الفرق بين (إذ) و (إذا) في آية سورة المدثر (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ﴿٣٣﴾ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ﴿٣٤﴾)

الفرق بين (إذ) و (إذا) في آية سورة المدثر (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ﴿٣٣﴾ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ﴿٣٤﴾)


من برنامج التفسير المفصّل -د. محمد بن علي الشنقيطي
سورة المدّثر- 4
تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

(كَلَّا وَالْقَمَرِ ﴿٣٢﴾ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ﴿٣٣﴾ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ﴿٣٤﴾)

(كلا) كلمة ردع وزجر والقمر يقسم الله عز وجل به كما يقسم بما شاء من خلقه، لا يقسم الله بشيء إلا وفيه فوائد للإنسان، القمر من فوائده ضبط الزمن (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) وقال تعالى (والقمر قدرناه منازل) كل يوم له منزل وكل منزل له تاريخ.

الفرق بين (إذ) و (إذا) 

قال تعالى (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ) بالسكون وقال (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ) لما ذكر الصبح جاء بـ (إذا) التي تفيد التمدد ولما ذكر الليل جاء بـ (إذ) التي تفيد السكون. فإذ سكون وإذا حركة. وخاصية الليل السكون وخاصية النهار الحركة ولذلك الحركة في أول النهار بركة (اللهم بارك لأمتي في بكورها) فمن بكّر على طاعة الله يبارك له في عمله ولهذا كانت صلاة الصبح تبكير (من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله) وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المشي إلى صلاة الصبح والعشاء من أسباب النور يوم القيامة (بشّر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة). 

ذكر الليل قبل النهار لأن القمر آية الليل فلما أقسم بالقمر قدّم الليل لأنه آية الليل التي يظهر فيها. القمر يعكس ضوء الشمس 

(وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ) أليس إدبار الليل هو إقبال النهار؟ ولهذا ذكر الله عز وجل في سورة أخرى قسما يتعلق بالليل تتعلق بالطرفين (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ﴿١٧﴾ التكوير) عسعس الليل إذا أقبل وعسعس الليل إذا أدبر فلما كان الليل في إقباله ذكر لله وهي صلاة المغرب وفي إدباره ذكر لله وهي صلاة الصبح أقسم الله عز وجل بحالتيه حالة الإدبار التي هي سكون العباد وحالة الإدبار والتي هي حركة العباد. 

إدبار الليل هو بداية الصبح فلما قال (والقمر) ناسب ذكر الليل بعده (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ) ولما ذكر إدبار الليل ناسب أن يذكر بعده (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ) لأن إدبار الليل مؤذن بمجيء الصبح. 

(وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ﴿٣٣﴾ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ﴿٣٤﴾) يفهم من هذا أن من عكس ذلك، جعل حركته في الليل وسكونه في النهار لا يبارك في عمله ومن جعل سكونه في الليل وحركته في النهار بورك له في عمله (إن لك في النهار سبحا طويلا) حركة (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴿٧٩﴾ الإسراء) لأن الليل سكون وما بعد السكون بعثٌ (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ) يبعثك عند الفجر، وتحتمل أن يبعثك يوم القيامة وتحتمل أن يبعثك يوما بعد يوم مقاما محمودا فكل يوم من ايام النبي صلى الله عليه وسلم بعد كل ليلة من لياليه خير مما مضى حتى ختم له بأفضل أيامه وهو يوم لقائه ريه جلّ وعلا يوم (الرفيق الأعلى) انتقل من الملأ الأدنى إلى الملأ الأعلى وانتقل من الرفيق الأدنى إلى الرفيق الأعلى وانتقل من الدنيا إلى الآخرة (وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴿٤﴾ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴿٥﴾ الضحى) فكل يوم بعد يوم عطاء الله فيه لمحمد صلى الله عليه وسلم أكثر من عطائه في اليوم الذي قبله وهذا دأب الصالحين وحالهم فهم في كل يوم من أيامهم يكتسبون قربًا من الله تعالى (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴿١٩﴾ العلق) سجدتك لله في صلاة المغرب أقرب منها سجدتك في صلاة العشاء بعدها أقرب من ذلك سجدتك في صلاة الفجر بعد ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر عن ربه جلّ وعلا (مَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ) (صحيح البخاري). 

(وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ) قال (إذ) ولم يقل (إذا) في الليل أن غالبًا ما يكون الناس في الليل نائمون والنائم لا يعلم قدر الزمن الذي مرّ به فهو سكون ولذلك أصحاب الكهف عندما بعثهم الله وأيقظهم من نومتهم قال بعضهم لبعض (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ (19) الكهف) فالله عز وجل أجاب أنهم لبثوا في كهفهم (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ﴿٢٥﴾) وهم نائمون، رقود. بينما عبّر عن النهار بـ (إذا) لأن فيه حركة والنهار يمر على الإنسان وهو في عمله أو في دراسة أو تجارة ويعدّها عدًا أما الليل فلا يعدّه عدّا إلا الصلحون (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴿١٧﴾ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴿١٨﴾ الذاريات) متى يأتي الثلث الآخر من الليل فإذا بهم (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿١٦﴾ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ (السجدة)) أخفي في الليل الذي غطاهم وسجّاهم وأخفي في نفوسهم وأخفي في حياتهم وأخفي في نهارهم بعد ليلهم وأخفي في قبورهم وأخفي يوم القيامة بعد خروجهم من قبورهم وأخفي حتى في الجنة أخفى الله لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. قال أحد السلف (وجعلت قرة عيني في الصلاة) أن يجعل لأهل قيام الليل قرة أعين في الصلاة فإذا دخل أحدهم في الصلاة تمنى أحدهم لو أن الزمان كله ليته كان ليلا كله لا نهار فيه من لذة مناجاة الله جلّ وعلا (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) من قرة أعين بمناجاة الله، من قرة أعين ببادة الله، من قرة أعين بحلاوة القيام والركوع والسجود بين يدي الله (أرحنا بها يا بلال). ولذلك من أراد الخشوع وأسباب الخشوع فمتاح ذلك في قيام الليل (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴿٤٥﴾ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿٤٦﴾ البقرة).

رابط مشاهدة الحلقة

/>
والبرنامج يعرض أسبوعيا على قناة أهل القرآن مساء الثلاثاء الساعة 10 بتوقيت مكة ويعاد صباح الأربعاء الساعة 10
 


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل