زكّ صيامك - الحلقة 21

زك صيامك

الحلقة 21:

العجيب إذا كنا نعيش في هذه الأيام والليالي أجواء الرجاء في العتق من النار، هي العشر الأواخر من رمضان فإننا نتذكر أن النبي r لما جاء بدعوته ما كان قبله يعرفون أن هناك جنة أو نار وإنما كانوا يقولون (إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر). جاء رجل إلى النبي r ومعه عظمة من عظام جثة ففتّها وذرّها في الرياح وقال: أتزعم أن هذه العظام والتراب يعودة مرة أخرى؟ فكان الأمر عجيباً على الناس فلما جاء الإسلام يركّز عند الإنسان أن هناك آخرة فيها جنة تمثّل نعيم الله عز وجل وفيها نار تمثّل عذاب الله عز وجل. كان هذا عقيدة يركزها الإسلام في حدود الناس.

حدث شيء عجيب وأنتم تعلّقون التوبة هذه الأيام برجاء العتق من النار، الذي كان يكفر بالإسلام ذلك الوقت ردّ القرآن عليه لم يكن رداً بأن يقول: سوف تنهزم وينتصر المسلمون أو أن العاقبة ستكون للمتقين فحسب وإنما بدل أن يقول سوف يحدث لك هزيمة كان يقول له: عقوبتك في جهنم. نضرب مثلاً هذا الذي ذهب إلى النبي r وسمع منه القرآن وتأثر به وقال لا يمكن أن يكون هذا قول بشر فلا بد أنه وحي فلما قال له قومه غيّرك الرجل (أي النبي) أراد أن يبين لقومه أنه ما زال على دين آبائه وأجداده فقال: هذا سحر، فكانت النتيجة أن رد القرآن عليه (ذرني ومن خلقت وحيداً) إلى أن قال (ثم يطمع أن أزيد) لا يزال يريد المزيد ثم يظل القرآن يتحدث عن هذه كله حتى يقول (سأصليه سقر) فكان الرد القرآني على هذا الرجل بظلمه وإبائه وعداوته للإسلام ليس أن القرآن أنبت الصراع بين المؤمنين والكفار وإنما أنبت عقيدة التعلق بالآخرة إما رجاءً فيها أو خوفاً منها. فلما قال الرجل هذا قول بشر وأنه سحر يؤثر رد القرآن عليه (سأصليه سقر) وتكلم عن النار كأنه يشدّ الناس شداً إلى أن العاقبة بظلمهم وطغيانهم وتكذيبهم هي النار لتعليق قلب المؤمن الصادق أنه يريد أن يدفع هذا العذاب الذي لم يكن موجوداً عند الناس قبل الدعوة.

نفس الموضوع في سورة العلق (أو سورة إقرأ وهي أول سورة نزلت من القرآن) تنقش العقيدة في قلوب الناس (كلا إن الإنسان ليطغى) ثم يذكر عبداً متأبٍ على الله ومعاند ومحارب فيقول (أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلّى) إلى أن قال (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18)) سندعو زبانية جهنم. إستعمل القرآن نار جهنم رداً على المكذبين وليقول لهم أدرِكوا أنفسكم قبل أن تستعر فيكم النار ونجد هذا في أول السور التي نزلت في مكة تجعل الناس تتعلق (فمن زحزح عن النار وأُدخِل الجنة فقد فاز) فاز لأنه أفلت من الأمر الذي كرّسه القرآن على أنه العقوبة على من عاند الله تبارك وتعالى.

وأنتم ترجون رحمة الله والعتق من النار لا بد أن تعلموا أن النار هي الأداة التي استخدمها الوحي لكي يقول لكل معاند مكابر لدين الله: أفِق قبل أن يدركك العذاب. نسأله تعالى أن يقينا من العذاب ويجعلنا في الجنة دون سابقة عذاب ولا مناقشة حساب وأن لا يحمّلنا في ذلك ولا في غيره ما لا طاقة لنا به.

 

(قدّم الحلقة الشيخ حازم صلاح أبو اسماعيل)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل