القرآن..أنوار وهدايات - تدبر سورة الحجرات - 2- هدايات المقدمة

#تدبر_سورة_الحجرات

#هدايات_المقدمة : 
الآية(1):

خواطر و تأملات ..

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) )

بوصلة تحدد معالم الطريق ، ونبراس للمؤمنين السالكين ، وواعظ يذكر العبد بالعهد وبالميثاق ..ذلك النداء الرباني و الخطاب الإيماني المتغلغل في الوجدان ، المحرك في الشريان معاني الخضوع والاستسلام ..
وأي شرف أعظم من أن ينادى العبد بصفة الإيمان ؟
أية منقبة وأية كرامة أكبر من أن ينضوي تحت لواء من آمن بالله وأذعن لأمره وانتهى بنهيه وسارع لاستقبال ندائه بالقبول والتسليم؟ 
وأي لطف وبر ورحمة أن يخاطب العزيز عبده المخطئ بصفة الإيمان ؟ فلم ينفه عنه حال خطئه ، وشرَّفه حتى وهو متلبس بغلطه ،وكأنه يذكره : أيها المخلوق ، كن من كنت فإنك عبد قد اجتمعت فيك عبودية القهر والتسخير ، وعبودية الطاعة والمحبة واتباع الأوامر ،وبذلك أخذت العهد على نفسك و بذلك أدخلتها في زمرة من آمن ورضي بالله ربا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا .. أيها العبد المؤمن ، إنك مهما بلغت من مراتب العلم والتقوى والقرب ،فأنت إنسان و إن أردت محاكاة الملائكية والسير في دروب النور ،فطبعك الآدمي غلاب ، قد أخطأت ، لكن خطأك لم يخرجك من مسمى الإيمان ، فأصخ إلى نداء رحيم يخاطب تلك المضغة القابعة بين حناياك،و يذكرها بعهدها لربها و بمقتضيات ميثاق العبودية يعلمها كيف تتزكى ،و ينبهها إلى أن الإيمان قول وعمل ، فلتطرق ولترعي الخطابَ سمعها فإنما هو خير أريد لها فبه فلتأتمر ، أو شر نهيت عنه فلتنتهي عنه ولتزدجر ..
ومن كانت حاله الانتماء إلى زمرة العبودية و الإيمان ، ووصفه الإذعان والتسليم و اتباع ما به يؤمر، ما له أن يتقدم بين يدي سيده ، ولا أن ينفرد في الطريق ، ولا أن يغرد خارج السرب ، ولا أن يتفرد بالرأي و يقترح البدائل ، ولا أن يسابق أمر مولاه بفعل أو بقول أو بفهم ، أو أن يتخلف عن النهي بتبرير أو تسويغ أو استحلال ، فوازع الإيمان يجب أن يحثه على التقوى ، والخوف من مقام السيد القهار ، واستشعار رقابة وإحاطة سمع وعلم السميع العليم، فلا يجد في نفسه حاجة مما قضى الله ورسوله ،ويذعن ويخضع ويسلم تسليما.

( @ وصال تقة )

-------------------------------

#تدبر_سورة_الحجرات

#هدايات_المقدمة

إعداد: @صفحة إسلاميات 
من موسوعة التفسير الموضوعي بتصرف مع تأملات شخصية

1. ختم الآية الأولى في سورة الحجرات بـ (سميع عليم) فيها دلالة إلى أن الله سبحانه وتعالى سميع لأقوالكم عليم بما في قلوبكم وما تكنونه في صدوركم إن كان انقيادكم لأوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم شكليًا فقط أو أنه انقياد بمحبة وانقياد عن طاعة وثقة وإيمان وتوقير. 
2. وذكر صفتي سميع عليم مناسب أيضًا للأمر بالتقوى (واتقوا الله) لأن من يتقي الله سبحانه وتعالى يعلم علم اليقين أنه سبحانه مطّلع على أعماله وأقواله سرّها وجهرها فيكون في كل أمره مراقبًا لله سبحانه وتعالى.
3. الآية الأولى في السورة تضمنت بيان أن المجتمع الإيماني الذي تريد السورة أن تبنيه لا بد له من قيادة وهذه القيادة تُلزم المنقادين لها المؤمنين بشرعيتها التقيّد بأمور ينبغي أن يسلموا بها قبل البدء ببيان كيف يكون البناء وإلا لكان الحديث بعد ذلك لا طائل من ورائه.
4. في قوله سبحانه وتعالى (يا أيها الذين آمنوا) تشريف وتكريم لعباده المؤمنين فإن الوصف بالإيمان فيه شرف كبير وفي قوله سبحانه وتعالى (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم ومن تشريفه صلى الله عليه وسلم ذكره بلفظ (الرسول) دون ذكر اسمه المجرّد وأضيف إلى المولى عز وجل إضافة تشريف. ولهذا ينبغي عند الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ألا نذكر اسمه مجرّدًأ بل لا بد أن يسبق اسمه الشريف بالنبي أو الرسول وأن يُقرن بالصلاة والسلام عليه.
5. وجوب كون المسلم تابعًأ للكتاب والسُنّة فالواجب هو الاتّباع لا التقدم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم سواء أكان التقدم بالأقوال أو بالأفعال وسواء كان التقدّم لآرائنا أو لآراء غيرنا فمن يقدّم شرعًا وضعيًا على شرع الله تعالى ورسوله فقد شمله النهي الوارد في الآية الأولى من سورة الحجرات (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله). يقول الشنقيطي في أضواء البيان: "ويدخل في ذلك دخولًا أوليًا تشريع ما لم يأذن به الله، وتحريم ما لم يحرّمه وتحليل ما لم يحلّله لأنه لا حرام إلا ما حرّمه الله ولا حلال إلا ما أحلّه الله ولا دين إلا ما شرعه الله".
6. في قوله سبحانه وتعالى (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) ما يؤدي إلى توحيد مصدر التلقي وهو وحي رب العالمين وهناك فرق بين من مصدره وحي رب العالمين وبين من تعددت مصادر تلقّيه أو من اتّبع أهواءه. وهذا الأمر يعصم الفرد من الحيرة والتمزّق اللذين يفسدان حياته كما أنه عامل مهم في تجانس أفراد المجتمع.
7. عظم منزلة النبي صلى الله عليه وسلم ولذا لا ينبغي أن يُسبق بقول أو فعل أو عقل وهذا أدب يجب أن يراعى عند زيارته للنبي صلى الله عليه وسلم كما يجب أن يُراعى مع سُنته عليه الصلاة والسلام فلا يتقدم عليها إذا ما ثبتت.
8. مما يدخل في التقدم بين يدي الله ورسوله ما يفعله بعض الناس من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان وهي أشد أنواع التقدم وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال "فإنه من يعش منكم يرى اختلافًا كثيرا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضّوا عليها بالنواجذ" فالدين قد اكتمل ولا مجال للعقول أن تستدرك على الشرع.
9. ومما يدخل في التقديم بين يدي الله ورسوله التسرع من بعض المتصدرين للفتوى فينبغي عدم التسرع والعجلة لأنهم موقِّعون عن رب العالمين وقد نُهوا عن التقدم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم كما ينبغي عدم إعمال الرأي فيما لا مجال للعقل فيه.

----------------------------------------

#تدبر_سورة_الحجرات

#هدايات_المقدمة

الآية(1) : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(1)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) .. 
في استفتاح السورة بهذا النداء الرباني لعباده- وفي كل النداءات الربانية الأخرى- مخاطبا فيهم الحس الإيماني, داعيا إياهم إلى تفجير طاقات الإيمان الكامنة بداخلهم حتى يسهل عليهم الإستجابة للتكاليف الصادرة من الملك عزوجل إليهم دون عنت أو مشقة .. 
هذا الإستفتاح يذكرنا بقيمة غرس شجرة الإيمان في القلب ورعايتها وعنايتها وصيانتها من كل الآفات الضارة حتى تؤتي أكلها وتثمر ثمرة شهية طيبة حلوة المذاق تتمثل في الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة .. ولذلك اهتم القرآن المكي(86 سورة تقريبا) بقضية الإيمان من خلال جولات متتابعة في الأنفس والآفاق .. آثار الأسماء الحسنى والصفات العلى في الكون والحياة .. مشاهد الآخرة .. وكل ذلك من أجل تأسيس قاعدة الإيمان الكبرى .. حتى إذا اكتمل البنيان تبعه الخضوع الكامل والإستسلام التام لله عزوجل في كل شئون الحياة- صغيرها وكبيرها- دون حاجة إلى جدال أواقتناع أو مماحاكات فارغة .. فمتى نتذوق طعم الإيمان؟ 
(وَاتَّقُوا اللَّهَ)
دعوة لاستحضار التقوى قبل الاقدام على أي قول أو فعل , فهي الميزان الدقيق الذي يقوّم النفس ويحد من شرورها وانحرافها عن الصرط المستقيم .. فالمؤمن لا يندفع ولايتهور فيما يغضب الله عزوجل , بل يحتاط ويفكر ويراجع نفسه فهو أشبه بمن سلك طريقا فيه أشواك فهو على حذر وتوق حتي يخرج منه سالما دون أن يُصاب بأذى أو مكروه .. وهذا هو سر التقوى.. والطريق إلى التقوى مفتاحه استحضار رقابة الله عزوجل وسعة علمه واطلاعه(إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
دكتور هاني درغام

----------------------------------------

#تدبر_سورة_الحجرات

#هدايات_المقدمة : 

تناسب مفتتح سورة الحجرات مع سورة الفتح

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1))

افتتاح سورة الحجرات بهذه الآية العظيمة والنداء الرباني لأهل الإيمان مرتبط أشد الارتباط بخواتيم سورة الفتح التي قبلها ومن أوجه الارتباط:

1. لما ذكر الله سبحانه وتعالى في أواخر سورة الفتح صفة النبي صلى الله عليه وسلم (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴿٢٩﴾) وبيّن محل النبي صلى الله عليه وسلم وعلو درجته بكونه رسوله الذي يُظهر دينه ناسب أن يفتتح سورة الحجرات بالأمر باحترام هذا النبي وتوقيره بالقول والفعل وألا يتركوا من احترامه شيئًا وعدم تقديم أمر مهما كان على أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿١﴾). 

2. الخطاب لأهل الإيمان في أول سورة الحجرات موجه لهؤلاء المؤمنين الذين آمنوا بالله عز وجل وأقرّوا بوحدانيته والذين ذكر صفاتهم في آخر سورة الفتح ومدحهم وهذا فيه دلالة على أن هؤلاء المؤمنين رغم صفاتهم التي زكّاهم بها رب العالمين عز وجل إلا أنهم ليسوا فوق النقد وليسوا معصومين عن الوقوع في خطأ أو أن يحبوا ولو في أنفسهم أن يتقدم أمر على أمر لأنهم ببساطة لا يعلمون الحكمة من وراء الأوامر الربانية التي يبلغهم إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن كان التنبيه هو لهذه الفئة من المؤمنين الخُلّص فهو من باب أولى لسائر المؤمنين الذين قد تدفعهم حميّتهم في بعض الأحيان لنصرة الدين أن يفكروا في تقديم أمر قد رأوه على أمر الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم. 

3. نبّه الله سبحانه وتعالى المؤمنين الذين امتدحهم في أواخر سورة الفتح، نبههم في أول سورة الحجرات إلى توقير النبي صلى الله عليه وسلم ونهاهم عن التقدم بين يديه فعطف النهي عن التقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم على التقدم بين يدي الله عز وجل ولا شك أن في ذلك تشريفًا ورفعة للنبي صلى الله عليه وسلم.

4. لما وصف الله سبحانه وتعالى المؤمنين بأنهم أشداء على الكفار ورحماء فيما بينهم وأورثهم حسن الثناء في الكتب المتقدمة (ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل) فإن الملك العظيم لا يذكر أحدًا في غيبته إلا إذا كان عنده محترمًا ووعدهم بالأجر العظيم فأمرهم في أول سورة الحجرات أن لا يفعلوا ما يوجب انحطاط درجتهم وإحباط حسناتهم (لا تقدموا).

5. أواخر سورة الفتح تضع الأسس التي يقوم عليها المجتمع الإيماني فوصف أخلاق الأفراد في هذا المجتمع وأخلاق قائدهم فناسب أن يفتتح سورة الحجرات بتوقير وبيان مكانة القائد في المجتمع لأن هذا القائد إنما يتبع المنهج الرباني الذي شرعه الله سبحانه وتعالى لخلقه وأمرهم بالسير عليه حتى يكونوا من الفائزين في الدنيا والآخرة. والفتح الذي تحقق والذي ذكرته سورة الفتح ما كان ليتحقق لولا أن هؤلاء المؤمنين وقّروا رسولهم وقائدهم صلى الله عليه وسلم وانصاعوا لأوامره راضين وقالوا لكل أمر أمرهم به سمعنا وأطعنا دون مناقشة أو تردد وهذا بعد فضل الله عز وجل ونصره لهم من أهم أسباب تماسك المجتمع الإيماني في مواجهة أعدائه، أن يكون لهم قائد يوجههم وأن ينقادوا لأمره راغبين واثقين غير مذبذبين.

6. جاء قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) بعد سورة الفتح التي سجّلت صلح الحديبية الذي خفيت حكمته على الجميع ما عدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان التقديم بهذه الحادثة بمثابة البرهان والدليل والحجة عليها. (الأساس في التفسير – سعيد حوى)

7. جاء في سورة الفتح (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴿٨﴾) وجاء النهي للمؤمنين في الآية الأولى ليبين لنا أدب الإيمان بالله تعالى وبالرسول صلى الله عليه وسلم وهو عدم التقدّم عليهما بشيء. (الأساس في التفسير – سعيد حوى)

8. ورد في سورة الفتح قول الله سبحانه وتعالى (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴿٩﴾) ثم جاءت الآية الأولى في سورة الحجرات تنهى المؤمنين عن عدم توقير أمر الله سبحانه وتعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)

------------------------------------

#تدبر_سورة_الحجرات

#هدايات_المقدمة
(الآيتان 2-3)
@إسلاميات
(من موسوعة التفسير الموضوعي بتصرف)

1. تكرر النداء في الآية الثانية للمؤمنين (يا أيها الذين آمنوا) فالإيمان هو أعظم أسس بناء المجتمع. جاء النهي الثاني للمؤمنين والتحذير عن مجرد رفع الصوت فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴿٢﴾) وبيّنت الآية أن هذا التجاوز وعدم التوقير الذي قد يظنه البعض بسيطًا إنما هو محبطٌ للأعمال. ونلاحظ كيف اختلف ختام الآيتين الأولى والثانية فالنهي الأول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿١﴾) ختم بأن الله سميع عليم سميع لأقوالهم عليم بأفعالهم وأحوالهم فعليهم بالتقوى حتى يرتدعوا وعليهم تفعيل الرقابة الذاتية بأن الله تعالى يسمع ويرى ولا يخفى عليه شيء. أما الثانية فختمت بالتحذير الشديد من أن تُحبط الأعمال والمؤمن حريص على أعماله يسعى بكل جهده لأن تكون مقبولة عند الله تعالى فلن يفرّط فيها بسهولة وهذا دافع له أن لا يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم لا في حضرته ولا في غيابه. 

2. وهذه التحذيرات والتنبيهات التي جاءت في بداية السورة إنما هي أساس لبناء المجتمع الإيماني الذي لا يتحقق إلا بعاملين: داخلي وخارجي، فالآيات الأولى تركز على العامل الداخلي للفرد المؤمن من تقوى الله عز وجل وتعظيم أمره وتوقير نبيه صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلًا وعملًا وستأتي آيات السورة التي تلي لتركز على بناء الفرد الخارجي من خلال آداب تعامله مع الآخرين في مجتمعه ومحيطه.

3. الآية الثالثة تبين مدى ارتباط اللسان بالقلب (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿٣﴾) وفيا إشارة إلى أن قلوب هؤلاء المؤمنين الذين يمتثلون للأوامر الربانية هي قلوب قد أعدّها الله سبحانه وتعالى لتكون مستودعًا ومستقرًا للتقوى.

4. تعدية الفعل (امتحن) باللام في قوله (للتقوى) مع أن الأصل في الفعل (امتحن) أن يُعدّى بالباء وفي هذا ما يشير إلى أن تلك القلوب قد امتحنت فعلًأ بالتقوى وقد نجحت في الامتحان فأصبحت قابلة للتقوى متجاوبة معها.

5. الآية الثالثة فيها بيان عظم منزلة الصحابة (أبو بكر وعمر رضي الله عنهما بحسب سبب نزول الآية) فقد امتدحهم الله سبحانه وتعالى لامتثاله لأمره فصاروا يتحدثون مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية بصوت لا يكاد يُسمع خشية أن يرفعوا أصواتهم أمامه صلى الله عليه وسلم تأدبًا معه وامتثالًا لأمر الله عز وجل.

6. من هدايات هذه الآية أنها تحث المؤمنين على عدم الاستهانة بأي قول أو عمل مهما كان مخافة أن يكون محبطًا للعمل وفي الحديث الصحيح: وإنَّ العبدَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ من سخطِ اللهِ، لا يُلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنَّمَ.

7. في قوله سبحانه وتعالى (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) ما يبرز التوبة كأساس من الأسس المهمة في بناء المجتمع. والتوبة وإن كانت أمرًا بين العبد وربّه عز وجل ولكن لها تأثيرًا معنويًا في حياة الأفراد ثم المجتمع. فالفرد لا يخلو من أن يقع في بعض الذنوب والمعاصي ومن أن يساوره بعض اليأس من الغفران والطمع حينًأ في العفو وإذا استولى القلق النفسي على الأفراد فصاروا إلى خوف مسرف أو يأس مفرط فإن المجتمع يصيبه الشلل أو الخلل. فالحكمة من التوبة أن يعلم العاصي أن له ربًا رحيمًا يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات فإن لم يكن هناك توبة لتمادى الظالم في ظلمه والباغي في بغيه لأنه يقنط من رحمة الله ومغفرته لزلاته ولصار المجتمع غابة يأكل فيها القوي الضعيف ويشيع الظلم والعدوان وأكل حقوق الآخرين فيضعف المجتمع.

-------------------------




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل