روائع البيان القرآني - سورة البقرة الآيات (40-43)

روائع البيان القرآني

د. محمد داوود

سورة البقرة الآيات (40-43)

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

http://www.fawaed.tv/episode/23269

في رحلة التدبر لآيات الذكر الحكيم لنقف بالعقل والعلم على أسباب العظمة وروعة البيان في القرآن الكريم وبديع لغة التنزيل.

اليوم نعيش ونتدبر هذه الآيات، قال تعالى (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴿٤٠﴾ وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴿٤١﴾). هذا النداء )يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (إنما هو نداء لليهود ولعلماء اليهود خاصة. و(إسرائيل) إنما هم عَلَم أعجمي وهو بالعبرية معناه بالعربية "عبد الله"، (إسرا) عبد، (إيل) الله. و(إسرائيل) إنما هو لقبٌ لنبي الله يعقوب، فالقرآن ينادي هؤلاء بهذا الوصف يا بني إسرائيل، يا بني يعقوب )اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ). وهذه النعم التي ذكرها الله في قرآنه وأنه أفاء عليهم من نعمه ظاهرة وباطنة، من النعم المعنوية، نعم التفضيل ونعم أنه أسبغ عليهم من الأنبياء، أسباب الهداية وأنزل عليهم التوراة، هذه كلها نعم معنوية، ونعم مادية من المأكل والمطعم والصحة إلى آخر ذلك من التمكين في الأرض. ثم يقول ربنا (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) الله سبحانه وتعالى يناديهم أن يتأملوا وأن يتدبروا هذه النعم التي أفاءها الله عليهم، ما جزاء هذه النعم؟ أن يعترفوا بالفضل للمنعِم وأن يؤمنوا بمن أنعم وتفضل عليهم، هذا هو مقتضى العقل ومقتضى التفكير السليم، هذا معنى (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ). وهذا فن من فنون البلاغة العربية هو فن المشاركة وفن التعطف حين يكون الجزاء من جنس العمل، ويعيد تكرار الكلمة لإيقاظ الذهن والانتباه فيقول (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) كل ذلك ليشجعهم، ليلفت انتباههم إلى أنهم إن كانوا يريدون أن تجاب دعوتهم وأن تتحقق مطالبهم فالسبيل إلى ذلك يبينه القرآن بهذا الأسلوب البياني (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ).

(فارهبون) هذه الكلمة حين نتدبرها أولًا لماذا جاءت الفاء (فارهبون)؟ وأهل اللسان العربي المبين يبينون أن الفاء في هذا التركيب وقد تكرر في القرآن كثيراً أنها جواب مقدّر يشير إلى معنى يريده القرآن في هذا الإيجاز وهو التنبيه، أي تنبَّهوا، كقولك: "الكتاب فخذه" أي انتبه فخذه. إذاً فالفاء هنا إنما تشير إلى هذا المعنى الدقيق الذي ينبغي أن يقف عليه المتدبرون. عندما تشير إلى دلالة التنبيه (فارهبون) أي ينبغي أن تنتبهوا أن مردود كل ذلك وأن الثمرة من وراء كل ذلك وأن النتيجة المنطقية من كل ذلك (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ). وحين نتدبر هذه الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم: الخشية، الخوف، الرهبة، الفزع، الوجل، كلها كلمات تنتمي إلى مجال دلالي واحد يدور حول دلالة الخوف. لكن لماذا أتى القرآن هنا - لنقف على إحكام القرآن في الكلمة القرآنية- لماذا أتى هنا (فارهبون)؟ وهل هناك فرق بين الرهبة وبين الخوف وبين الخشية وبين الوجل إلى آخره؟ نعم، هذا باب عظيم أود أن نتفهمه ليكون درساً في الفروق الدلالية بين الكلمات في القرآن الكريم. هنالك قدر مشترك بين هذه الكلمات لكن:

·         الخشية لون من الخوف لكن خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علم لأن الذي تخشاه تعلم أن عنده من أسباب العظمة وأسباب القدرة ما يحملك على الخشية منه. وهذه عبارة اللغوي الفذّ صاحب الحسّ اللغوي المرهف الإمام الأصفهاني، يقول: "الخشية خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يُخشى منه" هذه عبارة الأصفهاني في مفردات القرآن الكريم.

·         في حين أن الخوف يذكره أيضًا بقوله: توقع مكروه عن علامة معلومة. الخوف يتعلق بالمستقبل وفيه توقع لمكروه بسبب علامات معينة تظهر أو ظنون معينة في النفس من هذا الشيء.

·         في حين أن الرهبة يقول عنها الأصفهاني: والرهبة شدة الخوف وملازمته. خوف شديد لكنه مستمر وتصحبه مهابة وإجلال وتعظيم. فيها ملمح الملازمة وملمح المهابة. ومنه كلمة الراهب لطول ملازمته للخوف من ربه، وأصله من الرهْب وهو الجمل الذي أصابه الهُزال والإنهاك من طول الأسفار.

·         وهكذا يتبين لك الفروق الدلالية حتى إذا جئنا إلى كلمة الوجل وجدناها أنها خوف فيه فزع.

القرآن يقول هنا (فارهبون) فيه خوف وفيه ملازمة لهذا الخوف لملازمة النعم واستمرار هذه النعم واستمرار التفضل ودوام النعم وتكرارها وتعداد النعم التي بينها الله عليهم فيكون المستحق هنا (فارهبون) وهذا من بديع لغة القرآن الكريم.

ولو زدنا من التأمل في هذه الكلمات لوجدنا أنه إن كانت الخشية خوف باعث على الامتثال والانقياد مع المهابة والتعظيم والإجلال لله والخشية في الأغلب تقترن بالعلم كما في آيات كثيرة جاءت في القرآن الكريم لكن نجد أن الرهبة إنما لها ملمح يميزها هنا من أنها وردت كثيرًا في القرآن الكريم ومنها (وإياي فارهبون) لكن فيها دلالة يجب أن نقف عليها أنها خوف يصحبه اضطراب شديد، عظام الصدر تخفق لهذا الاضطراب من شدة الخوف نسميها رهبة حينما يضطرب الإنسان ويكون الخوف الشديد. ومن هنا الرهبة خوف فيه اضطراب فيه قلق وهذا كله مما يميز هذه الكلمة.

إذاً نعمة الأمن، نعمة الاستقرار، نعمة إنزال الكتب، نعمة بعث الأنبياء، نعمة إرسال الرسل كلها نعم أفاءها الله على بني إسرائيل فيقول لهم كان ينبغي أن تذكروا هذه النعم وتعترفوا بالنعمة للمنعم بأن تؤمنوا وأن تصدقوا فيقول (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) أي لا تفعلوا ذلك فتستحقوا العذاب وتستحقوا العقاب من الله عز وجل وأنتم على علم بطلاقة القدرة الإلهية التي لا يعجزها شيء لذلك لم يأت بكلمة الخوف هنا لأنها لا تكفي وإنما جاء بكلمة الرهبة التي فيها إجلال وفيها مهابة وفيها خوف شديد وفيه طول ملازمة لهذا الخوف واستمرار حتى يوقظ عقولهم بهذه الكلمة التي جاء بها في هذا السياق.

(وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ) هذه الآية إنما هي بمثابة نتيجة ينبغي أن تكون على ما تقدّم من نعم ومن تحذير في الآية التي قبلها، أي ينبغي أن تؤمنوا إن كان الأمر هكذا، الله هو الذي أنعم وإن أردتم الإجابة والاستجابة لدعائكم ولمطالبكم أوفوا بعهدي أوف بعهدكم، وتحذير (وإياي فارهبون) ما الذي ينبغي بعد ذلك؟ القرآن يشير إليه، انظر: سبب ونتيجة، وهذا أسلوب عقلي منطقي في الحوار مع الآخر ينبغي أن نتعلمه من الخالق، من القرآن الكريم. (وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ) أي الذي جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القرآن جاء مصدقًا لما معكم من الآيات الحقيقية التي تعلمونها (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) وهذا إشارة من القرآن الكريم أنهم ينبغي أن يكونوا أول من يؤمن بذلك لأنهم يعلمون ما فيه من حقائق وأن البشرى جاءت به وأن كتابهم التوراة يشهد لذلك، فكان من المتوقع أن يكونوا أول من يؤمنوا به ولكن الذي حدث منهم عكس ذلك: الكفر به فقال لهم: (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) لا يليق بكم، كان ينبغي أن تكونوا أول من يؤمن لعلمكم به وبما فيه. (وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) ثمن العلو، ثمن أنهم يريدون أن يكون النبي منهم وأنهم يستعظمون أن يكون النبي من قريش أو من هذه البيئة إلى آخر ما قالوا (وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ). لما كان الخطاب في البداية خطاب لمن لم يؤمن (يا بني إسرائيل) ويدعوهم إلى الإيمان وكان تحذيريًا فناسبه (فارهبون) ولما كان الخطاب داعياً للإيمان والإيمان يناسبه التقوى فقال في ختام الآية (وإياي فاتقون) وهذا من بديع لغة القرآن الكريم وسبحان من هذا كلامه!.

ثم يأتي بعد ذلك (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)). ثم يأتي قول الله عز وجل مخاطباً اليهود وبخاصة علماء اليهود فيقول (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) لم يقل ولا تخلطوا الحق بالباطل ولكن قال (ولا تلبسوا الحق بالباطل) كأنهم يلبسون الحق ثوب الباطل حتى يزيفوا وحتى يطردوا الناس عنه يصرفوا الناس عن الإيمان به ويكتموا الحق لأن الثياب تستر ما بداخلها، الثياب تخفي ما بداخلها، وهذا هو الكتمان إن كانت تستر ما بداخلها على المستوى المادي فعلى المستوى المعنوي بينه القرآن (وتكتموا الحق). انظر إلى التناسق والتناغم بين الكلمات ودلالة الكلمات (وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) تصنعون ذلك بسبق التعمد والإصرار (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي أنتم لا تصنعون ذلك عن جهل أو عن سوء فهم وإنما (وأنتم تعلمون) يؤكدها القرآن الكريم.

ثم يكرر الدعوة إلى الهداية لهم فيقول لهم: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ) للذين سوف يستجيبون فيؤمنوا فيوصيهم (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ). ولكل واحدة من هذه تأمل وتدبر:

(وأقيموا) ولم يقل وصلّوا أو أدّوا وإنما قال (وأقيموا) والظلال الدلالية لكلمة (وأقيموا) إنما تفيد أن أداء هذه العبادة الصلاة ينبغي أن يكون على أتم ما يكون وأكمل ما يكون في أركانها، في قرآءتها، في نيتها، في كل شيء يتصل بها. إقامة الشيء أداء الشيء على أفضل حال، على أحسن حال وأتم حال، ومن هنا اختار القرآن بهذه الحكمة قال (وأقيموا) ليعبر أن الصلاة ينبغي أن تؤدى على أتم وجه لا يؤديها الإنسان كي يتخلص منها، لا يؤديها الإنسان أداء باهتا، أداء فيه إهمال أو عدم تركيز أو لا يتقن ما يقول أو لا يرتل ما يقول وإنما (وأقيموا الصلاة).

(وَآَتُوا الزَّكَاةَ) لم يقل القرآن وزكّوا أو أدوا الزكاة قال (وآتوا) ما معنى (وآتوا)؟ ليس فقط أن تدفع قيمة الزكاة بل تجتهد في إيصال الزكاة إلى أصحابها المستحقين لها، لا ينبغي أن تأتي لمبلغ من المال وتلقيه، هذه دلالة الكلمة في القرآن (وَآَتُوا الزَّكَاةَ) ينبغي أن تنهضوا تنشطوا بالزكاة لتصلوا بها إلى مستحقيها. وفي مفهوم العصر البحث الاجتماعي ونقيم الهيئات الي تدعم وتفعل الزكاة حتى تحقق أغراضها ومقاصدها سواء على المستوى الفردي أو المستوى الإجتماعي، مستوى الدولة إلى آخر ذلك (وَآَتُوا الزَّكَاةَ).

ثم يقول ربنا (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) وقد يسأل سائل (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) هذه تتصل بالأمر الأول (وأقيموا الصلاة) فلم عطف الخاص على العام؟ لأن هذا العطف إنما هو لشيء مهم وهو بيان أهمية أركان الصلاة، فأشار وجاء بركن من أركانها يعبر عن خصوصيتها لأن الركوع لا يكون إلا لله كما أن السجود لا يكون إلا لله. فعطف الخاص على العام لبيان الأهمية وبيان التركيز على خصوصية هذا الركن وما يحقق من قربى إلى الله سبحانه وتعالى وهو رمز إلى الإشارة إلى كل أركان الصلاة الركوع، السجود، القيام، القرآءة ليس فقط أمراً عاماً (وأقيموا الصلاة) بل يعطف الخاص على العام ليؤكد أن الإتقان لكل ركن من أركانها، وفي هذا مزيد مزية لهذه العبادة وهي هذه الصلاة.

 

بعد أن بين القرآن انظر إلى اللوحتين: أسباب الخسران، أسباب الهلاك، أسباب الكفر، أسباب الطغيان، أسباب الحرمان، أسباب الضياع، أسباب الحرمان عن الله حين بيّن (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) وبين قبلها أيضاً حين قال (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) ثم قال (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِوَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) بعد أن بيّن ربنا أسباب الضياع حين ينحرف الإنسان عن هدي الله يبين ربنا أسباب القرب وأسباب النعيم حين يؤمن ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويركع مع الراكعين. سبحان من هذا كلامه وهذا هديه وبيانه وما يعقلها إلا العالمون وما يذكر إلا أولو الألباب. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل