زكّ صيامك - الحلقة 18

زكّ صيامك

الحلقة 18:

نعيش مع ختام آيات سورة الفرقان التي وصف تبارك وتعالى بها عباد الرحمن. نلفت النظر أن عباد الرحمن كلمة عليها يبكي العارفون ويحاولون أن يصلوا إلى صفات هؤلاء العباد. إذا قرأنا سورة الفجر (أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)) تقف حائراً أمام هذه الكلمة وذلك التوصيف (عبادي). وهذه كلمة تتكون من شطرين: عباد والياء التي تسمى ياء الإنتساب إلى الله تبارك وتعالى. فكّرنا قديماً من هؤلاء أصحاب النفس المطمئنة الذين لهم شرف الإنتساب إلى الله تبارك وتعالى (عبادي)؟ فتشت في القرآن الكريم فوجدت آيات سورة الفرقان (وعباد الرحمن) فلو حذفنا الياء من عبادي وبحثنا عن كلمة تكون في مكانها فلم نجد إلا الرحمن، إذن عبادي هم عباد الرحمن الذين لهم شرف الإنتساب إلى الله تبارك وتعالى يوم موتهم (لأن قوله تعالى في سورة الفجر : إرجعي إلى ربك ثم فادخلي في عبادي هي لحظة الموت ولم يقل يا أيتها النفس المطمئنة إعملي كذا ولكن قال إرجعي). هذا التوصيف يجب أن أبحث له عن توصيف في الدنيا لأن (عبادي) توصيف في الآخرة فوجدنا (عباد الرحمن) توصيف عبادي في الدنيا.

(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64)) هذه حالتهم، الناس تبات نائمة وهؤلاء يبيتون لربهم سجّداً وقياما وكلام أهل العلم هنا كلام طيب، هل يعقل أن عباد الرحمن يبيتون كل الليل ساجدين لله؟ نعم هؤلاء يبيتون كل ليلة ساجدين حتى لو قاموا بركعتين فقط ونام يعتبر مداوماً فكأنه يبيت ساجداً ولو سجد ركعتين فقط فكأن السجود صار حالة مداومة مع الله تبارك وتعالى فإذا كان نائماً فهو في حالة سجود. وساجد هنا بمعنى خاضع وعابد ويعرف أن الله تعالى واحد وهو المعبود وحده سبحانه وتعالى.

 

لما نسمع صفات عباد الرحمن قد نتوقع أن عباد الرحمن هؤلاء بهذه الصفات ملائكة تمشي على الأرض ولا يمكن أن يخطئوا، لكن هذا التوصيف بعيد عن منطوق الواقع في خلق الإنسان. فالإنسان جُبِل على المعصية فساعة خلق الله تبارك وتعالى آدم وحذّره من الأكل من الشجرة ونهاه عن الأكل منها والذي حصل توصيف بديع من الله تبارك وتعالى حتى نعرف على ماذا جُبِلأنا؟ نحن لسنا ملائكة ولا شياطين بل نحن وسط بين الملائكة الطائعين أبداً وبين الشياطين العاصين أبداً. وإذا أخطأنا شرع الله تبارك وتعالى لنا التوبة (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) طه) هذا هو آدم وهذه صفة أبناء آدم إلى يوم الدين. فمن بديع القرآن أن يعرض صفات عباد الرحمن حتى نظن أنهم ملائكة تمشي على الأرض ثم يقول تعالى أن احتمال الخطيئة واردة في حقهم (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69)) ولكنهم إذا أخطأوا لا تحصرهم المعصية لأنه إذا حصرتك المعصية دخلت في دائرة لن تخرج منها إلا إلى النار والعياذ بالله. إنما التوبة باب مفتوح لا يُغلَق كما جاء في الأحاديث: إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، والحديث الآخر: يتنزل الله تعالى في الثلث الأخير من الليل ويقول هل من تائب فأغفر له هل من سائل فأعطيه. لكن نسأل أنفسنا أين نكون نحن في الثلث الأخير من الليل؟ نيام. طوبى لمن إستيقظ على توبة بنيّة التوبة النصوح، توبة عباد الرحمن (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)) فإذا سألتم اليوم من هؤلاء الذين يبدّل الله سيئاتهم حسنات؟ إنهم عباد الرحمن (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)). أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا من أهل الجنة ويباعدنا من النار وأنصحكم ونفسي بقراءة سورة الفرقان.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل