تأملات في آيات سورة العلق

تأملات في سورة العلق

إعداد: سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

قبل أن نبدأ تدبر آيات السورة مما ورد في كلام علمئانا الأفاضل أحب أن نقف وقفة مع جو السورة. لنا أن نتخيل المكان والزمان، جبال مكة المظلمة وغار حراء في سكون الليل حيث كان صلى الله عليه وسلم يتحنّث الليالي ذوات العدد باحثاً ومتأملاً في هذا الكون الذي من حوله باحثاً عن الحق، باحثاً عن الهدى، فطرته السليمة والإعداد الرباني الذي أعدّه الله تعالى عليه تدفعه ليلة بعد ليلة لقصد هذا الغار في ذلك الجبل المظلم في وحشة الليالي ووحشة المكان فيمكث في الغار ليالي عديدة حتى ينفذ طعامه وشرابه فينزل إلى زوجة حانية واعية عاقلة راشدة فتزوده بالمزيد ليعود إلى حاله الأولى من التحنث والتفكر.

وننتقل في نفس الوقت إلى بيت الزوجية التي فيه خديجة السيدة الكريمة النسب والخلق الزوجة الواعية العاقلة الراشدة التي كان اختيار المولى تعالى لأن تكون أولى زوجات نبينا عليه الصلاة والسلام اختيار حكيم ستظهر دلالاته مع أولى إشارات الوحي والنبوة.

نعود للغار وظلمته ووحشته ونتخيل النبي الكريم وحده وإذا بجبريل ينزل إليه ويتمثل على شكل رجل يأمره أن يقرأ، أي إعداد إلهي رباني حكيم أعد الله تعالى نبيه المصطفى؟! لو أن هذا الأمر حصل لأي شاب في مثل سنه صلى الله عليه وسلم لطاش عقله ولخاف على نفسه أن يكون قد مسّه شيء من الجن أو الجنون! لكنه إعداد إلهي رباني حكيم لنبي سيحمل الرسالة الخاتمة رحمة للعالمين. إعداد ثبته في مكانه ولم يزد عن الإجابة: ما أنا بقارئ. أي رباطة جأش؟ وأي قوة وثبات؟ وأي رجولة وشجاعة هذه؟ ثو يتواصل الحوار مع جبريل عليه السلام أمين الوحي حتى يقرئه الآيات الخمس الأولى من سورة العلق بداية اتصال الأرض بالسماء عن طريق الوحي!

بعد الاستماع التام لما جاء به جبريل عليه السلام خرج صلى الله عليه وسلم من الغار لتعود مشاعره إلى كونه بشراً تعتريه ما يعتري البشر من خوف ورهبة فكأنه داخل الغار كان شخصاً آخر لم يجزع ولم يتحرك من مكانه ولم تذكر لنا الأحاديث إلا أن جبريل غطّه حتى بلغ منه الجهد!

يخرج من الغار فيستعيد ما جرى له فيرتعد ويرتجف ويسرع عائداً إلى الحضن الدافئ والعقل الواعي إلى زوجه الراشدة خديجة فيسرد عليها ما حصل معه وإذا بها تذكره بما فيه من مكارم الأخلاق وأن رجلاً بهذه المواصفات لن يخزيه الله أبداً ثم أخذت بيده إلى ابن عمها وفي كل هذه المواقف حكم جليلة لو تفكرنا بها لكني سأقف على واحدة منها فقط نتلمس من خلالها الحكمة في اختيار هذه الكريمة الراشدة لتكون أولى زوجات نبينا عليه الصلاة والسلام. لنا أن نتخيل أن شابة صغيرة السن حديثة العهد بأمور الحياة ومسؤولياتها يأتيها زوجها بعد أن غاب ليالي عنها في غار مظلم في جبل بعيد يشق الوصول إليه يخبرها أنه جاءه رجل غطه ثلاثاً ثم أرسله وأبلغه أن يقرأ باسم ربه لصاحت مباشرة يا ويلي قد جُن زوجي أو مسه الشيطان! بل ولعلها تسرع لأهلها تطلب الطلاق من هذا الرجل ولعلها تقرّعه وتتهمه أن ما يقول أضغاث تهيؤات ليس لها أصل إلا في خياله!

لكن اختيار الزوجة الأولى كان اختياراً إلهياً ربانياً حكيماً فنعم الزوجة الصالحة للرجل الصالح ونعم البيت الذي منه انبثقت أنفاس النبوة العطرة التي طالت كل الكون فاللهم لك الحمد على بعثة الرسول الخاتم والحمد لله على نعمة الزوجة الصالحة له أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها.

********************

وقفات تدبرية في السورة:

·         لماذا سميت السورة العلق تحديداً؟ مع أنها بداية الوحي وفيها إشارة إلى العلم والحث عليه وإلى العبادة والسجود؟ لعله من دلالات تسمية السورة بالعلق أن الذي خلق الإنسان من علقة قادر على أن يجعل الأميّ عالماً.

·         ذكرت كلمة (علق) بالجمع في الآية ولم يقل تعالى (من علقة) كما ذكر في آيات أخرى عند تعداد مراحل الخلق لأن كلمة الإنسان في الاية تعني جنس الإنسان عموماً أي بمعنى الناس فكل إنسان مفرد خُلق من علقة وجمعهم خُلق من علق

·         (وربك الأكرم) الأكرم هنا ذكرت تحديداً لارتباطها بإكرام الله تعالى للخلق بهذا الوحي وهذه الرسالة التي تدعو للعلم وتحثّ عليه.

·         (كلا) في السورة وردت ثلاث مرات. وهي إما أن تكون بمعنى الزجر والردع وإما بمعنى حقاً ولعلها وردت بكل هذه المعاني في السورة ففي قوله تعالى (كلا إن الإنسان ليطغى) قد تحتمل معنى (حقاً) لأنها لم يأتي كلام قبلها مرتبط بها بينما في الموضعين الآخرين هي بمعنى الردع والزجر (كلا لئن لم ينته) و(كلا لا تطعه)

·         الطغيان مجاوزة الحد وإنما وصف الإنسان هنا أنها يطغى لأنه كما في حادثة سبب النزول لم يكتف أبو جهل بأنه كفر وإنما حاول أن يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من الإيمان والعبادة لله تعالى تماماً مثل فرعون لم يكتف بأن يكفر بموسى ورسالته وإنما منع بني إسرائيل وقومه من الإيمان به لذلك وصفه القرآن (اذهب إلى فرعون إنه طغى)

·         أعظم مصيبة تصيب الإنسان أن ينسى الآخرة فإذا نسي الآخرة لم يستعد لها بشيء من الأعمال الصالحة ولذلك يأتي التركيز في مواطن عديدة في القرآن على أن الرجعى إلى الله وتكثر الآيات التي تختم بـ (إليه ترجعون) (يرجعون)

·         مناط التقوى الإحسان أن تعلم بأن الله يراك في كل حال وفي كل مكان وفي كل زمان

·         (لنسفعا) وقوله في سورة يوسف (ليُسجنن وليكونا من الصاغرين) هما الموضعان الوحيدان في القرآن التي رسمت نون الفعل بالألف وأصلها (لنسفعن – لنكونن)

·         فرق بين خاطئ ومخطئ فالخاطئ من خطئ خِطء فهو خاطئ أي فعل الذنب قصداً أما مخطئ فمن أخطأ خطأ فهو مخطئ أي فعل الذنب عن غير عمد.

·         آيات الله في الكون نوعان آيات مقروءة وهي القرآن الكريم وآيات منظورة وهي الآيات الكونية.

·         من أمثلة العبد الذي لا يرى نفسه مستغنياً عن الله تعالى مهما بلغ في الشأن والمنزلة والأموال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة دخلها ورأسه بحسب الروايات مطأطأ تواضعاً لله تعالى وشكراً له على تحقيق هذا الفتح المبين وعلى إنجاز وعده له (لرادّك إلى معاد)

·         أسباب النجاح والفلاح: تذكر الآخرة ومراقبة الله عز وجل

·         الجزاء من جنس العمل: فهذا المستكبر عن عبادة الله وعن تعفير وجهه بالتراب لله تعالى استكباراً عذابه يوم القيامة سيكون من جنس استكباره فيُجذب من ناصيته إلى نار جهنم والعياذ بالله أمام الخلق كافة إهانة له على استكباره في الدنيا عن السجود لله.

·         استخدام اسم الله (الرب) في بداية السورة فيها لطف إلهي في ذلك الموقف الرهيب وقت تنزل الوحي لأول مرة عن طريق جبريل في ظلمة الغار وفي هيبة ذاك الموقف حتى يهدئ من روع النبي عليه الصلاة والسلام فلا يجزع فكأنه هذا اللفظ الرب يربت على كتف النبي عليه الصلاة والسلام أن ربك نداء بكاف المخاطب ربك يا محمد الذي يختصك بالرعاية والإنعام هو الذي يأمرك أن تقرأ باسمه. وقد تكرر اللفظ ثلاث مرات تأكيداً على هذا المعنى.

هذا والله تعالى أعلى وأعلم.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل