روائع البيان القرآني - صفات المنافقين - ج1

سورة البقرة – الآيات 8-13

روائع البيان في أوصاف المنافقين – جـ 1

روائع البيان القرآني – د. محمد داوود

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

رابط المشاهدة

http://www.mohameddawood.com/video/view.aspx?ID=1402&Section=%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D9%86

عشنا في آيات سابقة مع حديث القرآن وآيات القرآن وهي تبين أوصاف المنافقين واليوم في هذه الحلقة بمشيئة الله نواصل هذه الرحلة مع آيات القرآن. قال تعالى (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ(14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ(15)).

يقول الله عز وجل في بيان حال المنافقين (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا) هم يعلنون أنهم مع أهل الإيمان أنهم مؤمنون (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) المقصود بالشياطين هم الكفار أي بشر ليسوا من الجن، من الإنس ليس إبليس، هم ناس، بشر، يقصد بهم الكافرين والمنافقين أمثالهم (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) وهذا من بلاغة لقرآن الكريم حيث أن كلمة شيطان تطلق على كل من أغوى غيره بالشر وأغرى غيره بالفساد يطلق عليه شيطان كان من الإنس أو كان من الجن قال الله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا (112) الأنعام) فالله عز وجل يؤكد هذا المعنى (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) شياطينهم هؤلاء هم الكافرون الذين هم من جنسهم لذلك قال (إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) كأنهم كتلة واحدة من نسيج واحد من طباع واحدة لكن لما تكلم عن أهل الإيمان قال (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا) لم يقل قومهم ولا إخوانهم، ولكن الذين آمنوا هم من جنس مختلف لكن هنا قال (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ) بالجملة الإسمية هذا تدبر عظيم يدركه الملهمون لمفتوح لهم وعليهم كيف؟ قالوا مع شياطينهم بهذه النسبة التي تبين أنهم كتلة واحدة من نسيج واحد وطباع واحدة، (قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ) بالجملة الإسمية التي تفيد الثبات والدوام والاستمرار يعني تبين أن هذا هو أصلهم الذي ينتمون إليه، أما لما عبروا عن أهل الإيمان (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا) بالفعل لأن الإيمان عندهم عارض الفعل حدث في زمن لكن الإسم مستمر لا يرتبط بزمن له الديمومة،  فلما كانوا مع أهل الإيمان (قَالُوا آَمَنَّا) لأن إيمانهم عارض ليس أصلاً ومنقطع ووقتي ولكن انظر (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) هؤلاء هم أهلهم إنهم كتلة واحدة ونسيج واحد وطباع واحدة متقاربة متجانسة فقال (شياطينهم) ثم يعبرون بالجملة الإسمية ليس بالفعلية كما كانوا مع أهل الإيمان قالوا (قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ) بالجملة الاسمية ليفيد أن هذا هو الأصل لهم الذي له الإستمرار والديمومة ومسألة إعلان الإيمان عارضة وقتية حال لقائهم أهل الإيمان.

(قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ) ثم مزيد من البيان القرآني ليفضح أمرهم فيقول (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) نحن نستهزئ بهؤلاء ليس إعلان الإيمان إعلاناً حقيقياً وإنما هو من قبيل الإستهزاء والسخرية، فيقول الله عز وجل مبيناً للحقيقة وهذا من المشاكلة أيضاً (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) يعني الجزاء من جنس العمل يعني عقوبة الله لهم سماها ربنا استهزاء حتى تكون من جنس فعلهم من جنس إساءتهم ليشربوا من الكأس الذي هو معهم ويريدون أن يسقوا غيرهم من كأس المرارة والاستهزاء فيجعل الله عز وجل عقوبتهم من نفس الكأس فيأتي في المشاكلة بنفس اللفظ فيقول (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ(14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) الله جعل عقوبتهم سماها استهزاء (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) يمهم في حبل الطغيان هذا حتى يزدادوا من العذاب لأنهم هم الذين بدأوا واختاروا (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ) الطغيان مجاوزة الحد في كل شيء وهنا مجاوزة الحد في النفاق والإساءة والخداع والاستهزاء وكل ما صدر منهم، (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ) في غيهم هذا في مجاوزة الحد في كل هذه السوءات (فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) في لغة القرآن يفرق بين العمى والعمه، العمى عمى البصر أن العين لا ترى لكن العمه (يعمهون) معناه التردد والتحير فهو عمى البصيرة لا عمى البصر معناه التردد والتحير. فإن كان العمى يطلق على ذهاب نور العين والخطأ، فإن العمه لا يطلق إلا على الخطأ في الرأي وعمى البصيرة فربنا سبحانه وتعالى يبين أنهم يعانون من لون خطير من العمة وهو عمى البصيرة الخطأ في الرأي والتردد والتحير (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) لا يبصرون بعقلوهم ولا يهتدون بعقولهم إلى هذا الحق وهذا السبيل الذي يبينه الله سبحانه وتعالى ولا إلى دعوة الأنبياء وهذا من البيان القرآني.

وهنا أيضًا شيء ينبغي أن نتنبه إليه في هذه الآيات والآيات السابقة وهي استخدام (ألا إنهم) حرف يفتتح به الكلام للتنبيه لإيقاظ العقل لأن الحكم الذي يأتي بعدها إنما هو متحقق لا محالة (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ) حكم أنهم هم السفهاء وقع وتحقق في شأنهم وفي عقلهم وفي حالهم، فهذا للتنبيه وإيقاظ العقل والتحذير في أن الحكم الذي بعدها محقق في هذا السياق.

ثم يبين الله عز وجل الحكم على هؤلاء، هناك في شأن المتقين والمؤمنين الصادقين في أول سورة البقرة أنظر إلى التناظر وهذا من بلاغة القرآن الكريم، كان الحكم على المتقين (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(5))، هؤلاء المنافقون بعد أن بين الله أوصافهم وأفعالهم فالحكم عليهم يقول ربنا (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) أولئك وهناك أيضًا أولئك، (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ) في المتقين وفي المنافقين(أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى) الباء تدخل على المتروك فهل يمكن أن يشتري الإنسان الضلالة بالهدى؟ وقال (اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ) الضلالة المفرد هذا بالهدى بهذا المصدر، وقعوا في خسارة ليس بعدها خسارة لكن القرآن يبين بقوله ( فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) ولم يقل خسروا لأن المقصود عند الشراء هو الربح والقرآن يريد أن يبين خيبة المسعي لهؤلاء بعدم تحقق المقصود فكيف يبين ذلك؟ فقال ( فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) ينفي عنهم الربح (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) وينفي عنهم أنهم ما كانوا على هداية وأنهم لا يمكن أبداً أن يصلوا إلى سبيل للخروج من ذلك الشر الذي وقعوا فيه.

 

ثم يبين بنا سبحانه وتعالى بمثل هذا المثل يريد أن يبين به ربنا سبحانه وتعالى حال هؤلاء يقرب المعنى في (فما ربحت تجارتهم) في أنهم اشتروا الضلالة بالهدى يقول (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ). 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل