زكّ صيامك - الحلقة 20

زك صيامك

الحلقة 20:

عندما يصل المسلمون للعشر الأواخر من رمضان يعيشون على أجواء التعلق بالعتق من النار لا بد أن يدركوا بعبق مشاعرهم أن البشر قبل رسالة محمد r لم يكونوا يعرفون النار ولم يكونوا يحرونها ولا يخافون منها وكانوا يقولون (إنما هي حياتنا الدنيا نموت ونحيا) فكانوا يتخبطون في دياجير الحياة وفروقها وفروعها فلما جاء الإسلام أوجد أمة تعرف أن تحذر عذاب الله (يرجون رحمته ويخافون عذابه) يريدون أن يرحمهم الله ويخشون أن يعذبهم لهذا خلق الله تعالى لهذه الأمة التعلّق بالعاقبة ويخافون ناراً تذيب من يسكن فيها. هذا المعنى ركزه الله تعالى في كل طائع. الذين يقولون لصلاة الليل ذكر الله تعالى عنهم أنهم يقومون خوفاً من النار وسوء العاقبة وطمعاً في جنة الله عز وجل. هذا ما خلقه الله تعالى في العبد. ولو تعلمون رحمة الله تبارك وتعالى وإلى أي درجة بلغت؟ بلغت إلى درجة أن عبداً من العباد يروى عنه أنه لما جاءه الموت قال لبنيه إحرقوا جسدي وفتتوه وذروه نصفه في البحر ونصفه في اليابسة لأنه لم يفعل خيراً قط في حياته وأن الله تعالى لو حاسبه سيعذبه عذاباً شديداً فأمر الله تبارك وتعالى الرماد أن يجتمع وجمع جسده ورد روحه وسأله: ما الذي حملك على أن تفعل ما فعلته؟ قال: مخافتك يا رب (الرجاء في النجاة من العذاب). هو لم يعمل خيراً قط لكن قلبه معلّق بأنه يخشى عذاب الله. فلما وجد الله تبارك وتعالى قلبه قد انطوى بصدق على خشية الله قال: علِم عبدي أن له إلهاً يأخذ بالذنب قد غفرت له. غفران الله تعالى يأتي من تعلق قلوب العباد أن الله غفار يعتق من النار.

أحد الصحابة عندما جاءه الموت قالت كلمة تزلزل قال: يا رب لقد عشت عمري كله أخافك ولكني اليوم أرجوك. إنقطع العمر وانقطعت الفرصة التي يمكن أن يتعلق بها بما عند الله تعالى. وهو الآن يرجو رحمة الله تعالى. وصدق رسول الله r في الحديث: "لا يجتمعان في قلب امرئ مسلم عند الموت إلا دخل الجنة: الخوف والرجاء". لذلك ألفتكم إلى حديث كان علماؤنا ومشايخنا يعلمونا إياه ويرددونه من أول رمضان ولكننا ننساه للأسف: "إستكثروا فيه (أي في رمضان) من خصال أربعة منها خصلتين لا غناء لكم عنهما: تسألون الله الجنة وتعوذون به من النار" فالإفتراض أن يكون المسلم طوال رمضان يردد مئات وآلآف المرات يقول: اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك، اللهم قني عذاب جهنم إن عذابها كان غراما، اللهم أنت الغني عن عذابي فلا تعذبني، اللهم أنا الفقير إلى رحمتك فلا تعذبني.

قلبي موصول متعلق بالعتق من النار. هذا التعلق في القلب الخاشع هو مفتاح العتق من النار. وقد روي أن الصحابة جاءوا رسول الله r يخبروه أن شاباً من صحابة النبي r حبس نفسه في بيته ويشعر بوحشة شديدة وبالكاد يخرج للصلاة وهو يهتز فأمر الرسول r أن يحضروه فجاء الشاب وارتمى في أحضان النبي r وهو يهتز ويرتج ويبكي ويتزلزل حتى مات فيما يروى بين يدي النبي وعلى صدره، فقال النبي r: إحملوا أخاكم فلقد فتّت الخوف من النار كبده ولقد نجّاه الله منها.

إن تعلّق القلب برحمة الله أن يعفو وأن يعتق وأنه الجواد الكريم الحليم الغفور أول خطوة نحو الرجاء في وجه الله عز وجل. اللهم فلا تحرمنا من رحمتك يا أرحم الراحمين والحمد لله رب العالمين.

 

(قدّم هذه الحلقة الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل