برنامج تبيان - الحلقة العاشرة - سورة القلم - 4

الحلقة العاشرة

الصفحة الأولى – صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع

الصفحة الأولى تختص بالتفسير مع د. محمد بن سريع السريع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

سورة القلم - 4

المقدّم: وقف بنا الحديث في اللقاء الماضي عند قوله تبارك وتعالى (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٤٤﴾)

د. محمد بن سريع السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. لا يزال الحديث متصلًا في تفسير سورة القلم وقد بلغنا عند قول الله تعالى (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٤٤﴾) فذرني أي دعني وهؤلاء المكذبين الذين يكذبون بهذا الحديث والحديث المراد به القرآن قد جاء تسمية القرآن بالحديث في غيرما موضع في كتاب الله جلّ وعلا كقوله جلّ وعلا (أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ (81) الواقعة) وكقوله (أَفَمِنْ هَٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) النجم) ونحو ذلك من الآيات، فالله تعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم دعني وهؤلاء المكذبين بهذا القرآن فإنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون والاستدراج هو استفعال كأنه استنزال الشيء من درجة إلى أخرى، وهو التنقل في الدرج والخطوات فالله تبارك وتعالى من كيده بهؤلاء المجرمين المعرضين أنه يستدرجهم سبحانه وتعالى من حيث لا يعلمون ومن حيث لا يشعرون.

ثم قال سبحانه وتعالى (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴿٤٥﴾) الإملاء هو الإمهال فالله تبارك وتعالى يمهلهم حتى يزدادوا في غيهم ثم يأخذهم جلّ وعلا أخذ عزيز مقتدر فإن كيده جلّ وعلا متين أي قوي بالغ التأثير. وهذه الآية فيها سنة من سنن الله تعالى الكونية فإن الله تعالى أمضى سنته أن الخلق إذا جاءهم النذير والداعي والهادي ثم لم يؤمنوا فإنه يأخذهم بالبأساء والضراء ثم يملي لهم ويمهلهم حتى يأخذهم على حين بغتة وهم معرضون وهم سائرون في غيّهم كما قال جلّ وعلا في سورة الأنعام (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴿٤٢﴾ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٤٣﴾) ثم ماذا كانت النتيجة؟ (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ) لم يأت الهلاك مباشرة ولكن قال (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا) جاء العقاب بعد ذلك (أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴿٤٤﴾) فقوله جلّ وعلا (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) نوع من الاستدراج ونوع من إملاء الله جلّ وعلا لهؤلاء المكذبين ولذلك جاء في الأثر أنه ما أخذ الله قومًا إلا على حين غرّتهم وحين غفلتهم وجاء في الحديث إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد وهو مقيم على معاصيه فإنما هو استدراج لأن الإنسان قد أتى بأسباب العقوبة ومع ذلك ربنا جلّ وعلا يوالي عليه النعم.

ثم قال تبارك وتعالى (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ﴿٤٦﴾) هذا إبطال آخر لمعاذير هؤلاء المكذبين والمشركين أنك يا محمد لست تسألهم على هذه الدعوة أجرًأ ولا مالا شيئًأ يغرمونه ويثقل كاهلهم وإنما أنت تدعوهم لما يصلحهم وينفعهم والإنسان شحيح إذا سئل شيئًا من متاع الدنيا كبر هذا في نفسه ولذلك الداعية كلما أعرض عن الدنيا ولم يحتج لدنيا الناس ولم يرزأهم فيها ولم يستشرف إليها كان هذا أدعى لقبول دعوته وأما إذا كان الداعية يلمس منه المدعوون أنه يستشرف إلى دنياهم ويريدها ويسال عنها فإن هذا يكون أبعد عن قبول دعوته ولذلك الرسل في كثير من المواطن نصّ جلّ وعلا أنهم لا يسألون أقوامهم أجرًا على ما يدعونهم إليه.

ثم قال تبارك وتعالى (أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴿٤٧﴾) هذه أيضًا ردّ وإبطال لما يمكن أن يتعلق به هؤلاء المشركون يعني هل عندهم حجة اطلعوا عليها من الغيب فهم يفرضون ويزعمون ما يدعو إلى تكذيبهم وإلى إعراضهم طبعًا كل هذا لم يحصل وإذا كان هذا كذلك فمعناه أنه ليس لهم أيّ حجة في التكذيب.

ثم قال تبارك وتعالى (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴿٤٨﴾) إذا لم يكن لهؤلاء المشركين حجج فيما أتوا به من التكذيب والشرك فلم يبق بعد ذلك أيها النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم إلا أن تصبر لحكم ربك ولذلك جاء التعقيب عليها بالفاء (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) فليس لهم حجج ولا براهين فيما أتوا به من الكفر فاصبر يا محمد لحكم ربك. وحكم الله يطلق بالمناسبة الله في النصوص على الحكم الشرعي وعلى الحكم القدري، الحكم الشرعي ما جاء في أحكام الكتاب الكريم والحكم القدري ما قدره الله جلّ وعلا وقضاه من المقادير التي تجري على الخلق جميعا وهنا في هذه الآية قوله جلّ وعلا (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) قال بعض أهل العلم أن المراد أنه يصبر لحكم الله الشرعي حيث أنه أمره بالدعوة وأوجبها عليه ولكن لا مانع أن يراد هذا وأن يراد الحكم القدري اصبر يا محمد على ما قضاه الله وقدره مما قد ينزل بك من الأذى والإعراض والصدود من هؤلاء المشركين فالنبي صلى الله عليه وسلم أُمر أن يصبر على الدعوة وهي عبادة من العبادات والمؤمن مطلوب منه أن يصبر على عبادة الله وأُمر أن يصبر على ما يصيبه من الأذى مما يقدره الله جلّ وعلا. ولاحظ أن التعبير قال (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) اختيار هذا الاسم الكريم الذي يدل على العناية بالمربوب وكمال رعايته فما يصيبك وما قد يعتريك لا تضجر له ولا تحزن ولكن استقبله بانتظار الروْح والفرج من الله جلّ وعلا.

ثم قال تبارك وتعالى (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴿٤٨﴾ لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ﴿٤٩﴾) قال الله جلّ وعلا (وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴿٤٨﴾) لما أمره جلّ وعلا بالصبر قال ولا تكن كصاحب احوت وهو يونس عليه السلام التقمه الحوت فنادى وهو مكظوم أي نادى في حال حبسه في بطن الحوت نادى لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فلولا أن تدراكه نعمة من ربه لنُبذ أي طُرح في العراء وهو مذموم ولكن الله تبارك وتعالى تدراكه بنعمة منه فنبذ بالعراء وهو غير مذموم عليه السلام فاجتباه ربه فجعله من الصالحين أي اختاره واصطفاه فجعله من المفضلين من الأنبياء عليهم السلام. وفي هذا بيان أن المسألة هي اجتباء واصطفاء ورحمة وهبة من الله جلّ وعلا ومحض فضل منه وإذا كان الأمر كذلك فعلينا جميعًا أن نتعرض لرحمات الله جلّ وعلا ليس الأمر بذكاء الإنسان ولا بجهده ولا بقوته ولا بماله ولا بجبروته فإن الله تبارك وتعالى قد أضل عن هذا الهدى من هو أذكى منك ومن هو أقوى منك ومن هو أغنى منك ولكن هداك لهذا وإذا كانت المسألة محض اجتباء واختيار من الله جعل فعلينا أن نتعرض لها. نتعرض لها أولًا بالإخلاص لله جلّ وعلا وثانيًا بالدعاء والانطراح بين يديه جلّ وعلا اهدنا الصراط المستقيم، آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها وأيضًا نتعرض لها بالإحسان لأن رحمة الله قريب من المحسنين والجزاء من جنس العمل فمن أحسن أحسن الله إليه ونتعرض لها أيضًا بالعمل الصالح بصفة عامة فإن الحسنة تدعو أختها كما أن السيئة تدعو أختها والعياذ بالله.

ثم قال تبارك وتعالى (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ﴿٥١﴾) يقول ربنا جلّ وعلا أن هؤلاء الذين كفروا يكادون يقاربون أن يزلقوك بأبصارهم أي يصيبوك بأعينهم من حسدهم وحنقهم وغيظهم فإنه لما جاءهم صلى الله عليه وسلم بما أمره ربه به ناصبوه العداء وكادوا له وإذا نظروا إليه فإنما ينظرون إليه نظر الحانق الغضب الذي ينظر إليه من جانب آخر جانب الحسد ويقولون في هذه الحالة إنه لمجنون وأنّى له الجنون وقد كانوا يطلقون عليه الصادق الأمين؟! ولكن لا حيلة في هؤلاء المكذبين المعرضين الذي  امتلأت قلوبهم حقدا وحسدا قال الله جلّ وعلا (وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴿٥٢﴾) يتذكرون منه وينتفعون به من آمن منهم وأما من أعرض فإنه يكون عليه موبالًا في الدنيا والآخرة.

في ختام هذه السورة رد الختام على مطلع السورة في أول السورة قال الله تعالى (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴿٢﴾) وهنا ذكر الله جلّ وعلا شبهتهم التي أجاب عنها في أول السورة فقال (وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ﴿٥١﴾)

صفحة أصول التفسير – د. فهد بن عبد الرحمن الرومي

مع فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور فهد بن عبد الرحمن الرومي أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود، عضو مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدّم: في الحلقة السابقة تحدثتم عن التفسير في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وكيف كان منهجه في التفسير فهل لكم أن تحدثونا في هذه الحلقة عن منهج الصحابة في التفسير وكيف كان منهجهم فيه؟

د. فهد بن عبد الرحمن الرومي: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. ذكرنا في الحلقة السابقة منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في تفسير القرآن الكريم وسار الصحابة رضي الله عنهم على منهجه في ذلك وتتبعوا آثاره وتفسيرة وقد سبق أن ذكرت أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا عربًا خُلَّص يفهمون القرآن بمقتضى اللغة العربية ويدركون معانيه ومراميه بمقتضى سليقتهم العربية  ولا تحكم العقيدة فهمًأ لا تعكّره عجمة ولا يشوهه شيء من قبح الابتداع ولا تحكم العقيدة الزائفة بل صفاء العقيدة وصفاء النبع. وكانوا إذا ما خفي عليهم معنى أو دق عليهم مرمى رجعوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فبين لهم ذلك ووضحه وإن لم يتيسر لهم ذلك رجعوا إلى اجتهادهم هم والصحابة كغيرهم طبقة من الطبقات البشرية كان التفاوت بينهم واضحًا في الرتبة فكان بعضهم أعلم من بعض في التفسير وبعضهم أعلم من بعض في الفقه وكان بعضهم يرجع إلى بعض في تفسير الآيات القرآنية ويسأله عن معناها فالتفاوت بينهم راجع إلى أمور عدة كالتفاوت في قوة الفهم والإدراك والتفاوت فيما أحاط بالآية من ظروف ومناسبات فقد يحضر هذا ما لم يحضره ذاك وقد يكون نزول هذه الآية حضره فلان ولم يحضره الآخر بل كانوا يتفاوتون في معرفة المعاني التي وضعت لها المفردات وذلك أن من مفردات القرآن ما يخفى على بعض الصحابة لكونه نزل بلسان قبيلة أخرى غير قبيلته ويظهر لآخرين منهم المعنى الذي خفي على الآخر ولا ضير في هذا فإن اللغة وإن أحاط بها مجموع أهلها فإنه لا يحل لفرد من أهلها فقد خفي عن عمر رضي الله عنه معنى الأبّ في قوله تعالى (وفاكهة وأبا) وهو عمر، وخفي عليه رضي الله عنه معنى التخوف في قوله تعالى (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ (47) النحل) حتى قال له رجل من هذيل التخوف عندنا التنقّص وكذلك حبر الأممة ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال كنت لا أدري ما فاطر السماء حتى أتاتي أعرابيان يختصمان في بئر يقول أحدهما أنا الذي فطرتها يعني أنا الذي ابتدأت حفرها، وخفي على عديّ بن حاتم في الحديث المعروف المراد بقوله تعالى (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (187) البقرة) فكان يجعل عند رأسه عقالا أبيض وعقالا، حبلًا أبيض وحبلًا أسود حتى بيّن له الرسول صلى الله عليه وسلم المراد. ويرجع تفاوتهم في فهم القرآن كما أشرنا إلى أمور عدة كتفاوتهم في أدوات الفهم كالعلم باللغة فمنهم من كان واسع الإطلاع ملمًّا بغريبها سائلًا عن معانيها ومنهم من هو دون ذلك في الإدراك والإحاطة بمعاني اللغة العربية. وكذلك تفاوتهم في ملازمة الرسول صلى الله عليه وسلم وحضور مجالسه فكلما كثرت ملازمة الصحابي للرسول صلى الله عليه وسلم وحضور مجالسه زاد علمه وتلقيه عن الرسول صلى الله عليه وسلم فهناك من الصحابة من كان يقتات ويدأب لشأن أموره وأمور أهله وهناك من تفرغ للتلقي عن الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك تفاوتهم في معرفة أسباب لنزول مما له تأثيره في فهم الآية وكذلك تفاوتهم في العلم الشرعي كشأن علماء الأمة في كل مكان وكل زمان. فضلاً عن تفاوتهم في مداركهم العقلية شأنهم كشأن غيرهم من البشر كل هذا وغيره كان من أسباب تفاوتهم في معرفة القرآن الكريم وتفسيرة ولهذا قال أحد علماء التابعين وهو مسروق بن أجدع رحمه الله تعالى: جالست أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فوجدتهم كالإخاد (أي الغدير الذي تجمّع فيه السيل) فالإخاد يروي الرجل والإخاد يروي الرجلين والإخاد يروي العشرة والإخاد يرروي المئة والإخاد لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم، وهذا تشبيه بليغ لحال الصحابة رضي الله عنهم في العلم وفي التلقي عن الرسول صلى الله عليه وسلم وفي تفسير القرآن الكريم.

 

وهناك أمثلة كثيرة من تفسير الصحابة رضي الله عنهم إن شئنا نذكر بعضه مثل تفسير ابن عباس رضي الله عنهما للفظة (عصيب) في قوله تعالى (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) هود) قال ابن عباس عصيب يعني شديد، فهذا تفسير لغوي وكذا في تفسير قوله تعالى (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) الحجر) قال سالم رضي الله عنه اليقين الموت وكذلك في تفسير قوله تعالى (فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ (51) المدثر) قال ابو هريرة القسورة يعني الأسد ولا يعني هذا أنهم كلهم يتفقون على تفسير واحد فقد يقع بينهم رضي الله عنهم اختلاف في التفسير كما وقع الاختلاف في تفسير القرء في قوله تعالى (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ (228) البقرة) على قولين: القول الأول أن القرء المراد به الحيض وهذا قول عمر وعلي وابن مسعود وأبو موسى الأشعري وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين وقول آخر أن القرء المراد به الطهر قالت به عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت رضي الله عنهم أجمعين. إذن كان يقع بينهم اختلاف لكن هذا الاختلاف لا يعني أن أحدهما مصيب والآخر مخطئ لكن في مثل هذا الاختلاف القرء في اللغة هو بمعنى الطهر وبمعنى الحيض فهذا فسّرها بمعنى وذاك فسرها بمعنى فهذا في الكلمة ترادف. كذلك هؤلاء الصحابة كانوا إذا أشكل عليهم معنى في اللغة بحثوا عن مصادرها فقد روى أبو السلط – وهذه من المسائل الدقيقة – في أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه  قرأ هذه الآية (وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا (125) الأنعام) بنصب الراء (حرَجا) فقرأ بعض من عنده من أصحاب رسول الله (حرِجا) بكسر الراء كأنه أراد أن يصحح القرآءة فقال عمر رضي الله عنه هاتوا رجلًا من كنانة واجعلوه راعي غنم وليكن مدلجيّ فأتوا به عمر رضي الله عنها فقال يا فتى ما الحرِجة؟ قال الحرِجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء قال عمر كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير. يقول الأستاذ محمود شاكر رحمه الله تعالى: وهذا خبر عزيز جدًا في بيان رواية اللغة وشرحها وسؤال الأعرابي والرعاة عنها فهكذا كان الصحابة رضي الله عنهم في سؤالهم وتحريهم لمعاني الكلمات القرآنية إذا أشكلت عليهم يبحثون عن الأعراب الأقحاح الذين لم يختلطوا في الحاضرة وإنما عاشوا في البادية وانقطعوا عن الحاضرة بأغنامهم حيث صفاء اللغة وصوابها.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل