روائع البيان القرآني - سورة البقرة الآيات (34- 38)

روائع البيان القرآني

د. محمد داوود

سورة البقرة الآيات (34- 38)

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

http://www.fawaed.tv/episode/23092

تعالوا بنا نواصل الرحلة، رحلة المحاولة للوقوف على أسرار روعة البيان القرآني وبديع لغة التنزيل والإحكام والدقة في الكلمة القرآنية والحرف القرآني والحركة في القرآن الكريم. نتوفر اليوم لهذه الآيات، نعيش معها، نتدبر كلمات ومعانٍ هذه الآيات. قال تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ) [البقرة : 34-38]

تمضي بنا الآيات لبيان حكمة الله سبحانه وتعالى، في الصراع بين الخير وبين الشر. (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ)، هذا أمر من الله سبحانه، (فَسَجَدُواْ) نظروا إلى عظمة الآمِر فسارعوا بالسجود، إجلالاً لأمر الله سبحانه. (إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى) أي رفض (وَاسْتَكْبَرَ) أي تعالى، ونظر – أي (قَالَ أَنَاخَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) [ ص: 76] استكبر، تعالى، لم ينظر إلى عظمة الآمر ولكن نظر إلى نفسه، إلى الأنا. (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) قاده ذلك الكبر وذلك الرفض بدلاً من أن يكون في صفوف الملائكة والعابدين، أصبح في صفوف الكافرين، إبليس.

(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً) الرغد، اتساع ولين العيش، أي هناك وفرة وهناك نعيم ومتعة، ليس كثرة فقط وإنما كثرة مع حسن، مع جمال، مع طيب، مع تمتّع. (وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً) عيشوا وسط هذا النعيم بكثرته وطيبه وتتمتعون به كيف شئتما. (رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) رمزٌ إلى المحرّم الذي حرّمه الله عز وجل. (فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ) أي ظلمتم أنفسكم. انظر هنا لمحة بيانية في القرآن أحب أن أؤكدها في كل مرة، ربنا يقول: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ) يا ربي، قبل ذلك بآية قلت إبليس، (فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ) إبليس (إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ)، هنا قلت (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ)، هل إبليس شيء والشيطان شيء آخر؟ أبداً، لكن إبليس تطلق على إبليس حين كان رفضه وإباؤه على نفسه، شره على نفسه، لا يتعدّى إلى غيره. لو فتحت أيّ معجم من معجمات اللغة، تجد أن إبليس هو الرافض ورفضه وشره يكون على نفسه. لكن لما بدأ شر إبليس يتعدّى نفسه إلى غيره وبدأ رحلة الإغواء والإغراء والإفساد لآدم، أطلق عليه القرآن كلمة الشيطان، وافتح أيّ معجم لترى هذا الإحكام وهذه الدقة في الكلمة القرآنية في المناسبة بين الكلمة ومعناها، أن الشيطان هو كل من أغرى غيره بالشر وأغوى غيره بالفساد وحاول إفساد غيره فهو شيطان، سواء كان الشيطان من الجن وإبليس أو كان حتى من الإنس. قال تعالى: (وَكذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّاشَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّيُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) [ الإنعام: 112]. (وَكذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّاشَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ) وقدّم شيطان الإنس على الجنّ فكل من يُغري غيره بالشرّ ويُغري غيره بالفساد فهو شيطان حتى ولو كان من الإنس وقدّم القرآن شيطان الإنس على شيطان الجن. فانظر إلى الإحكام في الكلمة القرآنية، لما كان الكلام عن إبليس في رفضه للسجود، في استكباره وكان شره على نفسه عبّر القرآن بكلمة إبليس، لما جاء البيان لأن شرّه، هذا الكائن، شر هذا المخلوق، لأن شره تجاوز نفسه إلى غيره وقام بدور الإفساد والإغراء والإغواء أطلق عليه القرآن الشيطان. وهكذا في كل موضعٍ في القرآن الكريم تُذكر فيه كلمة إبليس يكون للتعبير عن رفضه السجود وعن إبائه وعن استكباره لكن شرّه لا يتجاوز إلى غيره في هذه الحدود. وكل موضع في القرآن يتجاوز شره إلى غيره بمحاولة الإفساد والإغراء والإغواء يطلق عليه كلمة الشيطان. سبحان من هذا كلامه!.

هنا (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ)، أي الشيطان بوسوسته، بإغوائه، بإغرائه، أبعدهما عن (اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا) عن هذا النعيم، (أَزَلَّهُمَا) أي أبعدهما عن هذا النعيم. لكن القرآن لم يقل أبعدهما لكن قال (فَأَزَلَّهُمَا) لأن زّل من الخطأ، هذا الإبعاد ليس كأي إبعاد إنما هي سقطة، خطأ، أن يحرم الإنسان نفسه عن كل هذا النعيم. (فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) بدأت الحكمة في إيجاد صراع بين الخير والشر، الخير متمثل في آدم وهداية الله له، والشر متمثل في إبليس وجنوده وأعوانه. (وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (إِلَى حِينٍ) من الكلمات التي تستوقفك في القرآن.

1.      تأتي (إِلَى حِينٍ) إلى يوم القيامة أو إلى الموت، كما هنا (إِلَى حِينٍ).

2.      وتأتي (إِلَى حِينٍ) أنها تساوي العام أو السنة، والنخلة (تُؤْتِيأُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) [ إبراهيم:25] أي كل سنة تأتي النخلة بهذا الأُكل وهذا التمر وهذه الثمار/ (تُؤْتِيأُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ) كل عام، كل سنة.

3.      (حِينَتُمْسُونَوَحِينَ تُصْبِحُونَ) [ الروم:17] هذا ليل، النهار أو الليل يساوي الحين.

السنة تساوي الحين، الدهر كله إلى يوم القيامة يساوي الحين، الذي يفرّق بين هذه المعاني هو السياق، فانتبه لذلك وانتفع به وهذا من بديع لغة التنزيل. "أخبرني عن السياق والجملة التي تكون فيها الكلمة، أخبرك عن معناها" هكذا يقول اللغويون على الكوكب الأرضي كله. "فيرس"، اللغوي الإنجليزي، صاحب مدرسة السياق، يقول ذلك. فانظر إلى السياق قيدٌ للمعنى، كلمة (حين) هنا تختلف عن كلمة (حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ)، تختلف عن كلمة حين التي جاءت في القرآن بمعنى آخر وهي، والنخلة (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ) (حين) هنا إلى يوم القيامة، (حين) هناك في شأن النخلة إنما هو يكون عاماً سنةً كاملة والحين في الصباح والمساء إنما هو ليلة أو يوم، سبحان من هذا كلامه!.

وحين نواصل الرحلة تجد أن ربنا سبحانه وتعالى يبين بعد الخطأ، الله عز وجل ينقذ أولاً، ينقذ آدم. أولاً من البيان القرآني (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ)، من المُخطيء؟ إبليس، المتسبب في الخطأ الشيطان، وفي هذا تبرئة لحواء، القرآن هو الوحيد من بين الكتب السماوية الذي بّرأ حواء من خطيئة إخراج آدم من الجنة، القرآن بنصّه كما في الآيات هو الكتاب السماوي الوحيد الذي تفرّد ببيان تبرئة حواء من خطيئة إخراج آدم من الجنة، في الكتب الأخرى إنما يبين ان المرأة هي الحية وهي التي أغوت آدم وأخرجته من الجنة. حواء بريئة هنا في القرآن، الكتاب الوحيد الذي برأ حواء من خطيئة إخراج آدم من الجنة هو القرآن، المُخطيء هو الشيطان. سبحان من هذا كلامه! فلتسعدي يا حواء بهذه التبرئة، وبنات حواء، انظروا إلى كيف أن القرآن يُعلي من شأنكن لتعظّموا أمر الله وتقبلوا على كتابه. يا أيها المؤمنون، انتبهوا إلى هذه العظائم في كتاب الله سبحانه، هذه الأمور الجليلة، هذه المعاني العالية.

ثم نعمة أخرى، القرآن يصرح بأن مشكلة الذنب والخلاص منها لا تحتاج دماً، لا يحتاج شيئا من هذه الأمور وإنما الخلاص من الذنب وإنما كل ذلك بأمر يسير؛ "تبنا إلى الله"، فيقول ربنا (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) مشكلة الذنب في الإسلام، في القرآن، لها حل يسير وبيدك أنت، كلنا، "تبنا إلى الله"، وانتهت المشكلة!. وكان الجواب من العليّ الأعلى بعد ذلك حكمه: (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى) هدى الله سبحانه وتعالى في القرآن، كما تنوّعت كلمة "حين" في دلالتها بحسب السياق، أيضاً "هدى"

حين تُسند إلى المخلوق تكون بمعنى الإرشاد والبيان، قال تعالى (وَبِالنَّجْمِهُمْ يَهْتَدُونَ) أي يسترشدون؛ يكون الإنسان في الصحراء، في البحر، في المحيط لا يعرف الشرق من الغرب من الجنوب؛ ولكن بالنجم يهتدي، بالنجوم ومواقع النجوم يهتدي إلى هذه الجهات في الصحراء، في البحر إلى آخر هذه الأمور (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) يسترشدون. (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْأَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) العلماء؛ الأحبار يرشدون الناس.

لكن حين نقول (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) أي وفقنا وسددنا، يبين لنا، يرشدنا؛

لكن حين تسند الهداية إلى مخلوق تكون بمعنى الإرشاد، بمعنى الدليل، وحين تسند الهداية إلى الخالق فإنها تكون بمعنى الإرشاد، والدليل، ويضاف لها معنى التوفيق، معنى الإعانة، معنى التوفيق (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) بيّن لنا، أرشدنا، ووفقنا، وأعنّا، لننجح فيما أرشدتنا إليه، وبينت لنا من الحق. فانتبه لذلك وانتفع به.

(فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى) من الله سبحانه وتعالى هدى؛ أكرِم بهذا الهدى، هذا الهدى هو الملاذ الآمن للبشرية، (فَمَن تَبِعَ هُدَايَ) وفي سورة طه (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ) والفرق بينهما واضح، أنه لم يسبق هنا ذكر تفاصيل المسألة التي ذُكرت في سورة طه من إغواء إبليس، ومن إغواء الشيطان، ومن إغرائه لآدم، كانت تُذكر هنا على العموم فناسب (تَبِعَ)، لكن هناك مع التفاصيل؛ زاد في المبنى فقال (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ). (فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) هذا من أعلى أنواع التأمين من الخوف والحزن، ممَّ نخاف وعلامَ نحزن؟ الإنسان يخاف من المستقبل، ويحزن على الماضي؛ على ما فات، يحزن على كل فرصة مضت عليه ولم يستفد بها، ولم يكن حريصًا عليها، ولم ينتفع بها، وهو يخشى من الجوانح، من الأمور التي لا يدري لها بالًا، ماذا سيجري في الأيام والمستقبل أمام هذا الاضطراب الذي في الكون كله، الخوف يكون من المستقبل، والحزن يكون على ما فات، فيأتي اتباع هدي الله يؤمّن لك المستقبل فلا تخاف، لماذا؟ لأن الله يؤمن لك المستقبل، والله في القرآن لا يؤمّنك أنت وحدك، لا؛ بل يؤمنك ويؤمّن ذريتك ويؤمّن أحفادك؛ قال تعالى: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا). (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا) بأيّ أنواع من الضعف، الضعف كان على مستوى القبيلة العربية "الإناث"، لكن هناك ضعف المرض، ضعف الإعاقة، ضعف اقتصادي، ضعف اجتماعي، كل ألوان الضعف هي مطلقة، (ضِعَافًا) جاءت هكذا مطلقة لتشمل كل ألوان ودرجات الضعف. (فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ) هذا هو التأمين للمستقبل، (وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) فمن له ذرية لها شيء من الضعف ووجهه، فليستعن بالله في حفظ هذه الذرية، ونجاة هذه الذرية، بل ذلك إلى أحفاد الأحفاد. كان سيدنا سعيد بن المسيب يأتي بولده، ويكثر من الصلاة والدعاء ويقول: إنى أفعل يا ولدي ذلك رجاء أن أُحفَظ.

الخوف؛ (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) ما مضى، ما مضى أنت لا تحزن عليه لماذا؟ لأن الله يغفره، ويسترك. ربنا سبحانه وتعالى في العظمة القرآنية وهو يبين (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) لماذا؛ لأن الله يسترك، وستر ربنا نعمة، يستر ثم يعفو أي يُسقط العقوبة، يستر ثم يعفو ثم بعد ذلك يبدّل السيئات حسنات (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) يعني أنت مع ربك لا يسترك فقط بل يسترك ويعفو –أي يسقط العقوبة- وليس هذا فقط، بل يستر ويعفو بإسقاط العقوبة، ثم يبدّل السيئات حسنات بنصّ القرآن الكريم.

إذن هذا هو تحقيق هذه الدلالة العظيمة التي تبشرنا بها الآيات، (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى) هذا هو الملاذ الوحيد للنجاة للبشرية، اتباع أمر الله، الاستجابة لهذا الهدي. وعلمنا أن هدي الله سبحانه، وأن الهدى في القرآن حين يُسند إلى المخلوق فهو بمعنى الإرشاد، بمعنى الدليل، بمعنى البيان، وحين يُسند إلى الخالق فهو مع معنى البيان والإرشاد والدليل، معنى التوفيق والإعانة.

(فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) تأمين المستقبل، (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) إنما هو تأمين الماضي، وتبديل السيئات حسنات.

هذه الآيات بها كل هذا النعيم، وهذا الإحكام، وهذه الدلالات التي تبين لنا بهذه العظمة روعة البيان القرآني، وبديع لغة التنزيل. (وَإِذْ قُلْنَالِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) إبليس رافض، آبي، لكن رفضه وشره على نفسه، (أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ) وهذا قاده أن ينتقل من صفوف العابدين؛ من صفوف الملائكة إلى صفوف الكافرين، وهذا بيان للعلّة، بيان للسبب، وهذا من بديع لغة القرآن الكريم، أنه يكلمك بشيء، ويخاطبك بصورة مقنعة (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ). قال ربنا: (فَأَزَلَّهُمَاالشَّيْطَانُ) هذه هي الخلاصة، ولم يقل إبليس، لأن الشيطان هنا هو الذي يغري غيره بالفساد، ويطلق في كل موضع في القرآن على دور إبليس حين قام بالإغواء، وقام بالإغراء، فسمّاه القرآن شيطانًا هنا، وهذا من بيان إحكام الكلمة القرآنية في المناسبة بين الكلمة ومعناها.

 

(فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) والقرآن يقول: (فَأَزَلَّهُمَا) أي أبعدهما، ولم يقل: أبعدهما ليبين أنها سقطة، ليس إبعادًا عاديًا؛ إنما فيه حرمان. ثم يبين ربنا سبحانه وتعالى حكمته (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ). وعلمنا سر البيان في كلمة (حين) في القرآن على المستويات؛ بمعنى "يوم أو ليلة"، بمعنى "عامًا أو سنة" في حكم النخلة، بمعنى "إلى يوم القيامة" كما في هذه الآيات. ثم بينا أن ربنا سبحانه وتعالى يبين في هذه الآيات أن القرآن وحده هو الذي برّأ حواء من خطيئة إخراج آدم من الجنة، فالمخطئ هو الشيطان (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ). ثم بعد ذلك يبين ربنا أن الخلاص من الخطيئة ومن الذنب لا يحتاج دمًا، ولا يحتاج إلى هذه المشكلة العويصة التي يقول بها الآخرون، وإنما في التوبة: "تبنا إلى الله" (فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ). ثم يكون البيان من العلي الأعلى في أن النجاة في اتباع هدي الله (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) هذا هو أعلى أنواع التأمين، نحن نخاف من المستقبل، ونحزن على ما مضى، فإن اتبعنا هدي الله أمنّا على المستقبل، وأمّنا ما مضى. سبحان من هذا بيانه، وهذه آياته، وما يعقلها إلا العالمون (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) وطوبى لعبد استمع، فتدبر، فانتفع، وارتفع.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل