قصص القرآن-21-تابع قصة آدم في سورة الأعراف

الحلقة 21

تابع قصة آدم u من آيات سورة الأعراف:

توقفنا في الحلقة السابقة عند السؤال حول النداء بـ يا أيها الذين آمنوا في آية الصيام في سورة البقرة لنشرح قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) الصيام كُتِب على المسلمين ومع هذا جاء النداء في الآية بـ (يا أيها الذين آمنوا) فما الحكمة من هذا النداء؟

مسألة هل إبليس من الملائكة أو غيرهم هذا أمر تكلمنا فيه كثيراً والبعض يقول أن إبليس هو طاووس الملائكة أو عظيم الملائكة. هذا اللفظ أُطلِق على إبليس لأنه كلّف نفسه ما لم يكلّفه الله تعالى. الجنس البشري والجنّ جنس مخيّر من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. ليس عندنا أن شخصاً يعمل سيئاً رغماً عنه هذا غير مقبول. الملائكة جنسٌ جُبِلوا على الطاعة فلما يأتي واحد من جنس الإحتيار يضع نفسه مع جنس الطاعة يكون قد كلّف نفسع فوق ما كلفه الله تعالى هكذا فعل إبليس. لماذا سُمي طاووس الملائكة؟ ليس معنى طاووس الملائكة أنهم منهم ولكن أصبح أعلى من الملائكة لأنه تفوّق على الجنس، هو يستطيع أن يرفض ويستطيع أن يختار لكن سلّم نفسه للطاعة وكان مع الملائكة يطيع الله أبداً لذا شمله الأمر بالسجود.

مرة يقول (إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين) ومرة (من الساجدين) إذن عير مأمور ثم يقول (ما منعك أن تسجد إذ أمرتك). (ما منعك أن تسجد إذا أمرتك) أي شمله الأمر بالسجود فلماذا لم يردّ ويقول : أنا لست من الملائكة المأمورين بالسجود وأنا من الجنّ وكان الأمر إنتهى عند ذلك لكن كونه ردّ على الله تبارك وتعالى بأنه ما سجد إلا لأنه أعلى من آدم إذن يكون قد فهِم أن الأمر شمله.

عندنا تعبيران (ما منعك ألا تسجد إذا أمرتك) و (ما منعك أن تسجد). (ما منعك ألا تسجد إذا أمرتك) قال (أنا خير منه) الأمر شمله وإلا لقال أنا لست من الملائكة. وقد يقول قائل ألا يدعم قوله تعالى (إذ أمرتك) أنه من الملائكة؟ نقول كلا لأن الله تبارك وتعالى قال في موضع آخر (إلا إبليس كان من الجن ففسق) وهذه الآية تثبت أنه لم يكن من الملائكة. الأمر شمله لأنه حضر مع الملائكة هو حضر الأمر معهم ولكنه ليس منهم.

سؤال: قال تعالى (لم يكن من الساجدين) إذا كان إبليس مغايراً للملائكة فلم لم يقل (معهم)؟

لو كان معهم لسجد لكنه ولو لم يكن منهم. هو الوحيد الذي لم يسجد (لم يكن من الساجدين) الساجدين سجدوا وهو خرج. لا يُفهم من الآية ما قاله بعض المفسرين أن الملائكة لم تسجد كلها بدليل (أستكبرت أم كنت من العالين) هؤلاء العالين بأمر من الله تعالى وليس بمزاجهم، فرعون علا. التوقيع اللغوي شيء وتصورنا موضوع آخر.

مثال "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إقام الصلاة إيتاء الزكاة حج البيت وصوم رمضان"والمفروض أن الذي يصوم هو مسلم لأنه حتى يكون مسلماً يصوم فالخمس هي قواعد الإسلام ومع هذا نادى الله تعالى بـ (يا أيها الذين آمنوا) كأنه تخفيف إلهي بالإيمان وكأني بالله تبارك وتعالى يقول الذي يصوم سينتقل من حظيرة الإسلام إلأى حظيرة الإيمان وهذا إستحباب وتخفيف إلهي بالنداء ولذلك هذه الآيات في سورة البقرة فيها تخفيفات غريبة تختلف عن كل العبادات: قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا) ولم يقل يا أيها الذين أسلموا، ثم قال تعالى (كُتِب عليكم الصيام) بنى الفعل لمجهول فيه تخفيف بإضمار إسم الله تعالى لأن كلمة (الله) تخيف لأن الله تعالى يريد من عباده أن يصوموا بإستحباب وليس خوفاً، ثم يرينا المثلية أننا لسنا بِدعاً في الصوم وإنما من قبلنا صام وهم ليسوا من أمة محمد r فما بالنا بأمة محمد r؟ (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم)، ثم الغاية (لعلّكم تتقون) ستكون متقياً وليس مسلماً مؤمناً فقط والكتاب هدى للمتقين فالصيام يأخذك للتقوى ويجعلك تأخذ هدي الكتاب فعليك أن تلحق نفسك وتصوم فالعملية كلها (أياماً معدودات).

إبليس وضع نفسه في الطاعة من أجل هذه التخفيفات ونحن نُدخِل أنفسنا مع المؤمنين وإبليس أدخل نفسه مع الملائكة بالطاعة. بعد ذلك يقول تعالى (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا) الصيام والنفقة كلها مثل بعض، لأنك أدخلت نفسك في حظيرة الإيمان فتقوم بالصيام والزكاة لأن المال يكشف الناس وكل العبادات كذلك. إبليس فعل هذا وذهب مع الملائكة في الطاعات لكن في السجود رفض (فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس) هذا إستثناء الحضور في السجود وليس إستثناء الجنس.

(ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11)) (لم يكن) فعل الكينونة معناه فلان لم يكن كما أراد أي خرج عنهم لأنه ليس منهم. هم طبيعتهم غلبت فسجدوا وطبيعته غلبت فرفض السجود (إلا إبليس كان من الجن ففسق). الكينونة تهمنا، إبليس طبيعته أنه مخيّر ولأن الأمر شمله كان يجب أن يسجد ولكن طبيعته ليست مبرراً لعدم السجود.

سؤال: البشرية تنحرف بوسوسة إبليس والجن كانوا موجودين قبل آدم فمن الذي كان يوسوس للجنّ؟

الطبيعة لذا في يد إبن آدم أن يكون طاووس الملائكة وأن يعلو على الملائكة إذا أطاع وهو مخيّر. يمكن لإبن آدم أن يرتقي لحالة الملائكية تماماً كما يحصل في حالة الصيام. الجنّ مخيّرون وإبليس لم يكن يوسوس لهم ولم يكن هناك وسوسة قبل آدم u لأن الجنّ مخيرون بطبيعتهم (وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك) بطبيعتهم هم مخلوقون على هذا. إبليس رقّى نفسه ووضع نفسه مع الملائكة فلما صدر لهم الأمر بالسجود وضع نفسه معهم، غار من آدم وحسده ثم قال (أنا خيرٌ منه). هناك من الجنّ من آمن إيماناً مطلقاً بمحمد r واستوعبوا القرآن. أول جنس يطيع أو يعصي الله تعالى هو إبليس ومعصيته كما سماها الشيخ الشعراوي رحمه الله معصية قمّة على الإطلاق لأنه ردّ الأمر على الآمر أما آدم u فلم يرفض الأمر لكنه نسي مع أن الله تعالى حذّره من هذا الأمر بالذات. التوقيع القرآني في أوائل سورة البقرة (إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين) (كان) فعل ماضي ناقص، هل رأيت ملكاً من الكافرين؟ إبليس لم يكن من الملائكة طرفة عين بحسب كلام الحسن البصري لأن الطبيعة مختلفة هو من نار والملائكة من نور.

(ما منعك ألا تسجد) في الإسرائيليات يقولون أن إبليس قرأ في اللوح المحفوظ أن الملائكة كلهم سيسجدون إلا واحداً لكن هذا الكلام لا نأخذ به وإبن مسعود رضي الله عنه قال أن بني إسرائيل ضلّوا أنفسهم فهل نتّبعهم نحن؟ إبليس لم يقرأ في اللوح المحفوظ ولم ير أنه سيكون هناك واحد لا يسجد. هو كان مع الملائكة وشمله الأمر ولم يرد على الله تعالى بأنه ليس من الملائكة لأنه فهِم أن الأمر شمله كواحد ممثل للجنس. هو بعدم سجوده لآدم عصى وهناك فريق من الجن تبعه وفريق لم يتبعه. ساعة شمله الأمر بالسجود كان وحده، هوشمله الأمر بالحضور، حضور الأمر مع الملائكة فعصى. لكن لما سُئل (ما منعك ألا تسجد) وفي آية (أن تسجد) قوله تعالى (إذ أمرتك) حتى فهِم أن الأمر شمله. يقول تعالى (ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك) (ألاّ) عبارة عن (أن) و (لا) مثل أشهد ألا إله إلا الله (أنّ ولا). ما منعك من السجود؟ ماذا نفهم إذا قلت ما منعك أن تسجد؟ أنه تهيّأ للسجود ثم منعه شيء، همّ أو تهيّأ للفعل ثم امتنع أو مُنِع؟ هل هناك مانع منعك فأنت ممنوع؟ أو هو إمتناع منك أنت؟ (ما منعك أن تسجد) إما المانع يكون حاجة ذاتية فيك فتكون ممتنعاً أو خارجية فتكون ممنوعاً. إبليس هو ممتنع. الآية تقول (ما منعك ألا تسجد) إذا كان المانع من خارج إبليس يكون مُنِع ويكون هو ممنوع. الكلمة تبيّن أن الأمر شمله بإجابته. إجابته تبيّن أن الأمر شمله وأن المانع داخلي وليس خارجياً ليقيم الله تبارك وتعالى عليه الحجة. لو المانع خارجي لكان ممنوعاً (يكون مهيّأ لكن يمنعه مانع). إما إمتنعت أنت أو مُنِ‘ت. السؤال هنا حتى يُظهر المولى تعالى أن المنع ذاتي (إستكباره) لذا توقيع البقرة بديع (إلا إبليس أبى واستكبر) هذا المنع، فإذن المنع ذاتي من عنده إستكباراً وداخلياً جعلته لم يسجد. السؤال هنا لإظهار ما حصل. لو قيل يا إبليس ما منعك ألا تسجد كان بإمكانه أن يبرئ ساحته لكنه لم يقل هذا وإنما أجاب وإجابته تدل على أن المانع ذاتي عنده وأن المانع هو إستكبار منه وأنه فكّر تفكيراً خاطئاً فقال (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) ظنّاً منه أن الطين أسوأ من النار وهذا قياس فاسد لأنه لولا الطين لما كانت النار فالشجرة تأتي من الطين (الذي خلق لكم من الشجر الأخضر ناراً) أصل النار الطين. إنفكاك الجهة يعلمنا أن كلٌ ميسّر لما خُلِق له فإذا شملك الأمر بالسجود لا تقيس وإنما اسجد أو برّئ ساحتك.

سؤال: هل هذا الموقف يتناسب مع ماضي إبليس المشرق أنه كلّف نغسه ما لم يكلّفه الله تبارك وتعالى؟

هذه هي العظة من القصة. لا إله إلا الله اللهم استرنا فوق الأرض واسترنا تحت الأرض، إبليس خلقٌ إرتقى بنفسه فوق الملائكة ثم عصى وكذلك هناك من المسلمين من يكون متقياً ويصوم ويصلي ثم ينحرف فجأة ويعصي في لحظة. قد تكون هذه زلة أو وسوسة أو شيطان وقد تكون معصية كبيرة ويهزأ من المصلين والمتقين فيكون بذلك مثل إبليس. فالذي يهديه الله تعالى عليه أن يلزم الهدى والتقى لأن القضية بمنتهى الخطورة ولا تستكبر على شيء أو تغترّ بطاعتك لأنه قد يكون قال هذا غروراً فأوقعه إبليس في معصية.

سؤال: أين كان إبليس عند قوله تعالى للملائكة (إني جاعل في الأرض خليفة)؟

هو سمع هذا الكلام ولم يعترض. هو له دوره في وقوع الحسد لآدم. يبدو أن ردّه فيه رصيد قديم من ساعة ما قال تعالى (إني جاعل في الأرض خليفة) ففكر أن آدم مفضّل على الملائكة الذين أنا ارتقيت فوقهم والله تعالى خلقه بيديه وكرّمه لذا أدخل إبليس نفسه في قيلسه هو وهذا هو الحسد. والحسد هو تمني زوال النعمة عن الغير. الساحر الماهر يسخّر جنّاً كما يقولون وحتى يكون كافراً في قمة الكفر يُسخَّر له من غير أن يُسخِّر هو ألف جنّ ليوقعوا له الحسد، فالحاسد يحسد والجنّ يساهم من عنده من غير تسخير. الحسد أقوى من السحر لذا علمنا تبارك وتعالى في القرآن الكريم (ومن شر حاسد إذا حسد) علّمنا أن نستعيذ من شر حاسد إذا حسد. إذا وقع الحسد فكبِّر على المحسود أربعاً لأنه يُطوَّع له جن. الرجل المجند في الجيش إذا كان متطوعاً فإنه يخدمك بشكل أفضل من الذي المجنّد المُجبر المسخَّر وكذلك المتطوع من الجنّ هو الذي يكسر حاجة المحسود التي حُسِد عليها.

سؤال: (إلا إبليس) حتى هذه اللحظة كان إسمه إبليس فما دلالة الأسماء: إبليس، شيطان، غَرور، طاغوت، جنّ؟

الغَرور والطاغوت صفة فتقول رجلٌ طاغوت.إبليس إسمه الذي ذكره القرآن الكريم (إلا إبليس) والجنّ جنسه (إلا إبليس كان من الجن) والشيطان صفته لما تشيطن (شطن لغاية ما أصبح شيطاناً) وهذه صفة فظيعة تطلقها على رجل لعوب ونحن نطلقها على بعض الإنس لأنه يتعبك وشطن عن كل منهج لله تبارك وتعالى وعن كل نصيحة من الدعاة.

سؤال: هل حقد إبليس على آدم جعله يفسد في طاعة الله تعالى مع أنه رآها بعينه؟

نعم بدليل ساعة يحسد إبن آدم  لابن آدم يتطوع هو لتوقيع الحسد. إبليس تضايق من بني آدم لأمر لم يفعله آدم ولا بنو آدم.

سؤال: ألم يعلم إبليس مثواه إذا عصى الله تبارك وتعالى؟

نهم والبشر كذلك يعلم مثواه إن عصى ومع هذا يذهب للمعصية بقدميه ويخطط لها. هذه قضية يجب أن ننجو منها. هناك علماء آراؤهم صارمة ويعجبني الرأي الصارم يقولون لا تسأل عن المعصية بتخطيط لأنه حتى القانون الوضعي يشدد العقوبة على سبق الإصرار والترصّد. فلو تسبب أحدٌ في حادثة أسامحه لأنه ما قصد الأذى إنما إذا ذهب واشترى مسدساً أو سُمّاً ودسّه لي أو انتظرني في مكان ليقتلني فهذا لا يمكن مسامحته. فالمعصية عن تخطيط حتى المشرِّع الوضعي يشدد لها العقوبة. إبليس هو يخطط بدليل (ما منعك أن تسجد) ما منعك أن تسجد كأنه تهيّأ للسجود ولو بفعل ماضٍ منه بطاعته مع الملائكة بما أنه كان يطيع قبل ذلك كان المفروض أن يطيع هذه المرة أيضاً. لم يسموه طاووس الملائكة إلا لأنه صار أعلى من الملائكة لأنه ليس من جنسهم وهو يفعل مثلهم. أضرب مثالاً تطبيقياً إذا كنت أستاذاً ولديك فصل من المتفوقين وفصل آخر من المتخلفين وفي يوم دخلت فصل المتفوقين فوجدت الأول على صف المتخلفين جالساً في صف المتفوقين فلن تعيده إلى صفه بل تقول أبقيه لأرى إن كان بإمكانه أن يبقى معهم وتدعه لعله يرتقي. ثم تأمر فصل المتفوقين أمراً فهل توجه النداء للمتفوقين أو المتخلفين؟ بالتأكيد الأمر سيكون للمتفوقين وسيشمل هذا الأول من صف المتخلفين لأنه جالس معهم في الفصل لأن النداء سيكون للغالبية والأكثرية وهذا الأمر سيكون فرصة الأول من المتخلفين أن يكون من المتفوقين ويندرج تحتهم. ولهذا فهي رحمةٌ من الرحيم أن ترك إبليس مع الملائكة. وهذا يعلمنا أن الأمر شمله بدليل كما ذكرنا سابقاً أنه لم يرد ويقول أنا لست من الملائكة فكيف أسجد؟ أو لو قال أنا من الجن وأنت يا ربي أمرت الملائكة، مجرّد أنه تلكّأ في الإستجابة وحاجج الله تعالى فسق.

(إذ أمرتك) الأمر صدر من الله تعالى وكرم الله تعالى ونحن بكثرة الأسئلة سنكون مثل إبليس. عندما يوقع تعالى الكلام يقول (إلا إبليس كان من الجن ففسق) ويقول (إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين) إبليس كان لديه فرصة أن يكون معهم لكنه لن يكون منهم أبداً. جاءتني فرصة أن أكون مع المتفوقين لكن لن أكون منهم أبداً. الأمر بالسجود شمل إبليس بوجوده، بالحضور في الأمر فهو مستثنى من تنفيذ الأمر وليس من الجنس.

إبليس قال: (أنا خير منه) والملائكة قالت (ونحن نسبح بحمدك) وبعض الناس يقولون أنا وأعوذ بالله من كلمة أنا وهذا كلام فارغ، قل أنا لكن لا تتكبر كالذي يقول هل تعلم مع من تتكلم؟ وهل تعلم من أنا؟ باستكبار وهذا هو المنهي عنه. الرسول r في الحديث الذي نهى فيه أن يطرق أحد باب أخيه المسلم فإذا سأله من يقول أنا لأن الذي في البيت لا يعرف الصوت ولا يرى من في الباب وإنما على الطارق أن يقول له أنا فلان ويسمي نفسه ليتعرف عليه من في البيت. الملائكة قال (ونحن نسبح بحمدك) بضمير التعظيم وهذا ليس عيباً إنما العيب أن أستكبر لذا قال تعالى في الرد على إبليس (أستكبرت أم كنت من العالين) وبعض المفسرين قالوا أن العالين هم الذين لم يشملهم الأمر وهذا كلام نردّه.

(خلقتني من نار) إبليس يعطي عِلّة عدم السجود فهو مقتنع بأن الأمر بالسجود شمله أيضاً وأن من حقه عدم السجود. البعض يقولون ماذا لو لم يسجد إبليس ولم يرد الأمر على الآمر؟ وقد يتسرب لبعض المسلمين أن الله تعالى لا يحتاج إلأى صلاتهم فلم يصلّون؟ والرسول r يقول : "إذا بُليتم فاستتروا" فإذا تكلم الناس عن الصلاة مثلاً وكان بين الجالسين شخص لا يصلي فعليه أن يسكت ولا يتباهى بأنه لا يصلّي على الأقل يبقى صامتاً ساكتاً ويقول عسى الله أن يهديني لأنه لو تباهى بعدم صلاته فهو يثبت أنه رافض الإيمان أي يُعلن الكفر.

إبليس يُعلن الكفر ومع هذا يقول أنه خلق من خلق الله بدليل (خلقتني) لم يقل خُلِقت من نار وهذا هو مناط وجوب الطاعة فالذي خلقه ليس له مثيل وما كان يجب أن يرد كلامه وإنما كان يجب أن يسمع كلامه. عدم سماع إبليس كلام الله تعالى وأمره دليل على أن هذا قضاء الله تعالى وقدره لكن إبليس ليس مسيّراً بدليل أنه لو سجد لكانت القضية انتهت وكان من الطائعين وكان سيكون مع الساجدين وهذا تكريم لكنه رفضه.

سؤال: لم لم يخرج الله تعالى إبليس من زمرة الملائكة كعقاب له؟ هو ردّه ويجب أن يأخذ عقاب فعله. الكفار يوم القيامة يقولون (يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) لذا توقيعها (إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) لا ينفع أن تفعل فعلاً ويمر بدون حساب. ردّ إبليس هو الذي ورّطه، كان يمكن أن يرد ويقول: يا رب أنا من الجن ولست من الملائكة أو يقول أنا كنت أتصور أن الأمر للملائكة فقط ولو أمرتني بالسجود لسجدت لكنه لما قال تعالى (ما منعك ألا تسجد) يعطينا مناط أن إبليس فهِم أن الأمر شمله وأعطى مبرر عدم سجوده وقالها باستكبار لذا توقيع سورة البقرة (إلا إبليس أبى واستكبر) وقال (أنا خير منه) وبغبائه قال (خلقتني من نار) كان يمكنه أن يبني الفعل للمجهول (خُلِقت من نار) فمن الذي خلقه؟ الله، ومن الذي أمره؟ الله، وهذا يجب أن يجعل هؤلاء المسلمين الذين يقولون هل يحتاج ربنا لسجودنا عليهم أن يصحوا من غفلتهم.

سؤال: كلام إبليس قال (أنا خير منه) هل يحمل في طياته أن الملائكة ليست خيراً من آدم؟

فيها الحسد القديم وفيها إستعلاؤه على الملائكة لأنه هو يعتبر أن النار أفضل من الطين وأفضل من النور لكن نسأله هنا من خالق كل هذا؟ حتى لو كان إبليس هو النار نفسها فهو مخلوق فمن خلقه؟ المخلوق لا بد أن يسجد للخالق ولا بد أن يطيع الخالق.

سؤال: هل كان في شريعة إبليس أن الذي يُسجد له عموماً بإستثناء الله تعالى خير من الساجد؟

نعم فهو في منهجه هذا لكن أسأله بماذا؟ من أين جاءت الخيرية من وجهة نظر إبليس؟ من الذي خلق الطين؟ الله، ومن الذي حلق النار؟ الله، ومن الذي خلق النور؟ الله تبارك وتعالى ومن الذي أمر النار والنور بالسجود للطين؟ الله تعالى. فما هو مناط الخيرية؟ هناك حالة واحدة لا تُسأل فيها عما تفعل وهو أن تكون أنت الخالق ولذا فالله تعالى لا يُسأل عما يفعل سبحانه وتعالى. طوبى لمن يسأل نفسه لماذا نصلّي ويصلّي ولماذا نصوم ويصوم فهذه قمة الطلعة أن تقول سمعنا وأطعنا وعندما نطيع نقول الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، نحمد الله تعالى بتوقيع السمع علينا لأنه من الناس من يسمع ولا يسمع.

سؤال: قال تعالى ( فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها) ثم قال (اخرج) فمن أين يهبط؟

رجعنا لمسألة المكان والمكانة. أول مرة قال تعالى (فاهبط) والثانية (فاخرج). الهبوط لما قال اهبط ، لو انتبهنا للهبوط في هذه القصة. الضمير في قصة آدم (قلنا اهبطوا منها) وهنا (فاهبط منها) تبين أنه لم يأت بإسم صريح مكان الضمير، ألا يؤكد ذلك أن الهبوط قبل أن يكون من مكان فهو من مكانة؟ هذا اللفظ إحترنا فيه وبعض الناس يصرّون على أن الجنة هي جنة الخلد في السماء لكن ورد في القرآن في قصة نوح u(قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) هود) ونوح كان في السفينة على الأرض فهبوط نوح هنا قطعاً هو نزول من السفينة إلى الأرض، من البحر إلى اليابسة. لكن في قصة آدم u فكل اهبطوا سواء (قلنا اهبطوا) أو (فاهبط) ليجعلك تعالى تتصور المكانة قبل المكان ولو سجد إبليس كان سيكون مع قمة الطاعة (لا يعصون الله ما أمرهم) فالمعصية ليست في معجم الملائكة لأنهم لا يعرفون المعصية. نحن لا نقدر أن نعصي الله تعالى أما الملائكة فهم لا يعرفون المعصية والأفضل من لا يقدر أن يعصي لأنه يكون لديه قدرة على المعصية لكن لا يريد أن يعصي. إبليس كان سيكون مع الذين لا يقدرون فيرتقي فوق من لا يعرف. (منها) تتركك للتصوّر: هل يهبط من المكان؟ من المكانة؟ من الفئة؟ لذا بعد أن تتصور يأتي قوله تعالى (فاخرج منها). قال (فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها) ما هي؟ ولمن؟ للطائعين الصالحين لا للعصاة المتكبرين. تكون الجنة درجة، مكانة ثم يحوّلها لمكان فيقول (فاخرج) حتى يوقع لك التصور الذي تصورته.

(فاخرج) طرد مكان بعد هبوط مكانة. المكانة تقودك للمكان فإذا كانت المكانة حسنة فإنها تقودك للمكان الحسن وإذا كانت المكانة سيئة فتقودك إلى المكان السيء. فالمكانة أهم من المكان والخروج يأتي بعد الهبوط ولا يمكن أن تجد واحداً يُعلن المعصية في الدنيا وتجده في الجنة.

سؤال: هل تصرف إبليس يستحق الطرد والخروج من رحمة الله تعالى؟

بالطبع والحكمة من كل هذا الحوار أن يقنع المؤمن بعطاء الله تعالى في الإيمان ويقول الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لأني أرى من جنسي من يرفض الهدى ويرفض الإيمان ويفلسف كما فلسف إبليس عدم سجوده. الناس إما أن يكونوا ألأولياء لله تعالى أو يكونوا أولياء للشيطان ولهذا علينا أن نتدارك ونلحق أنفسنا ونعود إلى حظيرة رب العالمين وإلى ما طُرِد منها إبليس. (فما يكون لك أن تتكبر) ما يكون لمسلم أن يتكبر ولا يحق له لواحد من أهل الجنة أن يكون له مسلك أهل النار. إذا كان الحِلم سيد الأخلاق فالكِبر سيد المفاسد. والكِبر يُخرج الإنسان من رحمة الله تبارك وتعالى وعلينا أن ننظر إلى المتكبرين بعين العطف والرحمة والشفقة لأن الرسول r أقسم أنه لن يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كِبر فأسأله تعالى أن ينجينا من هذه الصفة وعلينا أن نكون متواضعين فالتواضع صفة الرسول r الذي كان يدخل عليه الناس وهو بين أصحابه فيسألون أيكم محمد بن عبد الله؟ لأنه كان r لا يتميز عن أصحابه لتواضعه.

سؤال: ما معنى الصاغرين في الآية (إنك من الصاغرين)؟

حتى نشرح هذه الكلمة يجب أن نأتي بأساسها حتى نفهمها. معناها بشكل عام أنه كان لديك فرصة لا تُعوّض فضيّعتها.

اللهم اعصمنا من الكِبر ونجّنا منه واجعلنا من الطائعين العابدين الحامدين بفضلك وجودك وكرمك يا رب العالمين.

 

بُثّت الحلقة بتاريخ 26/6/2006م



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل