القرآن..أنوار وهدايات - تدبر سورة الذاريات - محور السورة

#تدبر_سورة_الذاريات

#محور_السورة :

سورة الذاريات هي سورة اليقين .. اليقين في إقامة البرهان , واليقين في عرض حقائق الإيمان وخاصة الأصول الكبرى، وخاصة من تلك الأصول : الإيمان بالله واليوم الآخر, إنها ترفع المؤمن إلى مقام اليقين منذ المدرج الأول، وتصرع الكافر بقوة اليقين منذ الجولة الأولى ..

إن الخطاب في هذه السورة يتركز حول حقيقة البعث والجزاء، وحتمية وقوع الدين, تماما كما هو في سورة "ق" وغيرها من السور, لكن سورة الذاريات تتميز عن غيرها، بتدفق آياتها على قلب المؤمن من على شرفات اليقين الأعلى كما تتميز بعرض حقائقها اليقينية، عرضا يتوجه من رب العزة - بكاف الخطاب- إلى الكفار مباشرة، أهل الخرص والتشكيك، فيلقي عليهم حقائق الإيمان وبراهين ذات صفعات، وحججا ذات لطمات، تقع على وجه الكفر فتبغته بغتا، وتبهته بهتا .. 
ومن ثم كان لهذه السورة الرهيبة طبيعة خاصة، ومذاق متميز، يجعلها تستقل بشخصيتها، مبنى ومعنى، وإشارة وعبارة، وحجة وبرهانا، ويجعلها جوهرة كريمة، لها موقعها الهام، الذي لا يعمره سواها في عقد القرآن المجيد .. 

إن حقائق الإيمان هنا في "الذاريات" تتجلى سيوفا وصوارم من ألماس اليقين، يقين يجعلك تتلقى حقيقة اليوم الآخر، وتبصر واقعته، كما أنك الآن تسمع، وكما أنك الآن تنطق, يقين يتسلط على متارس الشك، والخرص، والظن المريض، في قلوب الكفرة الفجرة، فيقصمها قصما، ويمزقها إربا إربا بل إنها عاصفة من غضبة الحق، تهب على رمال الشك الزاحفة على النفوس الخبيثة، فتذروها ذروا، حتى لا تبقى منها ذرة واحدة، تصلح حجة لكافر على كفره ..

إن سورة الذاريات هي سورة الوعد الصادق، والخبر الواقع، والحق المبين اليقين، ولذلك ترادفت فيها التعابير القوية المتينة، والكلمات الشديدة المكينة، والجمل الاسمية القصيرة، والتوكيدات المتعددة المتتابعة، والفواصل الكثيرة، آيات محكمات مبينة، منزلة من الرحمن، قواطع لكل ريب، ومخارس لكل جدل كما تعدد فيها القسم من رب العزة جل جلاله -أول السورة ووسطها- القسم بعظائم خلقه، ومظاهر قدرته، على وقوع اليوم الآخر وحتميته. قسم يبني في النفس المؤمنة حصون السكينة ومعراج اليقين، ويحطم في النفس الخبيثة تخرصات الشك، وإلقاءات الشياطين..

وعلى هذا السياق، ومن أجل الهدف، عرضت السورة لآيات الله في الآفاق، ولآياته في الأرض، وفي الأنفس، ثم لسننه الجارية في التاريخ البشري والرسالي، إلى أن تدرجت خواتيمها نحو باب النجاة، فرارا إلى الله، ودخولا تحت أمان عبادته، على مقام اليقين, ثم وقفت على ما بدأت به، من تجديد التهديد والوعيد للخراصين الظالمين، أعداء اليقين، وجاحدي الحق المبين, ثم بقيت كلماتها أصداء قوية في أذن الزمان إلى يوم الدين.
(د. فريد الأنصاري رحمه الله - مجالس القرآن)

د. هاني درغام



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل