روائع البيان في تدبر القرآن - د. عصام العويد

روائع البيان في تدبر القرآن

مجالس العلم – أصول التفسير 2-د. عصام العويد

تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا

القواعد الخمس الكبرى لقارئ القرآن

القاعدة الثالثة: المقصود الأعظم من القرآن هو التدبر أولًا ثم العمل. فالتدبر هو المقصود الأول من تنزّل آيات كتاب الله عز وجل.

القرآن بتدبر خير من القرآءة بغير تدبر.

(خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) الحاقة) لا تقرأ هذه الآية بسرعة بل توقف عندها جيدًا وتخيل المشهد في ذلك اليوم العصيب وتصور صفوف الملائكة المرتبة الذين يصطفون لا يتكلم منهم أحد إلا بإذن الله سبحانه وتعالى ثم تصور نزول الملك الجبار نزولًا يليق بجلاله ليحاسب الخلق (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا (25) الفرقان) الأمر عظيم، ينادى على هذا من بين الخلاق (خُذُوهُ) خذوا فلان بن فلان أو فلانة بنت فلانة! كيف سيكون حال هذا الإنسان؟! هل سييفرح به؟! سيبكي دمًا ويقطع أصابعه ندما عندما يسمع خطاب الله عز وجل (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) الفرقان). قد لا يكون هذا الشخص المنادى أنت نسأله بلطفه سبحانه وتعالى أن ينجينا من هذا الموقف الأليم على الإنسان، قد يعود هذا الضمير على قريب لك، أقرب الناس لك، قد تنجو أنت وتلتفت في عرصات يوم القيامة فترى أقرب الناس لك في هذا الموقف يُنادى عليه (خُذُوهُ) والناس ترى بعضها يوم القيامة (وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ﴿١٠﴾ يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴿١١﴾ المعارج) القريب يرى قريبه، يرى الأب أبناءه والأبناء يرون آباءهم، يبصرونهم يراه لكنه لا يسأل أحدًا لأنه لن ينفع السؤال إلا سؤال الله تعالى. قد يكون هذا الشخص أقرب الناس لك، أو صديق حميم لك صحبته سنوات، هل ستسر بهذا الموقف له؟! لن تسرّ بهذا مطلقًا ولهذا قال إبراهيم الخليل عليه السلام كما في الحديث حين يرى اباه يجرّ في النار تجره الملائكة على وجهه: وأيُّ خزيٍ أعظم من أبٍ أبعد؟! فقلبه الله عز وجل إلى هيئة خنزير حتى لا يراه إبراهيم فيتألم وقد وعده الله عز وجل أن لا يخزيه يوم يبعثون.

تأمل (خُذُوهُ) لو نزلت عليك أو على أحد من أقاربك؟! في الآخرة لن تستطيع إلا الشفاعة له إن كانت الله تعالى قد أذن لك أن تكون من الشفعاء، أما في الدنيا فما زال الوقت أمامك فتدعو هذا القريب أو الصديق وتخرجه مما هو فيه وتخرجه من الحال المخزية التي هو عليها في الدنيا من ارتكاب المعاصي والانغماس في اللذات.

تدبر هذه الآية بصدق وستعمل جاهدًا أولًا في إصلاح نفسك حتى لا تكون في ذلك الموقف الرهيب الأليم وينزل الأمر عليك وثانيًا تعمل في إصلاح غيرك، تعمل ليلاً ونهارًا بجوارحك أو تعمل كذلك بدعائك للقريب البعيد عن الله عز وجل حاولت مرارًا أن تدعوه إلى الله ما استطعت أن تخرجه مما هو فيه، إذن هذه الآية ستجعلك تبكي في الليل وأنت تدعو الله عز وجل أن ينجيه. تصوّر هذه الآيات وتدبرها جيدًا وستدعو الله تعالى دعاء حارًا صادقًا فالله سبحانه وتعالى لا يقبل دعاء من كان قلبه غافلًا لاهيًا، ادعُ الله عز وجل بقلبك، ومثل هذه الآيات تحرك هذا القلب وتنزل هذا الدمع وأنت تتصورها وتتأمل فيها وتتدبر في دلالتها فتقبل على الله سبحانه وتعالى عظيمًا في دعائك وابتهالك إلى الله سبحانه وتعالى بكل صدق.

(خُذُوهُ فَغُلُّوهُ) تأملها بصدق على نفسك أو على أحد، ستبكي وتدعو لنفسك أو لقريبك أو صديقك أو جارك وسيتقبل الله دعاءك بإذنه تعالى لأنه قد وعدنا بالإجابة (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (60) غافر) فإذا دعوناه بحق فسيستجيب لنا وسينقذ هذا العزيز من هذا الموقف المخزي المهين في حياتك الدنيا بسبب دعائك وحرصك أما بدون تأمل الآيات فقد لا تفعل ذلك، تحرص ولكنه حرص عابر، تدعو ولكن ليس من القلب، بالتدبر يتغير الأمر تمامًا.

الآيات التي جاء الأمر فيها بالتدبر والحثّ عليه:

(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) محمد)

أفلا من جهة البلاغة هذه للتنبيه والتحضيض تحض الإنسان على الفعل. إن لم نفعل يا ربنا؟! قال (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) فإذن ليس هناك حل ثالث إما أن نقبل على تدبر القرآن وإما أن يكون على قلوبنا أقفال.

(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) فإن لم نفعل جاءت (أم) للإضراب، إن لم يحصل ما قبلها فالحكم لما بعدها، (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) لم نفعل يا رب فما الحكم؟! (أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) أي على القلوب أقفالها. ولنتأمل الجمع في قوله (اقفالها) ولم يقل قفلها لأن هذا القلب الذي ابتعد عن القرآن ليس عليه قفل واحد فقط وإنما عليه أقفال كثيرة. القلب الذي أعرض عن تدبر القرآن ليس عليه قفل واحد وإنما عليه أقفال كثيرة بحكم الله سبحانه وتعالى لا بحكم أحد من الناس (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا). ليوقن بذلك كل مسلم أنه إن لم يتدبر القرآن فليعلم أن على قلبه أقفال، ليس هناك مجاملة ولا مداهنة في هذا وليس الأمر راجع لي ولا لك ولا لعالم من العلماء ولا لفقيه من الفقهاء ولا إلى وزير من الوزراء ولا ملك من الملوك إنما الحكم من الله سبحانه وتعالى هو الذي حكم سبحانه أن القلب المعرض عن تدبر القرآن عليه أقفال، وصف شديد عنيف رهيب من الله عز وجل إن لم تتدبر القرآن فاعلم أن على قلبك أقفال شئت أم أبيت. خذ هذا الحكم في الدنيا وتدبره واعمل على تكسير هذه الأقفال في الدنيا قبل أن ترى قلبك في الآخرة وعليه أقفال ولن تُسرّ أبدًا حينها! وتكسير هذه الأقفال بمفتاح واحد هو تدبر القرآن (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) فقط بتدبر القرآن لا بمفتاح آخر يمكن أن تفتح هذه الأقفال وتزال عن القلب.

آية ثانية تدل على معنى التدبر (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) ص)

 

هذه الآية أطال الكلام عليها ابن القيم رحمه الله في الفوائد لأن الله عز وجل جمع في هذه الآية أشياء كثيرة في الكلام عما يتعلق بالتدبر ولزوم التدبر لحياة القلب وما يتعلق بذلك. (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) اللام تسمى لام التعليل، لام الحكمة، بمعنى أن إنزال القرآن ليدبروا آيات، كان من أجل التدبر لأن لام العلة جاءت في بيان لأي شيء تنزّل هذا القرآن، لم يقل ليقرأوا حروفه مع أنه مطلوب لكنه ليس المطلوب الأعظم والأسمى، فالمطلوب الأعظم والأتم هو ليدبروا آياته. وتأمل وصف (مُبَارَكٌ) هنا للقرآن في موطنه ليدلنا على أمر (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ) بركة القرآن لا تكون إلا لمن تدبر القرآن، القرآن مبارك وهو نزل للناس وأهل الإسلام يقرأونه فهو نزل إليهم لكن صفة أن يكون مباركًا فهو مبارك لمن تدبر القرآن (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) ليكون التدبر هو الحظ الأعظم من كتاب الله سبحانه وتعالى (وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) التدبر هو طريق التذكر والذكرى. ثم ختم الآية بقوله سبحانه وتعالى (وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) أولو العقول واللب هو خلاصة الشيء وهو وسط الشيء والمراد منه هنا العقل. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل