الحركة والحرف والكلمة في القرآن الكريم

الحركة والحرف والكلمة في القرآن الكريم

من برنامج تدبر مع القرآن - د. محمد داوود (قناة أهل القرآن يوميًا الساعة 9 صباحًا بتوقيت مكة ويعاد يوميًا الساعة 4.30 عصرا و8.30 مساء)

(تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا)

نتدبر مع القرآن، مع العظمة، مع البيان القرآني مع روائع البيان القرآني. من جوانب العظمة في القرآن الكريم أن العظمة والتفرد والبيان في القرآن الكريم أن العظمة والتفرد البيان يكون على مستوى الحركة ومستوى الحرف ومستوى الكلمة. البعض قد يستغرب ويقول الحركة في كل لغة، في القرآن وخارج القرآن ويقول أيضًا الكلمة هي الكلمة داخل القرآن وخارج القرآن والمخارج هي المخارج داخل القرآن وخارج القرآن فهل في هذا تكلف منا؟ نقول لا، السر ليس في ذات الحركة ولا ذات الحرف ولا ذات الكلمة. مثلًا التراب مادة نعرفها كلنا يأتي المهندس فيبني منها مادة يبني بها قصرًا ويأتي الفلاح البسيط يبني بها بيتًا بسيطًا من الطوب، الفرق بينهما المهارة في الصنعة، ثم يأتي الخالق سبحانه وتعالى فيخلق من هذا التراب إنسانا كرّمه وسخّر له ما في السموات وما في الأرض. مادة التراب واحدة وكذلك مادة اللغة واحدة، الحركة، الحرف الكلمة، والسر في كيفية الاستعمال وكيفية الاستخدام. العظمة في أن القرآن استعمل واستخدم هذه الحركات التي يستخدمها العرب لكن استخدمها على نحو معجز، واستخدم هذه الحروف التي ينطق بها العرب لكن القرآن استخدمها على نحو عظيم معجز والقرآن استعمل واستخدم الكلمات والآيات لكن على نحو معجز. هذا هو الفرق، مادة التراب واحدة، مادة اللغة واحدة لكن كيف استعمل القرآن هذه الحركات وهذه الحروف وهذه الكلمات؟ هنا تكمن العظمة.

الكلمة القرآنية: باسقات - نضيد

حين نقرأ سويًا قول الله عز وجل (وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ (10) ق) النخل بهذا الارتفاع والشموخ يعبّر القرآن في وصفها (بَاسِقَاتٍ) ألف المدّ هنا تناسب هذا الارتفاع وهذا كلام الحكيم كله حكمة (بَاسِقَاتٍ). في مقابل لما وصف ربنا جلّ وعلا الطلع الممتلئ بما بداخله يقول (لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ) الضاد من الحروف المفخمة المتميزة في اللغة العربية، امتلاء الفمّ بحرف الضاد وفخامته إنما هو مناسب لامتلاء الطلع. حتى صفات الحروف تأتي موافقة للمعاني التي يعبر عنها القرآن ولن تجد هذا بصور مطردة إلا في القرآن الكريم.

تؤزّهم- هزّي

حين يقول ربنا سبحانه وتعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ﴿٨٣﴾ مريم) الهمزة حرف شديد انفجاري (تؤزهم) في مقابل يقول الله سبحانه وتعالى في مقام اللطف والحنان للسيدة مريم (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ﴿٢٥﴾ مريم) هناك تؤزّهم وهنا هزّي والفرق بين الهاء والهمزة هو الفرق في المعنى بين اللطف والحنان في (هزي) لمقام يتناسب مع حال مريم ومقام يتناسب مع ما أحاط بها من قدر ومن ظروف في حين أن (تَؤُزُّهُمْ) في سياق الشدة والعنف مع الشياطين. فانظر إلى القرآن، الحرف وصفات الحرف تتناسب مع المعنى.

يتمطى

هذه شواهد وأمثلة هذا غيض من فيض. لما ننظر إلى قوله تعالى (ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ (33) القيامة) الطاء حرف مفخم والتفخيم مناسب للدلالة على التعالي والكبر والغرور ثم نأتي إلى حرف المدّ (يَتَمَطَّىٰ) يناسب حركة محاولة التعالي والتكبّر على الآخرين فالقرآن على نحو متميز بهذه العظمة يستخدم الحركات وصفات الحروف لتأتي موافقة للمعاني التي يريد أن يعبر عنها ولن تجد هذا بصورة مطردة إلا في القرآن الكريم

الحركة في القرآن الكريم: عيونًا، بماءٍ

ماذا عن الحركة؟ الفتحة والضمة والكسرة؟ في القرآن عظمة وتميز في الحركة. انظر إلى قول الله سبحانه وتعالى (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) القمر) الفتحتان (عُيُونًا) تفجير الماء من الأرض يكون بصعود الماء إلى أعلى فتأتي الفتحتان لتناسب صعود الماء إلى أعلى في مقابل (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ (11) القمر) (بِمَاءٍ) المطر يكون من أعلى إلى اسفل فجاءت الكسرتان لتناسب حركة ماء المطر من أعلى إلى أسفل فقال ربنا سبحانه وتعالى (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ). انظر إلى التناسق والتوافق بين الحركة وبين المعنى والتناسق والتوافق بين الحرف وصفات الحرف وبين المعنى.

الكلمات القرآنية: زحزح - زلزلت

ننظر إلى وجه آخر في الكلمات القرآنية يقول ربنا سبحانه وتعالى (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ (185) آل عمران) زحزح لن تجد كلمة في اللغة العربية تتوافق وتعبر بهذا التعبير البليغ العظيم عن معنى الإبعاد والتنحية عن النار (زُحْزِحَ). وتكرار الحروف الزاي والحاء تعبر عن معنى الزحزحة الذي يكون شيئًا فشيئًا ويستخدم القرآن تكرار الحروف في (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) الزلزلة) أيضًا الهزات الشديدة في هذا السقوط وهذا الزلزال إنما يعبر عنه تكرار الحروف على هذا النحو.

ثم نأتي إلى مسألة أخرى في التعبير القرآني واستخدامه لهلذه الأمور وهو مثلًا حين يبيّن ربنا سبحانه وتعالى (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (286) البقرة) لماذا اكتسبت هنا؟ تاء الافتعال تأتي في القرآن الكريم لتعبّر عن دلالة ما فيه مزيد بذل الجهد أو دلالة ما فيه مشقة أو دلالة ما فيه شيء من الزيادة في المعنى، لأن الزيادة المبنى تعبر عن زيادة المعنى فجاءت تاء الافتعال في القرآن الكريم لتعبر لنا عن هذا البيان. فمن هنا يبين لنا القرآن بأن الوقوف على هذا الظواهر اللغوية وهذا الإبداع وهذه الروعة في البيان إنما يصل بنا إلى حقيقة تميز القرآن وتفرده تميّزًا يصل إلى حد الإعجاز في الجانب الصوتي الذي يعبر عن المعنى وأيضًا في جانب المخارج وجانب الحركات وجانب الكلمات وحتى الفاصلة في القرآن الكريم.

الفاصلة القرآنية

في الشعر حين نأتي إلى القافية وتتغير وتخالف القاعدة فيقولون هذا ضرورة شعرية لكن القرآن حينما يأتي للتناسق الصوتي في رؤوس الآيات فإنه له قيمة صوتية وله وظيفة دلالية. حين يقول ربنا (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴿٥﴾ الفاتحة) الترتيب على مقتضى الظاهر أننا نستعين بالله قبل العبادة لنعبد الله فلم قدّم إياك نعبد على إياك نستعين؟ يأتي علماء البلاغة ويقولون لتتوافق رؤوس الآيات حتى تكون روؤس الآيات متناسقة فيما بينها، لكن مع هذا التناسق وظيفة دلالية قالها ابن مسعود في تفسيره وبيّن أن الله سبحانه وتعالى قدّم الأشرف والأهمّ وهو العبادة على الوسيلة فكان هذا من باب تقديم الأشرف والأفضل على الوسيلة فقال (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) قدّم المقصد والأشرف والأعلى على الوسيلة (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).

إذن كل حرف، كل كلمة، كل حركة، إنما جاءت على هذا التناسق البديع في القرآن الكريم  سبحان من هذا كلامه سبحان من هذا بيانه وعلى المؤمن الواعي الفاهم أن يدقق وأن يسأل أهل العلم ليفهم هذه الأمور.

تحويل تاء الافتعال إلى طاء مفخّمة

من الشواهد على هذه المعاني لما بين ربنا سبحانه وتعالى حال أهل النار قال (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا (37) فاطر) ما أصل كلمة يصطرخون؟ صرخ، وحين نريد أن نبالغ في صرخ وأن الصراخ قوي للغاية نضع تاء الافتعال (يصترخون) لكن القرآن يريد أن يعبّر على أن تاء الافتعال غير كافية للتعبير عن شدة الصراخ فيحول التاء المرققة إلى طاء مفخمة (يَصْطَرِخُونَ فِيهَا) ليعبِّر عن شدة الصراخ، انظر إلى هذه العظمة القرآنية في التعبير القرآني,

 

(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا (132) طه) أساسها صبر، لم يقل واصبر عليها يريد أن يبالغ في معنى الصبر بأن الإنسان سيتحمل المشقة ويحاول المرة بعد المرة فلم يقل له واصتبر عليها بالتاء لكن حوّل التاء المرققة إلى طاء مفخمة ليفيد أن التحمل سيكون كثيرًا ومبالغًا فيه. هذه حقائق ينبغي أن نقف عندها بكل الإجلال لنسبِّح جميعًا فنقول سبحان من هذا كلامه، ولا يعقلها إلا العالمون وما يذّكّر إلا أولو الألباب. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل