أثر القرآن الكريم في استقرار وبقاء ودوام اللغة العربية

أثر القرآن الكريم في استقرار وبقاء ودوام اللغة العربية

من برنامج تدبر مع القرآن - د. محمد داوود (قناة أهل القرآن يوميًا الساعة 8.30 صباحًا بتوقيت مكة ويعاد يوميًا الساعة 4.30 عصرا و8.30 مساء)

(تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا)

نتدبر جانبًا من جوانب العظمة لهذا الكتاب وهو أثر القرآن الكريم في استقرار وبقاء ودوام اللغة العربية، أثر القرآن على لغة القرآن، على اللغة العربية.

قرآءة تاريخية

التاريخ يشهد بأن هنالك لغات كانت في القديم مصاحبة للغة العربية كانت تعيش جنبًا إلى جنب مع اللغة العربية، اللغة الفينيقية لغة أهل لبنان قديمًا، اللغة الآشورية لغة أهل بابل، اللغة الهيروغليفية لغة أهل مصر قديمًا، أين هذه اللغات؟ ماتت واندثرت هذه اللغات بموت أهلها وعلى مستوى العالم هنالك لغات ارتبطت بكتب مقدّسة غير القرآن انحسر وجودها بضعف أهلها وصارت داخل جدران المعابد وعلى جدران المعابد فقط اختفت فلم تعد في الحياة على ألسنة الناس وبقي القرآن الكريم ولغة القرآن أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان لأنها نالت من بركات هذا الكتاب، هذا القرآن وسجّل الله عز وجل في قوله قصة الخلود وسبب هذا الخلود الذي لا يمكن بحال أن نُرجع خلود اللغة العربية إلى العرب لأن العرب خلال القرون وخلال التاريخ مروا بفرتات ضعف وفترات تراجع واللغة بأهلها قوة وضعفًا، الدول والأمم الضعيفة لغاتها ضعيفة والأمم القوية لغاتها قوية، اللغة ترتبط بأهلها قوة وضعفًا، فالعرب مروا بفترات من الضعف والهوان فبقاء اللغة العربية بهذا الخلود وهذا الاستمرار وهذا الاستقرار لا يعود إلى العرب بحال من الأحوال ولكن يعود كما بيّن ربنا سبحانه وتعالى في قوله (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴿٩﴾ الحجر) وتدبر قول الله عز وجل (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) ولم يقل ربنا في القرآن "إنا نحن نزّلنا القرآن" مع أن الحديث عن القرآن لكن ربنا استخدم واستعمل كلمة الذكر لأنها تتناسب وتتناغم وتتلاصق مع المعنى المراد في الآية وهو معنى الحفظ ومعنى البقاء فالذكر دوام الحضور الذهني ودوام الحضور والذكر اللساني مناسب لقوله تعالى (لَحَافِظُونَ). ثم نجد أن ربنا سبحانه وتعالى في كلمة (لَحَافِظُونَ) جاء باسم الفاعل الذي يدل دلالة واضحة على الحاضر وعلى المستقبل ليفيد أن هذا الخلود كان وهو كائن وسيكون إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴿٩﴾) بالإضافة إلى أدوات التوكيد في الآية: اسمية الجملة، توكيد (إنّ) كل هذا يؤكد هذه الحقيقة، حقيقة الخلود لهذا الكتاب وللغة التي نزل بها هذا الكتاب.

قرآءة بحثية علمية

بعد هذه الحقيقة التاريخية وبعد تأمل هذه الآية التي تشهد بالعظمة لهذا الكتاب ننتقل إلى مجال البحوث العلمية الموثقة. أول بحث هو بحث عربي إسلامي أُنجز بواسطة عالمين فاضلين: الأول عالم لغوي هو المرحوم أستاذنا الدكتور عبد الصبور شاهين عاونه عالم من علماء الحاسوب (الكمبيوتر) الدكتور حلمي يوسف في دراسة احصائية عن جذور الكلمات العربية في أكبر معجم عربي لغوي هو معجم تاج العروس مقارنة بجذور كلمات القرآن الكريم وكانت الدراسة المدهشة لهذه الدراسة الإحصائية العلمية أن القرآن الكريم اصطفى خمسة عشر في المائة من مجموع جذور العربية وهي أيسر الجذور فالأعمّ الأغلب من هذه الجذور كلمات القرآن الكريم ثلاثية يكون فيها اليسر والسهولة والألفاظ التي اختراها القرآن الكريم أصواتها تتآلف ليس بينها تنافر، اختارها القرآن وكتب لها شهادة حياة لا بل قل شهادة خلود ودوام بقاء وهي التي نستعملها أما الخمسة وثمانين في المائة من جذور كلمات العربية التي لا تُستعمل في حياتنا اليوم داخل صفحات المعجمات لكن ليست حيّة على الألسنة. إذن الكلمات التي جاءت في القرآن الكريم هي التي تُستعمل وهي التي كتب لها شهادة خلود وشهادة حياة، في حين أن الكلمات التي لم يستعملها القرآن ظلت حبيسة المعجمات لا تستعملها الألسنة فأصبحت مهجورة وهذه نسبة كبيرة جدًا. ولما جئنا بهذا البحث إلى صفحات الجرائد المعاصرة، الروايات، الكتابات المعاصرة، حتى للكتابات التي تهاجم القرآن لنرى نسبة كلمات القرآن في هذه الكتابات فوجدنا أن هذه الكتابات لا تخرج عن كلمات القرآن إلا بمقدار اثنين في المائة، القرآن مهيمن! حتى الذين يهاجمون القرآن يستخدمون كلمات القرآن، هذه دراسة علمية تعاون فيها عالمان فاضلان فأنجزوا لنا هذه الدراسة فسبحان من هذا كلامه!

ننتقل إلى دراسة أخرى، هذه الدراسة ليست عربية وليست عن اللغة العربية ولكنها تتصل بموضوعنا، بموضوع خلود اللغة العربية ولكنها دراسة لعماء اللغة الإنجليزية لغة العلم لغة الاقتصاد اللغة المهيمنة في العالم الآن، لغة الوظائف والعلم والبحوث. هذه اللغة في مجلة نيوزويك الأميركية باللغة العربية في عدد مارس 2005 قدّمت بحثًا لعلماء اللغة الإنجليزية لدراسة واقع اللغة الإنجليزية على مستوى أفقي مستوى المكان في أوروبا، في أميركا، في افريقيا، في آسيا، وعلى مستوى رأسي على المستوى الزمني فخرجوا بملاحظتين:

·         أن اللغة الإنجليزية، لغة الهيمنة، لغة العصر، لغة العلم على مستوى المكان تعاني من تغيرات كثيرة جدا ويمكن أن نشاهد هذه الرسمة التي صنعها علماء اللغة الإنجليزية حتى نرى هذه التجمعات والاختلافات الشديدة التي بينها على مستوى المكان فالإنجليزية تُنطق ولها قواعد في بريطانيا تختلف وتسجل في الكتب عن أميركا والتغير متلاحق ومستمر. اللهجة وطريقة النُطق مختلفة في آسيا عن افريقيا، علماء الإنجليزية هم الذين يقررون ذلك.

·         على مستوى الزمن وجدوا أن اللغة الإنجليزية سريعة التغير لدرجة أن اللغة الإنجليزية من ثلاثمائة سنة لا يستطيع الإنجليزي المعاصر أن يفهم ما كُتب باللغة الإنجليزية من ثلاثة قرون لدرجة أنهم أعادوا صياغة روايات شكسبير إلى لغة إنجليزية معاصرة لأن الإنجليزي المعاصر لا يستطيع أن يفهم ما كُتب بالإنجليزية من ثلاثة قرون.

وهنا يحق لنا أن نسأل البشر على الكوكب الأرضي كله: ما بالكم في لغة من أكثر من أربعة عشر قرنًأ من الزمان وأنت تقرأ (وَالْعَصْرِ ﴿١﴾ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿٢﴾ العصر) بهذا الوضوح وتقرأ قول النبي صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات" وأزعم أن من يقول اشرح هذا الحديث أو هذه الاية أن شرحه وكلماته لا تصل إلى وضوح كلمات القرآن ولا كلمات السنّة. ما هذا الوضوح الخالد والتيسير الخالد لأكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان.

 

قصة الخلود للغة العربية في حين هذا التغيّر السريع وأهل اللغة الإنجليزية يقولون في فرضية علمية هل نحن أمام لغة جديدة كما تغيرت اللاتينية من قبل لى مجموعة اللغات الأوروبية؟ هل ستتغير الإنجليزية؟ ما سرّ بقاء العربية؟ سبب واحد (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴿٩﴾) أثر القرآن الكريم في بقاء اللغة العربية التلقي الشفاهي حين تسمع من شيخ متقن تتلقى القرآن من شيخ متقن تتواصل السلسلة إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كما قال شيوخنا من السلف الصالح رحمهم الله أنني حين أتلقى القرآن وأنطقه من شيخي الذي تلقى عن شيخه إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنني أشعر أنني أحاكي نُطق رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلاوته للقرآن كما تلقاها عن جبريل عليه السلام. إنها العظمة، إنه الخلود وهذا الخلود وتلك العظمة لم تنبع من فراغ ولكن من بركات قول الله عز وجل (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴿٩﴾) لولا القرآن ما كانت العربية وما يعقلها إلا العالمون وما يذّكر إلا أولو الألباب.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل