أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

دلالة الاستعاذة بـ(أعوذ) وليس (أستعيذ)

ذكر ابن عاشور رحمه الله في التحرير والتنوير في تفسير آية سورة النحل (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)  النحل):

 

والسين في {فاستعذ بالله} للطلب ، أي فاطلب العوذ بالله من الشيطان، والعوذ: اللجأ إلى ما يعصم ويقي من أمر مضرّ.ومعنى طلب العوذ بالله محاولة العوذ به. ولا يتصوّر ذلك في جانب الله إلا بالدعاء أن يعيذه. ومن أحسن الامتثال محاكاة صيغة الأمر فيما هو من قبيل الأقوال بحيث لا يغيّر إلا التغيير الذي لا مناص منه فتكون محاكاة لفظ «استعذ» بما يدلّ على طلب العوذ بأن يقال: أستعيذ، أو أعوذ، فاختير لفظ أعوذ لأنه من صيغ الإنشاء، ففيه إنشاء الطلب بخلاف لفظ أستعيذ فإنه أخفى في إنشاء الطلب، على أنه اقتداء بما في الآية الأخرى {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين} [سورة المؤمنون: 97] وأبقي ما عدا ذلك من ألفاظ آية الاستعاذة على حاله. وهذا أبدع الامتثال، فقد ورد في عمل النبي بهذا الأمر أنه كان يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يحاكي لفظ هذه الآية ولم يقل في الاستعاذة {أعوذ بك من همزات الشياطين} لأن ذلك في غير قراءة القرآن ، فلذلك لم يحاكه النبي صلى الله عليه وسلم في استعاذته للقراءة .


وذكر د. عبد العزيز بن عبد الله الخضيري في بحث له بعنون "مسائل في الاستعاذة)

 

وجملة (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) جملة خبرية تفيد الطلب، ومجيئها في صيغة الخبر أبلغ في الدلالة على المقصود. قال ابن القيم رحمه الله: فإن قلت: فلم دخلت السين والتاء في الأمر من هذا العفل كقوله: فاستعذ بالله ولم تدخل في الماضي والمضارع بل الأكثر أن يقال: أعوذ بالله وعُذت بالله دون أستعيذ واستعذت؟ قلت: السين والتاء دالة على الطلب، فقوله: أستعيذ بالله أي أطلب العياذ به، كما إذا قلت: أستخير الله أي أطلب خيرته، واستغفره أي أطلب مغفرته، وأستقيله أي أطلب إقالته، فدخلت في الفعل إيذانًا لطلب هذا المعنى من المُعاذ. فإذا قال المأمور: أعوذ بالله، فقد امتثل ما طُلب منه، لأنه طلب منه الإلتجاء والاعتصام. وفرق بين نفس الالتجاء والاعتصام وبين طلب ذلك، فلما كان المستعيذ هاربًا ملتجئاً معتصمًا بالله أتى بالفعل الدال على ذلك دون الفعل الدال على طلب ذلك فتأمله. وهذا بخلاف ما إذا قيل: اِستغفر الله، فقال: أستغفر الله، فإنه طلب منه أن يطلب المغفرة من الله، فإذا قال: استغفر الله كان ممتثلًا، لأن المعنى أطلب من الله تعالى أن يغفر لي. وحيث أراد هذا المعنى في الاستعاذة فلا ضير أن يأتي بالسين فيقول: أستعيذ بالله تعالى، أي أطلب منه أن يعيذنب ولكن هذا معنى غير نفس الاعتصام والالتجاء والهرب إليه، فالأول مخبر عن حاله وعياذه بربه وخبره يتضمن سؤاله وطلبه أن يعيذه، والثاني طالب سائل من ربه أن يعيذه كأن يقول: أطلب منك أن تعيذني، فحال الأول أكمل. 




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل