مفهوم العبادة

مفهوم العبادة
من محاضرة للشيخ محمد قطب رحمه الله تعالى بعنوان: 
دور المربين في بناء الأمة.
(تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا)

ما المطلوب؟ لا بد أن نحدد هدفًأ إذا أردنا أن نربي أو نعلم فلا بد أن يكون هناك هدف واضح، إذا يتضح الهدف فلن تتضح الخطى الموصلة إلى هذا الهدف. فما الهدف؟ الهدف هو بعث الحياة من جديد في هذه الأمة، لقد غفلت هذه الأمة قرنًا أو قرنين أو قل ثلاثة أو قل ما شئت من الزمن! غفلت عن مقتضيات دينها وتغيرت مفاهيم الدين في حسّها بدءًا من "لا إله إلا الله" ومرورًا بكل المفاهيم الأساسية في هذا الدين. ولنقل كلمة عابرة عن مفهوم العبادة كيف كان في الأجيال الأولى وكيف صار في الأجيال المتأخرة؟ أما في الأجيال المتأخرة فقد انحسرت العبادة إلى الشعائر التعبدية ثم عادت فانحسرت فصارت أداء آليًا للشعائر التعبدية وما كانت هكذا في حسّ الأجيال الأولى إنما كانت شاملة لكل نشاط الإنسان لأن الله قال (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) الأنعام) فكل نشاط الإنسان في حياته بل موته أيضًا عمل يقدّم لله سبحانه وتعالى وهو عبادة. كيف يكون الموت عبادة؟ هل يختار أحد موته؟! لا أحد يختار زمان موته لكن الله تعالى قال (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (132) البقرة) وعندئذ يكون الموت لله في حدّه الأدنى أما حده الأعلى فهو أن ينذر الإنسان نفسه لله تعالى فيموت شهيدا فيكون قد مات لله سبحانه وتعالى.

العبادة في حسّ الأولين كانت شاملة لكل نشاط الإنسان فكانت الصلوات عبادة والشعائر كلها عبادة وطلب العلم عبادة والعبارة في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم تستوقف النظر لم يقل طلب العلم واجب وإنما قال (طلب العلم فريضة) الفريضة شيء يؤديه الإنسان تعبدا لله وهكذا العلم فريضة بمعنى شيء يتقرب به العبد إلى مولاه فالعلم عبادة، التاجر في تجارته عابد، المعلم في تعليمه عابد، كل إنسان عابد. كف يكون التاجر عابدا؟ لا يغش، لا يخدع، لا يرابي، لا يدلّس على الناس، يتبغي وجه الله ، يلتزم بما أنزل الله فتكون تجارته عبادة، والزارع يكون زرعه عبادة والطالب في مدرسته أو جامعته يكون طلبه للعلم عبادة والأستاذ الذي يدرّس له يكون في عبادة وهكذا. انحسر مفهوم العبادة في الأجيال المتأخرة وكل شيء في حياة المسلمين أصابه هذا الإنحسار فأصبح كأنه بعيد الصلة عما أُنزل من عند الله وأصبحت هذه الأمة وكأنها أمة أخرى ولا عجب أن ينطبق عليها حينئذ ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم (يوشك الأممُ أن تتداعى عليكم، كما تتداعى الآكلةُ إلى قصعتِها، فقال قائلٌ: ومن قلةٍ بنا نحن يومئذٍ؟! قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيلِ) ما كانت الأجيال الأولى غثاء، إنما كانت بنيانًا راسخًا، كانت قدوة، كانت هي أمة العلم في الأرض، أمة الحضارة في الأرض، أمة الأخلاق في الأرض، أمة السياسة، أمة الاقتصاد، أمة كل شيء كانت هذه الأمة فصارت غثاء كغثاء السيل حين نسيت كتباها، حين نسيت أن مقتضيات لا إله إلا الله تشمل الحياة كلها، حين نسيت أن الدنيا لا تفترق عن الآخرة وأنه لا عمل من الأعمال يمكن أن يكون دنيويًا بحتًا فيفعل الناس فيه ما يشاؤون فيه غير ملتزمين بما جاء من عند الله وعلم آخر للآخرة يبتغى به وجه الله ويلتمون فيه بما جاء من عند الله.

الآن والصحوة المبشّرة بالخير قائمة في حياتنا تحتاج الصحوة إلى أن تربي جيلًا جديدًا على مقتضيات لا إله إلا الله، جيلًا يفهم دينه فهمًا صائبًا ويطبق مقتضياته في عالم الواقع، فكيف يتربى هذا الجيل؟

بالموعظة؟! الموعظة مفيدة ولا غنى عنها ولكني أزعم أن الموعظة وحدها لا تصنع شيئًا! وانظروا إلى خطبة الجمعة ولنكن صرحاء مع أنفسنا لو حسبنا من المحيط إلى المحيط كم طنًّا من خطب الجمعة تُلقى كل جمعة؟! هل غيّرت شيئًا من واقع المسلمين؟ لا! أتخيل – وأنا أحيانًأ أجسّم خيالاتي-أن السبب في ذلك أن الإمام الخطيب يأتي من بيته هكذا ويأتي الصلون من بيوتهم هكذا فيستمعون إلى الموعظة وقد يتأثرون بها تأثرا شديدا ثم يعود الإمام إلى بيته ويعود المصلون إلى بيوتهم، على باب المسجد يتطاير نصف أثر الموعظة، فإذا خطا الإنسان إلى الشارع طار النصف الباقي وعاد كلٌ لما هو متعودًا أن يفعله!! ما العمل إذن؟ كيف يتغير هذا الوضع؟ دعونا نتصور أن الإمام لم يعد إلى بيته في لححظة الانتهاء من خطبته وتريث قليلًا في المسجد وبعض المصلين تريث قليلا فلم ينصرف وجاء إليهم إمام المسجد فأخذ يحدثهم في دين الله حديثًا صادقًا لا درسًا يتلى لمجرد أداء درس، حديثًا من القلب: كيف حالك يا أخي؟ ما مشاكلك؟ كيف أولادك؟ ماذا يتعلمون؟ ماذا تجد منهم في الدراسة؟ هل يضايقون في عاداتهم من شيء؟ كيف تصنع معهم حين يبدر منهم ما لا يسرّك؟ مدخل من المداخل يربط قلوب هذه المجموعة، تحس أنها تعيش عالمًا آخر وروابط أخرى وصلة لم تكن قائمة من قبل ويتكاتفون على تعلم الدين وتطبيقه في حياتهم وكل مرة يزداد صلة بهم ويزدادون التصاقًا به وتعلمًا منه وتطبيقًا منه لما يسمعون منه في الموعظة هل تكون النتيجة واحدة كما كانت لما يأتي ويذهب هكذا ويأتون ويذهبون هكذا؟!! تحتلف النتيجة، هذه خطوة من خطوات التربية.
--------------------------------
جزى الله خيرًا الأخ الدكتور محمد الوحيدي على نشر هذا المقطع الذي لا أملك أن أقول بعد الاستماع إليه إلا ما جاء في حديث رسولنا صلى الله عليه وسلم:

إنَّ اللهَ لا يقبِضُ العِلمَ انتزاعًا ينتزِعُه من النَّاسِ . ولكن يقبِضُ العِلمَ بقبضِ العلماءِ . حتَّى إذا لم يَترُكْ عالمًا ، اتَّخذ النَّاسُ رؤوسًا جُهَّالًا ، فسُئِلوا فأفتَوْا بغيرِ علمٍ . فضلُّوا وأضلُّوا
الراوي: عبدالله بن عمرو المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2673 - خلاصة حكم المحدث: صحيح

اللهم اغفر لأستاذنا الشيخ محمد قطب وارحمه وأكرم نزله ووسع مدخله وتقبله القبول الحسن وعامله بالفضل لا بالعدل وبالإحسان لا بالميزان وعوضنا اللهم خيرا واغفر لموتانا وموتى المسلمين جميعًا
-----------------------
رابط المشاهدة:


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل