الدقة في المفردة القرآنية على المستوى الدلالي-4

الدقة في المفردة القرآنية على المستوى الدلالي

من برنامج تدبر مع القرآن - د. محمد داوود (قناة أهل القرآن يوميًا الساعة 8.30 صباحًا بتوقيت مكة ويعاد يوميًا الساعة 4.30 عصرا و8.30 مساء)

(تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا)

المطر والغيث

في سياق تدبر ورحلة التدبر لكلمات القرآن الكريم يستوقفنا استعمال القرآن وتمييزه بين كلمة الغيث وكلمة المطر. الغيث في اللغة مطر، والمطر هو الماء المُنسكِب النازل من السحاب يعني في عموم الاستعمال اللغوي يقع الترادف بين الغيث والمطر. أما الاستخدام القرآني فإنه يميّز بين الغيث وبين المطر وحين نتدبر الآيات التي وردت فيها كلمة الغيث قال الله تعالى في سورة لقمان (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿٣٤﴾) والله سبحانه وتعالى يقول في سورة الشورى (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا) سياق النعيم والتفضّل (وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ﴿٢٨﴾) إذا جاءت كلمة الغيث في سياق النعيم والتفضّل الإلهي بالمطر النافع المخصّب للأرض والنبت، سياق إيجابي، سياق نافع، مطر نافع يخصِّب الأرض ويساعدها على الإنبات.

في مقابل أن كلمة المطر إنما جاءت في سياقات استخدُم فيها العقاب الإلهي للطاغين والمفسدين، استخدم المطر فيها عقابًا إليهًا للمفسدين والطغاة من ذلك قوله تعالى في سورة هود (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ (74) الحجر) هذا عقاب، هذا عذاب. وقوله تعالى في سورة الشعراء (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ۖ فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ (173)) ومن هنا يتبين أن المطر جاء في هذه الآيات حجارة من السماء أهلكت هؤلاء الطغاة والمجرمين في حين أن الغيث جاء في معنى الخير والنفع والخَصْب وسبحان من هذا كلامه وهذا هديه وبيانه!

التفرّق والتنازع

في رحلة التدبر لكمات القرآن نقف عند كلمة التفرّق وكلمة التنازع، بينهما تقارب دلالي كبير. التفرّق في اللغة انفصال الشيء عن الشيء وتميّزه وهو ضد الاجتماع، اجتمع وتفرّق، تفرّق أي انفصل الشيء عن الشيء وتباعد.

التنازع في اللغة مأخوذ من الجذب هذا يأخذ بطرف وهذا يأخذ بطرف آخر، تجاذب في الحُجج وتجاذب وتدافع في الآراء.

في القرآن الكريم ورد لفظ التفرق بهذه الصيغة (ولا تفرقوا) ثماني مرات منها قول الله تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا (103) آل عمران) وقوله (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ (105) آل عمران) وقوله تعالى (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ (130) النساء) وقوله تعالى (وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ (153) الأنعام) فالتفرّق هنا معناه زوال الأُلفة والاجتماع ونشوب البغضاء والاختلاف والعداوة وقد يكون كما ورد في آية الأنعام اتباع الأهواء والشهوات وتباعد عن الدين وعن صراط الله المستقيم أو أن يفارق كما جاء في آية النساء (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ) يعني أن يفارق كل صاحب صاحبه الزوج والزوجة كل منهما يفارق الآخر فالتفرق قد يكون جسديًا ماديًا وقد يكون معنويًا في الآراء، اختلافات، تفرقًا يؤدي إلى البغضاء والعداوة أو الاختلاف في أصول الدين واتباع الشهوات والأهواء كل هذا تفرّق.

في حين أن التنازع في السياق القرآني ورد في القرآن الكريم بهذه الصيغة (تنازع) سبع مرات كما ورد في قوله تعالى (حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ (152) آل عمران) (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (59) النساء) فالتنازع هنا بمعنى الاختلاف. والتنازع أيضًا قد يكون معنويًا في اختلاف الآراء والمذاهب وقد يكون ماديًا بمعنى التجاذب. إذن الجزء المشترك من دلالة الكلمتين هو معنى التنازع والتفرّق في حين أن التفرّق أقوى من التنازع لأن التفرّق فيه تشتيت للوحدة والجماعة إنما التنازع لم يحدث التفرق بعد، هو بداية ووسيلة يحدث بها التفرّق لكن التنازع لا يزال فيه شيء من الاجتماع، هناك اختلاف لكن لا يزال هناك شيء من الاتفاق. ومن هنا نخلص إلى أن التفرّق فيه ملمح الشِّدة الذي يفضي إلى العداوة والانفصال التام أما التنازع فهو بمعنى التجاذب وهو بداية قد تؤدي إلى التفرّق وكلاهما مذموم، التنازع مذموم والتفرّق مذموم أعاذنا الله من التفرّق وأعاذ أمتنا من التنازع.

الضلال والضلالة

في السياق نفسه تستوقفنا كلمات القرآن الكريم بشيء لافت للانتباه كلمة ضلال وضلالة. الضلال والضلالة في اللغة كلاهما مصدر للفعل ضلّ، يضلّ، ضلالًا وضلالة. الضلال ضياع الشيء وذهابه فالقرآن الكريم يفرّق في الاستخدام بين الضلال والضلالة. سيدنا نوح عليه السلام لما جاء قومه إليه بتهمة الضلال فأراد أن ينفي عن نفسه تهمة الضلال نتأمل معًا قول الله تعالى (قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (60) الأعراف) مجاوزة الحدّ والبعد عن الحق، فلما أراد سيدنا نوح عليه السلام أن ينفي الضلال عن نفسه قال كما حكى القرآن (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ (61) الأعراف) قال ضلالة ولم يقل ضلال لأن نفي اسم المَرّة أبلغ من نفي عموم الضلال كأن إنسان يأتي إليك ويقول مثلا ألك تمر، معك تمر؟ فتقول ما لي تمرة فلما تنفي أن معك تمرة واحدة بالتبعية ليس معك تمر، لكن نفي وجود تمرة واحدة أبلغ. حين تقول ليس معي تمر ربما يقول معك من التمر شيء قليل لا يُعدّ فأنت تنفي أن يكون معك شيء من التمر الذي يُعدّ ويعتدّ به لكن نفي ما جاء على اسم المرّة إنما يكون أبلغ في نفي الشيء لذلك قال نوح عليه السلام في هذا السياق (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ) وهذا من بديع لغة التنزيل ليبيّن أن نفي الضلالة إنما هو أبلغ في نفي كل نوع من الضلال، الأمر قاطع في هذا الشيء لنفي القليل والكثير والكلّ لأنها ضلالة تدل على المصدر واسم المرّة معًا وهذا من بديع لغة التنزيل فسبحان من هذا كلامه!

الأب والوالد – الأم والوالدة

 

نستمر في رحلة التدبر حين نتدبر كلمة الأب والوالد كلمتان متقاربتان في المعنى تجد أن القرآن الكريم يميّز بين الأب وبين الوالد في الدلالة القرآنية فالوالد يكون الأب المباشر الذي يكون الولد من صُلْبه أما الأبّ فكل ما كان سببًا في وجود الشيء أو رعايته أو ظهوره لذلك تُطلق الأب على الوالد المباشر وعلى غيره فقد يكون العمّ أب أو قد يكون أبوك في العلم أستاذك في العلم وهكذا تتعدد هذه المعاني. نتبين هذه الدلالات في قول ربنا سبحانه وتعالى (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ (78) الحج) الأبّ الأول، (قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا (170) البقرة) لكن القرآن حين يميّز في مسألة الوالد والأب المباشر فيقول (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (23) الإسراء) الأب المباشر الذي أنت من صلبه فالقرآن الكريم يميز بين الأب والوالد كما يميز بين الأم والوالدة فالوالدة هي التي حملت وولدت أما الأم عموم معناه الأم المرضعة، المرضعة أم والوالدة أم والتي ترعى وتعتني وتهتم أم، إذن الأم لها معنى عام وأما الوالدة فهي التي حملت وولدت. بهذه الدقة وبهذا الإحكام تكون كلمات القرآن الكريم فسبحان من هذا كلامه وما يعقلها إلا العالمون وما يذكّر إلا أولو الألباب.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل