الدقة في المفردة القرآنية على المستوى الدلالي-5

الدقة في المفردة القرآنية على المستوى الدلالي

من برنامج تدبر مع القرآن - د. محمد داوود (قناة أهل القرآن يوميًا الساعة 8.30 صباحًا بتوقيت مكة ويعاد يوميًا الساعة 4.30 عصرا و8.30 مساء)

(تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا)

الرجاء والتمني

في رحلة التدبر لكلمات القرآن الكريم نقف عند كلمة الرجاء وكلمة التمني بينهما تقارب دلالي كبير، هنالك قدر مشترك من المعنى يجمع بينهما. الرجاء في اللغة الأمل في الشيء وهو في لغة القرآن وآيات القرآن بمعنى ترقّب وتوقّع ما فيه مسرّة يقوم على الظنّ لا على الوهم. في حين أن التمني إنما يأتي من التخمين ويعتمد في سياقاته فيه دلالة الكذب وتمني ما فيه وهْم وما لا حقيقة له وقد لا يمكن حصوله. نستشف هذه المعاني من آيات القرآن الكريم:

قول الله عز وجل (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ (218) البقرة) أخذوا بالأسباب وقدموا من الأعمال الصالحة ما حدثتنا عنه الآية إيمان وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله، نيّة خالصة (أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) إذن الرجاء هنا واضح أنه يقوم على توقع بسبب ما قدموا من أعمال وبسبب علمهم أن الله عز وجل لا يضيع عنده أجر عامل ولا يضيع عنده من النوايا الصادقة والثناء عليه شيء من هذا أبدًا.

يقول الله عز وجل (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٩٤﴾ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴿٩٥﴾ البقرة) التمني هنا لا يقوم كما قام الرجاء على أعمال صالحة وإنما يقوم على أمور لا تتحقق بشأنهم. ومن هنا جاء التمني في السياق القرآني يرتبط بمعنى الكذب والاختلاق والآمال الباطلة التي لا دليل عليها ويؤكّد هذا قول الله عز وجل في آية سورة الحج (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٥٢﴾ الحج) ارتبط التمني هنا بوعود الشيطان وإضلاله لمن اتبعه، فانظر إلى الفرق بين الرجاء الذي كان فيه توقع حصول مسرة بسبب ما قدم من أعمال طيبة وأملًا فيما عند الله من خير وبين التمني بوعود الشيطان وهذه الأكاذيب والأباطيل. لذلك الرجاء يقوم على غلبة الظن لا على غلبة التوهّم في حين أن التمني يكون لصيقًا بمعنى الكذب والاختلاق والأوهام ويأتي مرتبطًا بالآمال الباطلة التي منها وعود الشيطان لأتباعه ومن هنا جاء الرجاء في أغلب السياقات القرآنية محمودًا وجاء التمني في أغلب السياقات مذمومًا.

طفل – أطفال

في رحلة التدبر لكلمات القرآن الكريم، القرآن يفرق في الاستعمال بين كلمة طفل وأطفال حيث يعبّر بطفل عن الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، صغار، فجاء بلفظ المفرد. وعبّر بكلمة أطفال للدلالة على الأطفال الذين بلغوا الحلم حين يقول ربنا سبحانه وتعالى (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٥٩﴾ النور) فكلمة الأطفال هنا إنما تشير وتدل على الأطفال الذين بلغوا الحلم. في حين أن الله عز وجل حين ذكر في سورة الحج (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا (5) الحج) في هذا السياق مراحل الخلق والتكوين (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) جاء بلفظ المفرد (طِفْلًا) للتعبير عن الأطفال الصغار الذين لم يبلغوا الحلم، وهذا من الدقة والإحكام في استعمال الكلمة القرآنية والمفردة القرآنية فسبحان من هذا هديه وبيانه، سبحان من هذا كلامه!

بَعُد - بَعِد

وفي رحلة التدبر يلفت انتباهنا هذا الاستعمال المدهش ولعجيب لاختلاف صيغة الفعل في القرآن (بعِد وبعُد) بينهما فرق كبير في المعنى في الاستعمال القرآني. في اللغة الدلالة على البُعد بأي نوع من الأنواع لكلا الكلمتين بعُد وبعِد، لكن في الاستعمال القرآني حين نتدبر قول الله تبارك وتعالى (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا) عرضًا أي غنيمة أو مكسبًا قريبًا (وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ) والآية في شأن من تخلّفوا عن تبوك واستأذنوا أنهم أصحاب أعذار فنزل فيهم قول الله عز وجل (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ وَلَٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ (42) التوبة) أي المسافة، بعدت عليهم المسافة إلى الشام فبعُدت هنا للدلالة على البُعد المكاني، بُعد المسافة. في حين أن الله عز وجل حين يبين في آية أخرى (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا) والآية التي قبلها تبين المعنى (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴿٩٤﴾ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا) لما أخذت الصيحة الذين ظلموا كأن لم يغنوا فيها لم يعيشوا في هذا الرغد وهذا الغنى وهذا النعيم (أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴿٩٥﴾ هود) بعِدت وليس بعُدت، بعِدت ثمود هنا بمعنى البُعد المفضي إلى الهلاك أي كما هلكت ثمود فجاء بعُد للدلالة على بعد المسافة والمكان وجاء بعِدت للدلالة على معنى الهلاك بعذاب من الله سبحانه وتعالى.

تفسّحوا – افسحوا

هذا من بديع لغة القرآن الكريم ونواصل رحلة التدبر لكلمات القرآن الكريم فيستوقفنا في اختلاف صيغة الفعل فسح وتفسّح في آية واحدة في القرآن في سورة المجادلة يقول ربنا سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا) بالتشديد (فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ) تفسّحوا أن يُفسح بعضهم لبعض بالتقارب وأن يلين بعضنا في يد بعض فيه بذل جهد ومشقة بنوع ما، بوجه ما، لذلك جوزي من فعله بالسعة من أمر الله سبحانه وتعالى. لكن (فَافْسَحُوا) ليس فيه معنى التكلّف وليس فيه معنى المشقة (يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ) فالقرآن يفرّق بين الفعل المشدّد والفعل غير المشدّد الذي جرى على عادته والتضعيف فيه زيادة للمعنى وفيه تقوية للمعنى وفيه دلالة على بذل الجهد وبذل المشقة ففيه زيادة في الثواب كما تبين الآيات.

 

رحلة نحتاج أن نتواصل فيها حتى نصل ونقف على روعة البيان القرآني وعلى دقة وإحكام الكلمة القرآنية وسبحان من هذا كلامه ولا يعقلها إلا العالمون ولا يذّكر إلا أولو الألباب.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل