روائع البيان في السبع المثاني - الفنون البلاغية في (إياك نعبد وإياك نستعين)

 روائع البيان في السبع المثاني - د. محمد داوود

أسرار فاتحة الكتاب – الفنون البلاغية في (إياك نعبد وإياك نستعين)
تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

وقفنا عند قوله تعالى (الرحمن الرحيم) وكيف أن الله عز وجل حين يؤكد صفة الرحمة أكدها على وزنين مختلفين: الرحمن على وزن فعلان الذي يفيد عظمة الصفة وقوة الصفة وعلى وزن فعيل الرحيم الذي يفيد ديمومة الصفة ودوام الصفة، الرحمن عظيم الرحمن الرحيم دائم الرحمة.

(مالك يوم الدين) وفي قرآءة (ملك يوم الدين) مالك وملك بينهما فرق دقيق، المالك هو صاحب أو هو ذو المِلك له مِلك والملك ذو المُلك له مُلْك كبير وواسع وملِك أمدح من مالك لأن المالك قد يكون غير ملِك لكن لا يكون الملِك إلا مالكًا، كل ملِك لا بد أن يكون مالكًا وله مُلك لكن ليس كل مالك ملِك إذن ملِك أبلغ من مالك من الوجه البياني واللغوي. وجمع الملك لنعرف الفرق الدقيق الملِك جمعها ملوك وأملاك أما جمع مالك ملّاك ومالكون. الفرق كبير لذلك من قواعد رسم المصحف أن الإشارة التي تكون حين يُحذف حرف من الحركات الطويلة حروف العلّة الألف، الواو، الياء، ويشار إليها بحرف صغير ليأتي احتمال حذفها واحتمال قرآءتها في القرآءات القرآنية، فالألف الصغيرة في (ملك) إنما تشير إلى القرآءة القرآنية التي فيها الألف لنجمع في القرآءات القرآنية بين الوجهين. 

(مالك يوم الدين) الدين يوم الطاعة والجزاء. الله عز وجل يريد بهذا البيان وهذا الإحكام أن يبين لنا أنه هو وحده هو مالك يوم الدين وهو الملك يوم الدين بمعنى زوال المالكين والأملاك عن سواه فلا مُلك إلا لله (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار) ليس لأحد مُلك وليس لأحد مِلك، زال ذلك عن كل الخلائق، كل الملك وكل المِلك لله وحده ومن هنا يتبين أن ما يتعالى به البشر يُسألون عنه في يوم الجزاء، الله وحده الذي جُمع له هذا السلطان فلا يعطي أحدًا من السلطان إلا الشفاعة لمن يأذن له.

ثم يبين ربنا سبحانه وتعالى بعد أن بين هذه الصفات التي مهّد بها فقال (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين مالك يوم الدين) فهو الرحمن الرحيم وهو الله وهو رب العالمين وهو مالك يوم الدين، بعد أن بيّن هذه الصفات بيّن أن الذي يتصف بهذه الصفات هو الذي ينبغي أن نتوجه إليه بالعبادة وأن نلجأ إليه في الاستعاذة فقال على نحو بديع بليغ (إياك نعبد وإياك نستعين) جمعت من فنون البيان فن التقديم وفن الالتفات ولطيفة في نون الجمع في نعبد ونستعين.

الفنون البلاغية التي جاءت في قول الله عز وجل (إياك نعبد وإياك نستعين):

- فن التقديم: قال إياك نعبد وإياك نستعين ولم يقل نعبد إياك ولم يقل نستعين إياك. فن التقديم للاختصاص فقدّم الأشرف والأولى والأهم والذي هو مراد وهو العبادة (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) إذن قدّم الغاية على الوسيلة وقدّم الأهم والأشرف والأفضل وهو العبادة.

- فن الالتفات: أيضًا يستفاد من ذلك فن الالتفات لأن حين تنظر إلى (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين) كان كل ذلك بضمير الغيبة لكن هنا (إياك) كاف الخطاب انتقل للفظ الخطاب ليشعرك بوجوده (وجود كاف الخطاب في إياك) يؤدي إلى تشويق الذهن وتنشيطه، كان يمشي على نمط ثم حوّله، أنت لو سرت في طريق ليس فيه انحناء لا يمينًا أو يسارا قد تنعس ويصيبك الخمول أما لو كان هناك انحناءات في الطريق يدعوك إلى التيقظ والإفاقة وللفت الانتباه وإيقاظ الذهن أمام كل تغير حتى تهيئ الذهن لهذا التغير وهذا ما يسمى في القرآن الكريم بفن الالتفات الغرض منه إيقاظ العقل، تنشيط الذهن، لفت الانتباه إلى أهمية مقصود العبادة (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) لبيان أهمية وشرف العبادة لله تعالى قدمها (إياك نعبد وإياك نستعين).

- ثم نأتي إلى لطيفة بيانية هنا وهي تتمثل في نون الجمع في (نعبد ونستعين) مع أن المتكلم واحد، أنا أصلي وأنت تصلي بمفردك لا تقول أنا أعبدك بل تقول إياك نعبد وأنت فرد واحد، قال أهل البيان لأن فيه دلالة على أن عبادة الفرد قد يعتريها نقص يجعلها معيبة وهذا العيب يجعلها تردّ ولا تقبل فيخشى عليها أن لا تقبل فعلمنا أن نضمّ عبادة الفرض إلى عبادة جميع العابدين من المؤمنين فيقول (إياك نعبد) راجيًا قبول عبادته التي هي عبادة الفرض في ضمها مع العابدين لأن الجميع لا يرد البتة عند الله تعالى. إذ رد المعيب وقبول السليم فقط لا يليق بكرمه سبحانه وتعالى ولا بواسع فضله وفي الحديث الصحيح قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما نقله عن رب العزة في شأن من جلس مع الذاكرين والعابدين دون أن يقصد الذكر أو يقصد العبادة أو يكون على هديهم فيعبر ربنا بقوله في شمول المغفرة له مع الجميع: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم، وكذلك في الدعاء نجد نون الجمع (اهدنا) مع أن المتكلم فرد. 

ربنا علمنا في الصلاة وفي الحج وفي صيام رمضان وفي كل العبادات وفي الدعاء هنا أن نعمل معًا وندعو معًا ونعبد معا فيما يعبر عنه بروح الجماعة وروح الفريق في الحياة المعاصرة ويعبر عنه القرآن هنا بنون الجمع (إياك نعبد وإياك نستعين) وفي نون الجمع في قوله تعالى (اهدنا الصراط )

وصيغة المضارع في نعبد ونستعين تشعر بدوام العبادة ودوام الاستعانة وعدم الانقطاع والإهمال أو الفتور عن الله عز وجل 

- (إياك نعبد وإياك نستعين) بها لطيفة دلالية أخرى وهي أن العبد لن يحصل العبادة الحقة إلا بتوفيق الله ومعونة الله وفضله قال تعالى (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدًأ ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم) (وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) إذن انتبه إلى أن الإنسان لولا فضل الله ولولا توفيق الله ما صلّى الإنسان صلاة يرضاها الله عز وجل لذلك تشعرنا بالأدب مع الله سبحانه وتعالى، وأن نسأل الله عز وجل أن يكون منه السداد وتكون منه التزكية ويكون منه التوفيق في صلاتنا وسائر أعمالنا، أنت بربك قوي وبنفسك ضعيف (إياك نعبد وإياك نستعين) انظر كيف جمع الله عز وجل كل هذا البيان في (إياك نعبد وإياك نستعين) من فن التقديم والتأخير للاختصاص ومن فن الالتفات ومن نون الجمع رغبة في القبول ثم لطيف جمع العبادة والاستعانة في آية واحدة ليشعر الإنسان أنه لن يكون منه هذا السداد وهذا الفلاح إلا بتوفيق الله سبحانه وتعالى.

رابط الحلقة للمشاهدة:
 


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل