آية غيرتني - (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴿٤٥﴾ البقرة)

آية غيّرتني

د. رقية العلواني

(تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا)

الصبر

(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴿٤٥﴾ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿٤٦﴾ البقرة)

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

من الملفت للنظر أن الأشياء التي نحتاج إليها في حياتنا وفي آخرتنا أشياء في كثير من الأحيان لا علاقة لها بما يُباع ويشترى في أسواق الدنيا، ولا نجدها في أسواق الدنيا ولكننا نجدها في تدبرنا لآيات الكتاب العظيم كتاب الله سبحانه وتعالى يقول فيه (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴿٤٥﴾ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿٤٦﴾) مواقفنا الحياتية، ما يعرُض لنا من أمور، ما يصيبنا في بعض الأحيان من هموم وربما حتى من أفراح، سيرنا في هذه الأرض لأداء مهمة الخلافة لا يمكن أن يتم إلا من خلال الصبر، الصبر الذي يعطيني دفعة إلى الأمام الذي يعطيني القدرة على التحمل، القدرة على مواصلة السير القدرة على مواجهة الأمر القدرة على إحسان التعامل معها، القدرة على تقديم العمل القدرة على التضحية في بعض الأحيان حين أحتاج لذلك. والصبر القرآن يقدم لي الوصفة التي أستجلب بها الصبر، الصبر الذي لا أجده في اسواق الدنيا، الصبر الذي لا يمكن أن أجده بعيدًا عن كتاب الله سبحانه. تأملوا في قول الله عز وجل (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) أمران يستجلب بهما الصبر الذي أحتاج إليه: الصلاة واستشعار واستحضار لقائي بالله سبحانه وتعالى. والعجيب أن الصلاة في أصل حقيقتها إنما هي وقوف العبد بين يدي الله سبحانه وتعالى لقاء بين العبد وربه، صلة بين الإنسان وخالقه. وهذه الصلة تستحضر معها أمرًأ آخر كلما وقفت بين يدي الله سبحانه لأكبّره وأمجّده وأعظّمه وأثني عليه بما هو له أهل، كلما استحضرت شعوري وأنا أقف بين يديه سبحانه بعد انتهاء وقتي وزمني على هذه الأرض، هناك في الآخرة حيث الموقف الذي لا عمل فيه وإنما هو الحساب والجزاء. واستحضار الوقوف بين يدي الله يوم القيامة الذي تجدده الصلاة وتفرضه على الإنسان المؤمن وهو يقف متأملًأ متخضّعًا بين يدي خالقه عز وجل مستحضرًا أنه كما يقف اليوم في الصلاة سيقف غدًا بين يدي خالقه حيث الحساب والجزاء. هذه المعاني تولّد الصبر والتحمل، تولّد لذة للصبر، الصبر مرٌ بطبيعته لأنه يُكره الإنسان على أن يتحمل شيئًا لا يروق له في أبسط معانيه. ولكن ما يجعل للصبر طعمًا آخر هو استحضار الوقوف بين يدي الله سبحانه، استحضار أني في نهاية مسيرتي على هذه الأرض وفترة بقائي فيها بحلوها ومرّها أنا راجع إلى الله سبحانه وتعالى أنا له في كل أحوالي، أنا له حين يعطي وحين يمنع، أنا له حين أكون صحيح البدن، معافى في بدني ونفسي وحين أكون قد تعرضت لمرض أو لابتلاء في نفسي أو في جسدي أو في مالي أو في أولادي، أنا في كل الأحوال له، إنا لله وإنا إليه راجعون. وحين أستحضر أني إذا تحمّلت وصبرت وتقبلت ما جاء به القضاء والقدر من أمور في نفسي لا أملك لها ردًا وإنما هي قضاء من الله وقدر قدّره عليّ سبحانه بلطفه ورحمته وحكمته التي لا أعلمها ولربما تكشّفت لي بعض الجوانب فيها في وقت لاحق. حين أستحضر أن الصابرين يوفّي ربي سبحانه وتعالى لهم الأجر بغير حساب حين يلقونه يهون عليّ طعم الصبر المرّ، تتبدد تلك اللحظات التي أشعر فيها بشيء من المرارة وأنا أتجرّع الصبر (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10) الزمر). أنا مهما سرت قريبًا أو بعيدًا في ميدان الحياة سأذهب إلى أين؟! لن أذهب بعيدًا عن الله سبحانه وتعالى، أنا راجعة له (إنا لله وإنا إليه راجعون). كلما استحضرت هذه المواقف مرة بعد مرة وجددت الإحساس فيها من خلال الصلاة استجلبت الصبر القدرة على أن أكون إنسانًا أقوى ونحن بحاجة إلى أن نكون أقوى. والقوة ليست مجرد القوة الجسدية أعظم زاد للقوة القوة المعنوية، القوة في نفسك، أن تكون قويًا في نفسك وذاتك، قويًا في صبرك، قويًا في تحملك للأمور. يمكن أن يكون الإنسان قويًا في البدن ولكنه ضعيف في النفس ضعيف في جانب القوة المعنوية، هذه القوة لا تُستجلب إلا بالصبر والتحمل، وهذه القوة إذا أردنا أن نجددها في نفوسنا نحتاج إلى الصلاة، نحتاج إلى تجديد العهد مع الله سبحانه واستشعار لذة الوقوف بين يديه وعظمة أن الله عز وجل يوفينا الأجر بغير حساب.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل