من الفرائد القرآنية في سورة الكهف - كلمة (ينقضّ)

 من الفرائد القرآنية في سورة الكهف

كلمة (ينقضّ)
من كتاب بلاغة الفرائد في القرآن الكريم، المضارع نموذجًا – د. كمال عبد العزيز إبراهيم

الفعل (ينقضّ) ورد في قوله تعالى (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴿٧٧﴾)
والسياق هو قصة موسى عليه السلام مع صاحبه العبد الصالح حيث رغب موسى أن يتعلم منه الرشد والحكمة فاشترط العبد الصالح عليه ألا يسأله عن شيء فعله ولم يفهم حكمته لأنه بنفسه سوف يخبره فيما بعد. وصحبه على هذا الشرط وحدثت منه أفعال تبدو منكرة أو متناقضة في ظاهرها مثل خرق السفينة وقتل الغلام وغقامة الجدار.
وبالتأمل في ماة الفعل المذكور نجد أنها تعني أحيانًا: 
القضّ، تقول: قضضته فانقضّ إذا وقع، تقول: انقضّ الحائط إذا وقع. وتارة تعني قضّ المضجع فيقال: وأقضّ مضجعه: إذا صار فيه قَضض أي حجارة صغيرة (المفردات في غريب القرآن).
وعلى هذا يكون المعنى (يريد أن يسقط) أو (يريد أن يتفتت) حتى يصير حصى صغيرا.
وعلى كلا المعنيين فإن الجدار يبدو أنه كان قديمًأ متهالكًا يتفتت منه الحصى مع الريح أو المطر كما يحدث في المباني القديمة، وإنه لذلك يكاد يسقط ويتحول إلى ركام من الحصى المفتت.
والفعل يكتسب في هذا المقام ميزة التفرّد من وجهتين:

الأول: أن أيّ فعل آخر مثل (يكسر، يهدم، يسقط، يقع) لا يؤدي ما يؤديه من معنى الهدم والتهالك والقضقضة التي تكاد تُسمع من لفظ (ينقضّ) إيذانًا بقرب سقوطه كما يسمع من بعض المباني وقت الزلازل الخفيفة، وجرْس اللفظ يوحي بذلك (وللجرْس قيم جوهرية في الألفاظ وفي بنائها اللغوي، وهو أداة التأثير الحسّي بما يوحيه إلى السامع بسبب اتساق اللفظة وتوافقها مع غيرها من الألفاظ في التعبير الأدبي.

الثاني: أن المقام لم يتكرر في القرآن الكريم إذ لم ترد قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح إلا في هذا الموضع.

ووسط هذا التفرّد البليغ يأتي إسناد الإرادة إلى الجدار (جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) إما على سبيل الاستعارة التصريحية بتشبيه المشارفة على الانقضاض بالإرادة بجامع الميل فيهما أو على سبيل الاستعارة المكنية التخييلية بتشبيه الجدار بإنسان له إرادة، وفي كلتا الصورتين فإن الأسلوب القرآن يبعث في الجماد الحياة ويعرضه علينا في صورة من يريد ويفكر. والاستعارة نشاط لغوي حيوي لأنها تفتح المجال أمام علاقات بين الأشياء لم تكن مُدركة من قبل وهي من مظاهر التفوق في الأسلوب إذا استعملت استعمالا ملائمًا لأنها تعطي لك فكرتين عن شيء واحد. وهما هنا فكرتا الإنسانية والجمادية للجدار وتكثر في العربية ظاهرة استعارة ما يختص بالإنسان إلى الطير والحيوان والجماد والنبات.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل