زكّ صيامك - الحلقة 25

الحلقة 25:

في هذه الأيام المباركات وقلوب المسلمين معلّقة برجاء العِتق من النار ولا أستطيع أن أمنع قلبي من أن يتعلق بالنبي r وهو يغرس في قلوب أصحابه هذا النوع من الآمال. الآمال كثيرة فإذا به r يغرس هذه النوعية من نوعية الأمل، نوعية العتق من النار وطلب تحريم الجسد على النار لدرجة أنه عندما جاء قوله تعالى (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) آل عمران) يصبح كلمة الفوز مقترنة بالنجاة من النار. وترجعون إلى سورة الفرقان فنجد أنها تتكلم عن نوعية ممتازة من عباد الله (وعباد الرحمن) نداء عباد الرحمن وهم مشببون إلى الله عز وجل (ربنا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) الفرقان). وعندما نرجع إلى الآيات في أواخر سورة آل عمران (رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (192) رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ (193)) كأن قلوبهم تعتصر رغبة في النجاة من النار.

الصحابة كانوا يقومون الليل ليس مثلنا ساعة أو ساعتين في المسجد في رمضان فقط ولكن الله تعالى قال عنهم في كتابه العزيز (إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (20) المزمل) الصحابة يقومون الليل ليس في رمضان فقط وإنما على مدار السنة. فماذا كان يجعلهم قادرين على الصلاة والقيام كل هذه الصلاة؟ قلوبهم هي التي كانت تحملهم وليس قوة أجسادهم أو أرجلهم، قلوبهم كانت تحملهم لأنهم كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع (تتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16) السجدة) حتى صار بينهم وبين فُرُشهم جفوة (يدعون ربهم) الخوف من النار معنى قلبي كأنه نشأ حريق في القلب يقول لا تنام (يدعون ربهم خوفاً وطمعاً) خوفاً وطمعاً من رحمة الله. فالذي جعلهم يصلّون ثلثي الليل هو الخوف والطمع وعندهم أمل الفِكاك من النار والخروج من عذاب الله. عندما يكون أحدنا موعوداً بأخذ جائزة أو بسفر تراه يقوم في الوقت المحدد لاستلام الجائزة بدون تأخير. يأتي القرآن أن الدافع للعبادة الصالحة بسبب الدافع والتعلق بالله تبارك وتعالى. ولذلك وجود الأمل بأن ينجو الإنسان من النار وبأن يُحرّم الله العبد عن النار جعل rيغرس هذا الأمل في قلوب الصالحين فيقول في حديث: إنتبه في لحظة تنظر أيمن منك فلا ترى إلا ما قدّمت وتنظر أشأم منك (على شمالك) فلا ترى إلا ما قدمت وتنظر تلقاء وجهك فلا ترى إلا النار فاتقوا النار ولو بشق تمرة. قد يقع في كف الرحمن نصف تمرة تتصدق بها على الفقير فيربّيها الله تعالى لك كما يربي أحدكم فلوه فتصبح كجبل أُحُد فتكون ستراً لك من النار. هذا نوع من الأمل كيف لا أدخل النار؟ كيف أنجو من النار؟.

التقوى هي أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية. في هذه الليالي العشر المباركة إجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية عن طريق جهودكم بحسبة الأعمال الصالحة. بهذا الأمل جعل بعض المسلمين حين جاءه الموت يتساءل: هل أنا سأدخل الجنة أم النار؟ يخشى من العذاب ومن النار فإذا بالله تعالى يقيه العذاب بهذا الأمل. لذلك كان الإمام علي رضي الله عنه يقف في الصلاة ويستغيث بالله ويبكي من النار. والمسلم الصالح ليس هو الذي لا يذكر النار أو العذاب إلا ما ندر وإذا سمع من يذكّره بالنار يقول بشّروا ولا تنفروا، المسلم الصالح هو الذي يتأهب للعذاب أي يخافه حتى يتعوذ منه وليس لأنه متشائم وإنما يريد أن يذكر عذاب الله ويدعو الله أن لا يعذبه ويدعوه: اللهم أنت قادر علي فلا تعذبني.

لو ادّعينا أن الأمل كبير في عتق الله لنا من النار وكانت قلوبنا بعيدة عن الأمل في الله ووجه الله فعلى الإنسان أن يدعو الله ويُكثر من الدعاء والإلحاح فإن الله تعالى لا يمكن أن يصدّق شخصاً يريد العتق من النار والأمل غائب عن قلبه. إغرسوا هذه المعاني في القلوب.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل لنا قلوبا حتى نحس بها ونذوق بها هذه المعاني التي صارت بعيدة عنا وأن يجعلها في متناول أيدينا، اللهم أشعِر قلوبنا ما يبلّغنا إليك يا ذا الجلال والإكرام.

 

(قدّم الحلقة الشيخ حازم صلاح أبو اسماعيل)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل