تطبيق برنامج تدبر القرآن الأسبوعي لسورة الكهف - الأسبوع الرابع عشر

#تدبر_سورة_الكهف

تطبيق برنامج تدبر القرآن الأسبوعي لسورة الكهف
تأملات الأسبوع 14
إعداد صفحة إسلاميات

• اختيار كلمة (زلقا) في الآية (فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ﴿٤٠﴾) مناسبة لما سبق في الآية (وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ) فمن معاني حسبانا كما ورد عن ابن كثير: (والظاهر أنه مطر عظيم مزعج يقلع زرعها وأشجارها ولهذا قال " فتصبح صعيداً زلقًا " أي بلقعًا ترابًا أملس لا يثبت فيه قدم) بحيث تصبح أرضها زلقة والله أعلم. وأصل الإحياء في الجنة (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ﴿٣٣﴾) أو الإماتة هو الماء (وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ﴿٤٠﴾ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ﴿٤١﴾ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) فناسب بعدها أن يُضرب المثل بالماء (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴿٤٥﴾). 
وفي معاجم اللغة: معنى كلمة زَلَقًا في القرآن الكريم
(صَعِيدًا زَلَقًا ﴿٤٠ الكهف﴾) ترابا أملساً لا ينبت عشباً ولا تثبت فيه قدم
(فتُصبح صعيدا زلقا ﴿٤٠ الكهف﴾) رمْلا هائلا أو أرضا جُرُزا لا نبات فيها يُزلق عليها لِملاسَتِها
(زلقا ﴿٤٠ الكهف﴾) زلقا: لا يثبت فيها قدم؛ زللاً. والزلق: أرض ملساء ليس بها شيء.
زلق الزلق والزلل متقاربان، قال: ﴿صعيدا زلقا﴾ [الكهف/40]، أي: دحضًا لا نبات فيه، نحو قوله: ﴿فتركه صلدا﴾ [البقرة/264]، والمزلق: المكان الدحض. قال: ﴿ليزلقونك بأبصارهم﴾ [القلم/51

• تكرر أفعال الرؤية في السورة (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ) (وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً) (فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ) (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ) (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ) (قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ) والرؤية والله أعلم تتناسب مع سياق السورة المبني على العلم فالعلم عن بصر وبصيرة علم ثابت يقيني لا يقبل الشك.

• النسيان نتيجة قلة الصبر (قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ) جاءت بعد (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿٧٢﴾) وبالصبر والمجاهدة يحصل التذكّر والذكرى.

• قال الله تعالى (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ) ثم قال (اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا) فلم تكرر لفظ (أهل) ولم ترد مثلًا: حتى إذا أتيا أهل قرية استطعموهم؟ يجيب د. حسام النعيمي في برنامج لمسات بيانية على هذا التساؤل فيقول: قال (استطعما أهلها) حتى يكرر ذكر الأهل تشنيعاً بهم. وينفِّر من ثقل توالي الضمائر في هذه الكلمة التي تطول لو قال (استطعماهم). 

• ذكر د. حسام النعيمي في الآية (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)) موضحًأ بعض اللمسات البيانية فيها: 

- كلمة يتيمين تدل على صِغر الغلامين لأنه لا يُتم بعد بلوغ. معناه أنهما كانا صغيرين. في قوله تعالى (في المدينة) بعض المفسرين يقول يمكن أن تسمى القرية مدينة ويردون على هذا شواهد، لكن يمكن أن تكون الألف واللام هنا للعهد يعني كأنما لمدينة مررنا بها. فإذن هما كأنهما تركا هذا البيت كأنما البيت مهجور فهما ليسا في القرية وإنما في المدينة، يمكن أن يكونا عند من يربّيهما ثم يعودان بعد ذلك إلى هذه الخرِبة المتروكة التي يريد أحد جدرانها أن ينقضّ فأقامه. يمكن أن يكون هذا لم تسمى القرية مدينة ولكن في مدينة مرّا بها في رحلتهما قريبة من القرية. الكلام ينصب على أهل القرية وعلى البيت لليتيمين في القرية. أما اليتيمان فلم يكونا في البيت وإنما لغلامين يتيمين في المدينة التي مررنا بها في مكان آخر كأن هناك من يرعاهما في تلك المدينة في مكان آخر. وليس هناك من يرعى هذا الجدار فيقيمه. لو كان تحت رعاية لكان يمكن أن يقام هذا الجدار، فكأنما هجرا هذا المنزل والمنزل صار خرِباً بحيث أحد جدرانه يريد أن ينقضّ، يمكن أن يكون عمهما، خالهما، أحد المحسنين أخذهما إلى المدينة وقد يكون فعلاً هي هذه القرية وهما في هذا البيت الخرِب.

- (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا): الجدار قطعاً هو في القرية ونحن علمنا أن أهل هذه القرية بخلاء، ما عندهم نوع من الكرم ويبدو أنه لم يكن لديهم نوع من الرعاية للأيتام لأنه الذي لا يُكرِم ضيفاً لا يعتني بيتيم أيضاً لأنه سيُخرِج مالاً لليتيم أو طعاماً، هذا الذي يجعلني أميل أن اليتيمان كانا في مدينة قريبة ثم ما من أحد من هؤلاء في القرية فكّر في أن يقيم جدار هذين اليتيمين. ويبدو أنها قرية معروفة فيما بينهم بالبخل لعل هذه مؤشرات لبخل هذه القرية سواء القرية اسمها المدينة وكان الغلامان فيها أو كان غير ذلك فالمهم أنه لم يتطوع أحد لإقامة هذا الجدار ولم يفكر إذا كانا مقيمان فيه أنه قد يسقط على اليتيمين. فهي طبيعة في أهل تلك القرية. والقرآن لم يسمّها لنا وإنما قال (أهل قرية) هي قرية ما أراد أن يسميها ولا أن يذكر لنا ما هي. ونحن منهجنا أنه ما سكت عنه القرآن لا معنى للتنقيب عنه، ما هذه القرية. وهل أحفادهم موجودون إلى الآن وهل ما زالوا على بخلهم؟ قد تكون القرية في الصحراء وما عندنا دليل على مكانها على وجه الدقة والتعيين. أما ما ورد في غير القرآن الكريم وفي غير ما صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن غير ملزمين به أو غير ملزمين بالأخذ به لأنه كان هناك ولعٌ في تسمية الأشياء: القاصّ لما كان يقص في البصرة لما وصل إلى: فأكله الذئب فقال وكان الذئب اسمه كذا، كل شيء يسميه، فقالوا له لا يوجد ذئب أكل يوسف فقال هذا اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف. كل الذئاب لم تأكل يوسف! فكان هناك نوع من الولع والأسئلة: ما اسم كذا؟ ما اسم اليتيمين؟ وفي بعض كتب التفسير ذكرٌ لاسميهما إتكاء على ما تورده بعض الروايات القديمة ممن سبقنا، ممن سبق الإسلام ونحن غير ملزمين بتلك الأقوال. ولو كان هناك ثمرة أو فائدة من ذكر اسم القرية ومن ذكر اسم الغلامين كان ذكرها القرآن الكريم . فما دام سكت عنها القرآن وسكت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا فائدة من الاسماء لأن المهم العِبرة أن هذه القرية قرية بخلاء، قرية أناس لا يعتنون بالضيف، لا يقرون ضيفاً وهذا عند العرب شيء عظيم حتى في الإسلام بعد ذلك جعل إقراء الضيف واجباً كما ورد في الحديث: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرِم ضيفه". والإكرام ليس فقط الأحكام وإنما حتى البِشْر من أخلاق عرب الجاهلية يقول عروة بن الورد يقول عن ضيفه:
أحادثه إن الحديث من القِرى وتعلم نفسي أنه سوف يهجع
يعلم أنه سينام ومع هذا يحادثه لأن الحديث من القِرى والكلام مع الضيف جزء من الأحكام. (انتهى كلام د. حسام النعيمي)

•المتأمل في السورة يجد أن قصصها بُنيت على عدم ذكر أسماء أبطالها فلم يرد في السورة ذكر لأسماء الفتية ولا ذكر لاسم صاحب الجنتين ولا اسم صاحبه ولا اسم فتى موسى عليه السلام ولا اسم العبد الصالح ولا اسم الغلام الذي قتله العبد الصالح ولا ذكر اسم القرية التي أقام فيه الجدار لليتيمين ونخلص من هذا الإبهام للأسماء أن العبرة بالقصة وأهدافها والعبَر منها لا بالأسماء فهذه القصة قد تحصل في كل زمان ومكان فتؤخذ العبر مما جاء في قصص السورة لتطبيقها على ما يشابهها في حياتنا في كل عصر ومصر، وهذه هي عالمية القرآن بآياته وقصصه وأحكامه صالحة مصلحة لكل زمان ومكان. وما على المتأمل في آيات القرآن إلا استنباط هذه العبر وتطبيقها حتى يعمل بالقرآن ولا تكون قرآءته مجرد تلاوة لا تجاوز الحناجر! ونتعلم من عدم ذكر القرآن لبعض المسائل أن نلتزم بما سكت عنه القرآن ولا نكثر من الأسئلة التي لا طائل من ورائها فلو أن فيها نفعًا لذكرها القرآن الكريم فقد ورد فيه تفصيل لبعض القصص كقصة يوسف عليه السلام وقصة موسى عليه السلام مع فرعون وقومه وبلاغة القرآن في إيجازه لا تقل عن بلاغته في تفصيله فسبحان من هذا كلامه وهذا بيانه!

• بين قصص سورة الكهف روابط عديدة منها مسألة البناء فقد تكررت في قصة الفتية (فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴿٢١﴾) وفي قصة موسى مع العبد الصالح عند إقامة السد (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ) وفي قصة ذي القرنين في بناء السد (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ﴿٩٤﴾ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ﴿٩٥﴾). والمتأمل في هذه المسألة يجد أن البناء نوعان: بناء إصلاح وبناء إفساد وشتان بين البناءين! فبناء المسجد على القبر في قصة الفتية بناء فساد لأنه ورد النهي عن بناء المساجد على القبور في شرعنا الحنيف ومهما كان القصد طيبًا فلا يجوز البناء على القبور لما فيها من فساد وإفساد في العقيدة يُخشى أن يكون فيها شرك. أما بناء الإصلاح ففي بناء الجدار للغلامين اليتمين وبناء السد الذي يدفع المخاطر عن القوم. فلنتأمل: العمل هو نفسه، بناء وبناء ولكن قد يكون صالحًا وقد يكون فاسدًا مفسدًا لذا وجب علينا أن نتأمل في عاقبة أعمالنا ونعلم حقيقتها حتى تكون أعمالنا على علم فلا نكون من الأخسرين أعمالًا الذي ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. وشرطا الأعمال الصالحة أن تكون خالصة لوجه الله تعالى وأن تكون على منهج الله سبحانه وتعالى وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم وإلا فتركها أولى. والعلم والعمل مقترنان في سورة الكهف ففيها الحثّ على العلم وفيها الحث على الحركة والسعي والعمل وإنما بمقتضى العلم به لا العمل من غير فائدة أو العمل الفاسد في أصله المفسد لغيره. قوم الفتية بنوا المسجد على قبورهم حبًا لهم وتكريمًا لهم على ما فعلوه وهم يحسبون بذلك أنهم يحسنون صنعًا وهكذا بدأ قوم نوح ومن قبلهم تعظيمهم للصالحين من قومهم حتى وصلوا بذلك للشرك بالله والكفر الصريح الذي جعلهم يرفضون دعوة نوح عليه السلام 950 سنة ما آمن معه إلا قليل! فكم من أعمالنا التي عملناها في حياتنا نحسبها حسنة وهي عند الله تعالى غير ذلك؟!!!

------------------------------------

ومن تأملات الأخت الفاضلة رجاء خالد:

تأملات سورة الكهف للأسبوع الرابع عشر 

·         (قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا)

لم يحدد البأس الشديد لمن!! فكأن الله سبحانه وتعالى أنزل الكتاب من لدنه لينذر به جميع خلقه، فهو إنذار عام يشمل كل مخلوق مسؤول مكلّف عاقل، وكأن الخطاب هنا للإنس والجن معًا ثم بعد ذلك يأتي التبشير لطائفة من خلقه التي ستتبع هذا الكتاب وهم المؤمنون من العالمين، ثم يحدد أكثر فأكثر لتضيق الدائرة أكثر فيخصص الأجر الحسن للمؤمنين الذين يعملون الصالحات وزاد عليه أنهم "مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا"سيمكثون فيه أبدا.

·         (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ) وهنا يتبين أن التأكيد على أن يكون الطعام زاكياً حلالاً ولم يؤكد على نوعيته أو كميته فهذا على حسب الإستطاعة المادية والقدرة الإستعابية لجسم كل إنسان، فالقليل من الطعام الحلال كافٍ لقوام الحياة لا أكثر!

·         (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) فهو أمر اختياري ترك الله لنا فيه المشيئة الفردية بعدما أعطانا عقلا نميز به وبعدما وافقنا على حمل الأمانة (وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) وبعدما بيّن لنا أن الحق واحد وهو ما نتلقاه من الله تعالى في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا حق آخر سواه ولنا أن نختار إما أن نؤمن ونفوز بالجنة ونعيمها وإما أن نكفر والعياذ بالله ويكون مصيرنا جهنم أجارنا الله منها وأجار كل عباده الصالحين لكن لا نلومنّ إلا أنفسنا إن اخترنا الكفر والعياذ بالله! .

(وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا) هنا الغني يحاور حوار المتكبر المتغطرس المترفّع المفتخر بماله وجنته ونفره وقوته وملكه، الحوار الذي يُعلي به من شأن نفسه ويستهزء بالآخر ويُطيح به، ولا يحب ربي هذا الحوار ولا يزكيه ولا يرضى عن صاحبه، وأما الحوار من الطرف الآخر (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا) فهو حوار المتواضع الفقير إلى الله والغَنِيِّ بحب مولاه الراضي بحكمه وبقضائه وقدره، الذي ملأ الإيمان قلبه وجوارحه ولم يبق للدنيا مكان في نفسه، الحوار الذي يتضمن النصيحة والتوجيه إلى الخير، الخالي من كل حقد وحسد وبغض وغيرة والمليء بكل حب وهذا هو الحوار الذي يحبه ربي ويقدره ويرفع المتخلق به أعلى عليين ويسكنه جنته جنة النعيم. فلنتعلم من هذه السورة المباركة الحوار الذي يحبه ربي ولنبتعد كل البعد من الحوار الذي يمقته الله وعباده المؤمنين.

(وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ۚ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ۖ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا) تعلمنا هذه الآيات أسلوب الدعوة إلى الله تعالى وإلى منهجه عبر أسلوب التبشير والإنذار، الأصل في الدعوة أن الرسل تأتي بالبشارة قبل النذارة إلا إذا استدعى الأمر وحال القوم المرسل لهم غير ذلك لأن في التبشير استعطاف للقلوب ورحمة بالمدعويين ورأفة بهم وشفقة عليهم فإن أبوا وصدوا عن دعوة الله وحاربوا المرسلين تأتي النذارة لمن يستحق الوعيد والإنذار لعلها تحرك قلوبهم الصماء المغلقة المغلّفة بالكفر والجحود والنكران والكبر. التبشير يسبق الإنذار في بداية الدعوة والتبشير يفتح مداخل النفس ويفتح أبواب العقل ونوافذ القلب قتصبح الجوارح كلها مستعدة لاستقبال النصيحة واتباع المنهج والإستجابة للأوامر الربانية وكلها رجاء وأمل في كرم الخالق وجوده، وإذا كان هناك تفريط نلجأ إلى الإنذار حتى يعلم هذا المتلقي أن الخير كل الخير في اتباع طريق الله  وأن العقوبة لا ينالها ولا يستحقها إلا من مال عن طريق مولاه وسعى بنفسه إلى الهلاك.

 

(وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) سؤال وجيه سأله الرجل الصالح لسيدنا موسى، فكل البشر الذين عاشوا والذين يعيشون الآن ومن سيأتي بعدهم لا أحد يحيط بعلم الله وبالخبر اليقين لما يجري في ملكه، فإذا طرحنا هذا السؤال على أنفسنا كيف نصبر على ما يحيط بنا من أهوال الدنيا ومصائبها ؟؟؟؟ والله هو جواب واحد لا ثانيَ معه ولا نقاش فيه وهو أنه بالإيمان الكامل والصادق بالله عز وجل واليقين والتسليم لحكمة الخالق في ملكه وملكوته نكتسب هذا الصبر. فكل ما يفعله الله يتضمن الخير كله مهما بدى لنا غير ذلك وإنما واجبنا في هذه الحياة هو التحلي بالصبر الجميل والتمسك به وانتظار الفرج الكبير وهو الإنتقال إلى دار الجزاء إلى جنة إن شاء الله عرضها السماوات والأرض، الإنتقال إلى الحياة الأبدية والحقيقية والتي يجب على كل مسلم أن يسعى لها حق سعيها ولا يعبأ بكل ما يحصل له في هذه الدنيا الفانية.




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل