الله عز وجل فيقول (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) ليست أمرًأ هينا سهلا إلا على الخاشعين. وفي القرآن هنالك إخبات هنالك إخبات، هنالك خضوع هنالك خشوع، هذه كلمات متقاربة المعنى. لماذا يعبر هنا (الْخَاشِعِينَ)؟ هذه فرصة لنتوقف عند الفروق الدلالية بين الكلمات متقاربة المعنى في القرآن الكريم.

الإخبات هو ما اطمأنّ من الأرض وخَفِيَ من الأرض ويقال خَبَتَ ذكره إذا خفي والمُخبت من الناس هو المتواضع فالإخبات فيه ملمح الخفاء وملمح التواضع.

الخشوع يظهر ذلك على البصر والصوت.

الخضوع فبظهور أثر ذلك على البدن كله، كل البدن تظهر عليه آثار الخضوع.

التضرع فيه ملمح التذلل إلى الله سبحانه وتعالى.

ومن هنا يأتي ملمح الإخبات فيه ملمح الخفاء لأن فيه الإخلاص لله عز وجل والإخلاص يتضح من السياق في الآيات التي وردت في القرآن الكريم في هذا الملمح (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23) هود) (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ (54) الحج) إذن الإخبات كل ما فيه من ملمح الإخفاء دافعه شدة وقوة وحقيقة الإخلاص لله تبارك وتعالى، لأن الإخلاص يقوم على ملمح الاستخفاء، المُخلِص لا يحب أن يرائي الناس بعمله وإنما هو يقوم على الاستخفاء لأنه يخاف على عمله.

في حين أن النظر إلى الخشوع لله سبحانه وتعالى إنما يأتي لظهور أثر الخوف من الله سبحانه وتعالى على الجسد في أمرين: فالخشوع هنا إنما هو رقّة في القلب وخشية يظهر أثرها في الصوت فالإنسان الخاشع صوته يميل إلى البكاء، صوته فيه شجن، فيه حزن ويظهر أثر ذلك على النظر أيضًا فتجده لا يبحلق وإنما يتجه بنظره نحو الأرض. استعماله في الصوت كناية عن انخفاض الصوت، واستعماله أيضًا في البصر والخشوع بهذا يتضمن التواضع ويتضمن السكون كما بيّن العلماء والخشية لله والملمح المميز له هو ظهور أثر ذلك في الصوت والعين، هذا هو الخشوع،  فيقول ربنا (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) الخاشعون هم الذين يدركون هذه النعمة ويداومون عليها ويستعينون بالتقرب إلى الله على حوائجهم وعلى دفع الكوارث عنهم ومعلوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أو أهمّه أمر يقول: أرحنا بالصلاة يا بلال (الباء للاستعانة) كما هنا (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴿٤٥﴾) استعينوا بالصبر وبالصلاة.

في حين أن الخضوع إنما يظهر ذلك على البدن كله لا يظهر فقط على العين وعلى الصوت ولكن يظهر على البدن كله.

ولذلك القرآن حين يأتي بكلمة في سياق بالخضوع أو بالخشوع إنما لمناسبة ذلك للسياق الذي وردت فيه، هنا يأتي (إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ). يزيدنا ربنا بالجملة التفسيرية في القرآن الكريم وقد وقفنا عندها في حلقات سابقة. الجملة التفسيرية تأتي لبيان دلالة كلمة في هذا السياق ولبيان أثر المعاني للكلمة لأمن اللبس في تحديد المقصود بالمعنى المطلوب من الكلمات في القرآن، هنا (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) من هم الخاشعون يا رب؟ تأتي الجملة التفسيرية (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿٤٦﴾) يبين القرآن الدافع للخشوع هنا (الَّذِينَ يَظُنُّونَ) والظنّ هنا بمعنى اليقين لا بمعنى الشك، حين يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ (12) الحجرات) الظن هنا بمعنى الشك أنك لا تستطيع أن ترجح حالة بين حالتين، هذا هو الشك بين أمرين، ظنّ. لكن حين يسند الظن لأمر الإيمان والله سبحانه وتعالى في السياق (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ) أي يوقنون الظن هنا بمعنى اليقين. وهذه من الدلالات التي تتميز بالسياق القرآني ينبغي أن يقف عليها طالب العلم. (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ) هذا في سياق المدح وسياق المدح يقتضي أن الظن هو بمعنى اليقين يوقنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون وهذا هو المنتظر من أهل الإيمان فسيحاسبهم على كل ذلك ولذلك يكون منهم الخشوع لله سبحانه وتعالى. بل ويظهر أثر هذا الخشوع على أبصارهم وعلى أصواتهم وعلى أبدانهم إجلالًا وتعظيمًا لله سبحانه وتعالى. هذه هي من أنواع الجملة التفسيرية في القرآن الكريم (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) والآية التي بعد ذلك تأتي لتفسر وتوضح أظهر الملامح للخاشعين، من هم يا رب؟ (الَّذِينَ يَظُنُّونَ) والظن في هذا السياق إنما يأتي بمعنى اليقين (مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) وهذا من بديع لغة القرآن الكريم فاستفد به وانتفع به.

ثم يجدد الله سبحانه وتعالى النداء بعد ذلك فيقول (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٤٧﴾ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴿٤٨﴾) الله سبحانه وتعالى يجدد النداء لأن الكلام مستمر في خطاب علماء بني إسرائيل، السؤال البياني هنا: فلماذا يجدد الله النداء لبني إسرائيل؟ بل ويلفت انتباههم إلى مقتضى الأمر الذي يخاطبهم به يذكّرهم بنعمته التي أنعم عليهم بها بل ويزيد ذلك تفصيلًا من باب النعم، من باب عطف الخاص على العام ليبين أهمية وخصوصية هذه النعمة من بين النعم، أنعم عليهم بأمور كثيرة منها التي لا ينبغي أن تُنسى أبدًا (وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) إسرائيل هو يعقوب يعني عبد الله باللغة العبرية وإسرائيل هو لقب لسيدنا يعقوب (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) ثم يذكر ويخصّ نعمة من بين هذه النعم وهذا من قبيل عطف الخاص على العام لبيان أهمية هذه النعمة وأنها ينبغي أن لا تنسى بين كل هذه النعم (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٤٧﴾). ثم يحذر ربنا كما حذرهم هناك (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴿٤٠﴾) ثم ناداهم وطالبهم (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴿٤١﴾) وهنا يحذرهم بتحذير آخر (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا) هنا يذكرهم بيوم القيامة، يحذرهم من مغبة عصيانهم وضلالهم في جزاء ذلك اليوم (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ) لا يشفع أحد لأحد إلا بإذن الله أو إلا لمن ارتضى من رسول، هما شفاعتان في القرآن:

شفاعة ممنوحة لسيدنا رسول الله ولمن ارتضى الله لهم أن يكونوا شفعاء،

وشفاعة ممنوعة ما يكون لأهل الفسق أو أهل العصيان فهذه من الشفاعات الممنوعة (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) هنا ربنا يعبر بهذه الكلمات بإحكام، يأتي إنسان يحاول أن يشفع لآخر فلا يقبل منه إلا من ارتضى من رسول. (وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) العدل هنا إنما هو بمعنى الفداء لو أن الإنسان يملك ما في السموات وما في الأرض وما في الكون جميعًا لا يؤخذ منها ولا يصلح أن يكون عدلًا أي فداء وأيضًا يقول ربنا (وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ).

ومن الفن البلاغي هنا ما يجعل الناس تسأل في التناسق الذي نتحدث به والتناغم في الخطاب القرآني. يعبر القرآن هنا (وَاتَّقُوا) جملة فعلية (لَا تَجْزِي) جملة فعلية (وَلَا يُقْبَلُ) جملة فعلية (يُؤْخَذُ) جملة فعلية ولكن في ختام اآاية جاء بجملة اسمية عطفها على كل الجمل الفعلية التي جاءت في الآية، قال (وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ) هذا كلام الحكيم. الأصل في البُشرى أن تكون في الخير لكن حين يقول ربنا (فبشرهم بعذاب أليم) فهذا للتهكم، جاءت لغرض ما، خرجت عن أصل معناها إلى هذا المعنى المجازي لتبين هذا التهكم، فالقرآن حين يخرج عن هذا التناسق الذي يقتضيه الظاهر: جملة فعلية، جملة فعلية، جمل فعلية ثم يأتي في الختام بجملة اسمية ليلفت الانتباه إلى معنى مقصود (وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ) لأن الجملة الاسمية ومعلوم لدى العلماء ولدى أهل اللغة أن فيها مبالغة للدلالة على الثبات والديمومة يعني أنهم غير منصورين دائمًا، ليسوا منصورين في مكان معين أو في جولة معينة أو في مواجه معينة، لا، ولا هم ينصرون يعني دائمًا أبدًا هنالك ثبات وديمومة أنهم غير منصورين دائمًا ولا عبرة بما يصادفونه من نجاح مؤقت.

 

وهكذا يا طالب العلم أيها المتدبر حين نقف بكل الإجلال، بكل التدبر أمام الآيات لنرى كيف أن الله جمع في آية واحدة جمع استفهامين للتوبيخ وللإدانة كي ينتبه هؤلاء الذين سلكوا سلوكًا لا يسلكه إلا السفهاء، لا يسلكه العقلاء أبدًا فقال (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ) ثم قال (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) لأن هذا لا يتفق مع قواعد العقل الصحيح (وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ) قاعدة قرآنية يقررها أن على الذي يعلم ينبغي أن يكون أسوة فيما يدعو إليه وأن التنافس وهذا من أهم المهم أن التنافس في تلاوة الآيات والحفظ ليس كافيًا فقط ولكن ينبغي أن يكون معه تنافس في العمل بهذه الآيات وأن نكون أسوة وقدوة فيما ندعو إليه. ثم علمنا لماذا جاءت كلمة الخاشعين هنا إنما تعبر بدلالة فيها إجلال وتعظيم لله سبحانه وتعالى يظهر على البدن، ثم بالجملة التفسيرية (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿٤٦﴾) ثم بعد ذلك كرر النداء (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) لمزيد التزكية ولفت الانتباه ثم كيف أن القرآن الكريم في آية واحدة يكون الكلام بالجملة الفعلية ثم يأتي للختام بالجملة الاسمية ليلفت الانتباه وليبين أن (وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ) يبين أن في هذا مبالغة للدلالة على الثبات والديمومة أنهم غير منصورين دائمًا ولا عبرة بما يصادفه ذلك المنحلّ أو المنحرف أو الكافر أو العاصي أو المنافق من نجاح مؤقت. هذه آيات بها عبر وعظات، بها روعة للبيان بها بديع لغة التنزيل فسبحان من هذا كلامه وهذا هديه وبيانه وما يعقلها إلا العالمون وما يذكر إلا أولو الألباب. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل