قصص القرآن-18- تكملة موضوع الإسرائيليات

الحلقة 18:

تكملة موضوع الإسرائيليات:

الفاكس الذي وصلنا الأسبوع الماضي من أحد المشاهدين حول موضوع الإسرائيليات يدل على أن قضية الإسرائيليات تُطرح بين الناس ويجب علينا نحن أن نذكّر بالمنهج. يجب أن نرى أولاً: لماذا الإسرائيليات وكيف بدأت ولماذا لها هذا الرواج رغم تحذيرات بعض العلماء؟

ساعة أراد اليهود هدم الدين كان لهم منجاً وهو عدم اليأس وكان عندهم خطة وغاية يريدون الوصول إليها. تحريف القرآن مستحيل فتركوه ودخلوا في التفسير, أنت تسمع قصة ما فيبدأوا هم يستغلون أن القرآن يتكلم عن القصة بطريقة خاصة جداً فيفردوا لك بعض الحكايات التي تتمناها النفس البشرية التي تقرأ القرآن على حرف. السرد القرآني في سورة يوسف في منتهى الإبداع فيقول لك هل أخبرك ما أسماء إخوة يوسف؟ هذه نقاط تحبها النفس البشرية فلو تجردت وأخذت المنهج القرآني فقط فهذا هو الصواب لأنه ماذا يهمني أن أعرف ما إسم إخوة يوسف طالما لم يذكرها القرآن الكريم؟ يجب أن أرضى بما جاء به القرآن الكريم حتى لو لم أفهمه أسلّم إيماناً لله تبارك وتعالى. على سبيل المثال قصة مواقع النجوم في قوله تعالى (فلا أقسم بمواقع النجوم) هذا الموضوع تركنا فيه المحكّ اللغوي في الكلمة وستمسكنا في العصر الحديث بمواقع النجوم من الناحية العلمية. وهنا أسأل سؤالاً: الرجل الجاهلي الأول الذي لا يعرف شيئاً وعاش في عصر النبوة وسمع الآية هل فهم ما فهمه علماء الفلك اليوم؟ بالطبع لا. لكن أيهما أعلى إيماناً؟ بالتأكيد الرجل الأول الجاهلي لأنه أخذها وهو لم يفهمها وهذا منتهى التسليم لله تعالى. الكهرباء مثلاً هل عندما أستخدمها أحتاج أن أعرف ما عرفه إديسون أو أفهم كيف تعمل؟ لا وإنما يهمني أن أستخدمها فقط. هل يهمني كرجل مسلم مؤمن مسلّم لله تعالى وللرسول r أن أعرف مواقع النجوم أو يهمني نفي القسم في الآية؟ إذا اشتغلنا في نفي القسم (لا أقسم) بدل مواقع النجوم لوجدنا أن هذا القسم منفي وهذه صيغة جديدة على المسمع اللغوي لأنه عادة نسمع القسم (والضحى، والليل) وغيرها إنما الفسم في الآية هو قسم منفي لكن هذا لم يوقفهم ليسألوا فيه؟ ولو اشتغلنا فيها تعطينا ملمحاً وهو أن المقسَم عليه كانت أشياء لا تستحق القسم. في القسم المنفي (لا أقسم بالخنّس) بعد نفي القسم المقسم عليه شيء ما كان يحتاج لقسم لأنه واضح ثابت فينفي القسم كأننا بالله تبارك وتعالى يخبرنا أن نفي القسم على شيء ما كان يستحق القسم لكن جحود الإنسان جعله بدل ما يأتي بالقسم إحتاج لنفي القسم. نحن نفعله في اللغة العربية العامية بدون أن نشعر فنقول (والله ولا لك عليّ يمين). كان يجب أن نقف عليها في القسم المنفي لكن نتركها ونعلّق على مواقع النجوم؟!. الذي عاش في العصر القديم ولم يدرس علم الفلك أو غيره وسمع قوله تعالى (فلا أقسم بمواقع النجوم) وبعد هذا القسم المنفي أكّد الله تعالى القسم في قوله (وإنه لقسم لو تعلمون عظيم) وهذا القسم الصريح أعظم من المنفي. لكن أن نبحث في أمور لا تهمنا هذا نهانا القرآن الكريم عنه.

مثال آخر في توجيه القرآن توجيهاً صريحاُ بعدم أخذ الإسرائيليات ما قاله عبد الله بن مسعود يقول عن اليهود أنهم أضلوا أنفسهم فكيف سيهدوننا نحن؟ لا نأخذ من اليهود وهم حرّفوا كتاب الله تعالى فكيف أسألهم عن كتاب الله؟ حرّفوا التوراة وألّفوا الإنجيل. في قصة أصحاب الكهف حينما عرض القرآن لعددهم (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22)) قال للرسول r (وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا) الضمير (فيهم) يعود على أصحاب الكهف أما الضمير منهم فيعود على بني إسرائيل. (فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا) يعني حتى لو فكّرت فيها فلا تطلق العنان لنفسك. من حقك أن تسأل لكن عُد إلى رشدك تجد أنه ليس مهماً أن تعرف عدد أصحاب الكهف. وإذا أحببت أن تعرف لا تستفت فيهم منهم أحداً أي أحد وكلمة (أحداً) تأكيد لأنهم كلهم مثل بعض أي لا تستفت ولا واحد منهم. لا تأخذ بعد كلام الله تعالى من أحد. هذا توجيه المولى عز وجل. والتاريخ يعيد نفسهفالذين يحاولون الآن الجري وراء الإسرائيليات نذكرهم أن عمر بن الخطاب فعلها وساعة فعلها تهيأ له أنه سيُفرِح الرسول r لكن الرسول r غضب غضباً شديداً واحمرّت جبهته الشريفة  عمر بن الخطاب وقع على ناس يتكلمون في قصة من قصص القرآن وعمر فرِح بمطابقة كلامهم مع القرآن فذهب إلى الرسول r وأخبره فقال له r غاضباً "أ متهوّكون فيها يا ابن الخطّاب؟" ناداه بابن الخطاب وليس باسمه وهذه اعدة العرب عند الغضب. فحتى لو طابقت الرواية ما جاء في القرآن نرفضها ونقول طالما طابقت القرآن فخذها من القرآن وانتهى الأمر. ومعنى رد الرسول r على عمر أنه هل إيمانك إيمان حيرة تريد ما يثبتك من خارج الإسلام؟ ويقول r: " لقد جئتكم بها بيضاء ناصعة لو كان موسى بين ظهرانينا ما وسعه إلا أن يتبعني"  وللأسف بعض الدعاة ينسحب كرههم لليهود على موسى u ولكن الإيمان بموسى شرط للإيمان بالرسول r. فلو جاء القول من موسى u ومن محمد r نأخذ من محمد r لأن القضية واضحة. هؤلاء اليهود أضلوا أنفسهم فهل سيهدوننا نحن؟ وبإجتماع أهل التفسير أن قوله تعالى (غير المغضوب عليهم) المقصود بهم اليهود وهذه لم يختلف فيها أهل التفسير لأنهم ضلّوا رسالتين النصرانية والإسلام، هنا ألّفوا وهنا أرادوا التحريف فلم يفلحوا فزوروا الحديث ومنهم جاءت الأحاديث الضعيفة والموضوعة.

هم كانوا متربصين بالمسلمين كإبليس لا يهمد ولا يرتاح ولا ينسون العداوة. ولو تملكوا الآن واستطاعوا لقضوا على هذا الدين فكيف نسلّم لهم ونعطيهم فرصة أن يهدموا العقيدة؟.

سؤال: ما الذي يضير المسلم أن يعرف مثلاً أسماء إخوة يوسف أو وصف الملائكة أو غيرها مما جاء في الإسرائيليات؟

الذي يضير أنه يأخذ من غير القرآن والسنة الصحيحة. الرسول r وجّه في قضية عمر بن الخطاب (لا تستفتوهم، لا تسألوهم، لا تبحثوا عن شيء عندهم لأنهم يمكن أن يقولوا لكم صدقاً فتكذبوه أو يقولوا لكم ضلالاً فتتبعوه، قد تصدق الباطل وتكذب الحق فلا تصدقوهم وهذه تعليمات الرسول r. الأخ الذي أرسل بالفاكس قلب القضية وجاء بجزء من الحديث كما ذكرنا في الحلقة السابقة. تعليمات الرسول r " بلغوا عني ولو آية وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" لو أراد أن يقول إرووا لقالها وما كان ليقل ولا حرج. ثم قال r : من كذب عليّ فليتبوّأ مقعده من النار" وقوله r بلّغوا أي إنشروا ما أقوله. ولو كنا مأمورين بالأخذ من بني إسرائيل لقال r : إرووا عن بني إسرائيل وقوله (ولا حرج) تعني أن تفضحهم ماذا فعلوا بالإسلام وكيف كذبوا على الرسول r واشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً وحرّفوا. فعلوه رغم أنهم أُمروا بذلك (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) الجمعة) هذا مثل خطير: الحماؤ حتى أفضل منهم (إن هم كالأنعام بل هم أضل) الحمار عليه أن يحمل أحمالاً وليس علماً لكن هذا مثل خطير ضربه القرآن (حُملوا، ثم لم يحملوها) أُمروا بحملها ولم ينفذوا ولم يحسنوا فكيف آخذ منهم؟

في الفاكس أيضاً تعليق للمشاهد على موضوع أن آدم ليس خليفة الله واستشهد أن ابن كثير قال أنه خليفة الله؟

أحياناً يُنسب للشخص قول لكنه لم يقله ويكفي أن تشكك فيه بأمر حتى تشكك الناس في كل شيء عنه. أصحح للأخ السائل لأن إبن كثير لم يقلها وهذا كتاب قصص القرآن المحقق لإبن كثير في شرح الآية (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)) قال كما جاء في نص الكتاب: أعلم بما يريد أن يخلق من آدم وذريته الذين يخلف بعضهم بعضاً أو آدم على رأس ذرية يخلف بعضها بعضاً (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ (165) الانعام) (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62) النمل). وفي الهامش كتب المحقق : هذا تصريح بفساد ذاك القول أن الإنسان خليفة لله في الآرض كما يهرف بهذا القصاصون. وأصل موضوع أن آدم خليفة الله في الأرض هذه بدأت بغلطة من أحد العلماء فمشي الناس وراءه ولم يصححوا له.

كلمة خليفة بالتحقيق اللغوي هي واقعة في شأن البشر أنا إذا قيلت عن الله تعالى فموضوع مستحيل. المولى تعالى يقول (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) لم يقل (لي) فمن أين أتوا بها؟ الرازي قال: الخليفة من يخلف غيره ويقوم مقامه. هذا كلام منطقي في حق البشر فرجل مسافر مثلاً يأتي بشخص آخر يخلفه في مكانه وفي عمله حتى يعود من إجازته مثلاًفالخليفة لا يجلس مكان المخلوف إلا إذا سافر أو مرض أو غاب ولكن هذا لا يتحقق مع الله تعالى حاشاه. وكلمة خليفة قد تعني أن رئيس الدولة إذا كانت دولته مترامية الأطراف يمكنه أن يجعل على جزء منها خليفة في محافظة من المحافظات ليقوم مقامه وهذا لا يتحقق في شأن الله تعالى. خليفة ليس لها علاقة بالله تعالى ولكن لها علاقة بنا لأن آدم يموت وإذا مات يُخلف. (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) مريم) بالتسكين أي يعمل أموراً غير منضبطة. الخلَف مثل السلَف أما الخلْف بالتسكين فهي تعي أسوأ مما قبل.

سؤال: لم الإصرار على خليفة الله؟

حتى لا يقول أحد أنه مخطيء فقط. الشيخ عبد الجليل عيسى حسمها حسماً قاطعاً حتى أنه لا يذكر ما قيل بعد أن ينتهي بحثه وإنما يذكر النتيجة كما قال إبن كثير في قصص القرآن أنه على رأس ذرية يخلف بعضها بعضاً. ونحن في العامية نقول لمن رزق بولد أنه خلّف أي جاءه خليفة وهذا من شأن البشر لكن لا تصح في ذات الله تبارك وتعالى. وأنا لن أمل من تكرار هذا الكلام وكلما ذكره أحد سأردّ عليه وأشرحها من جديد.

القرآن يقول (إني جاعل في الأرض خليفة) لماذا لا نأخذ كلمة جاعل ونبحث فيها وفي معناها؟ وأسأل من أخصّ الخلق بمعرفة ذات الله تعالى؟ الملائكة فهل يعقل أن تفهم الملائكة أنه خليفة عن الله وتقول لله تعالى يفسد فيها ويسفك الدماء؟!. هذا مستحيل في حق الله تبارك وتعالى. كلما تذكر كلمة الله أو صفة من صفاته يجب أن نضعها على مدار ليس كمثله شيء.

وللأسف البعض يقولون أن آدم خليفة الله في الأرض كما كان الصدّيق خليفة للرسول r. شبّه هذا الرجل وهو عالم وداعية شبه الصدّيق بآدم u وشبّم محمداً r بالذات الإلهية حاشاه. هذا الكلام خطير وخطورته في مكمن العقيدة. لا تقل خليفة عن الله لأن هذا كلام لأناس لا تفهم ما تقول. لا إبن كثير قالها ولا محقق كتاب قصص القرآن ولا يقبلها أحد من أهل اللغة.

كلمة جاعل: لم يقل خالق مع أنه وردت في مواضع أخرى في القرآن الكريم (إني خالق بشراً من طين) فلماذا جاءت جاعل في سورة البقرة؟

الفعل جعل يفيد الحوّل. إسم الفاعل منه يعطي نفس الدلالة. جاعل أولاً تأتي بمعنى قاطع في أمري وتأخذ ملمحاً آخر صحيح هو في الأرض لكن لن يبدأ في الأرض. هو بدأ في الجنة وكلمة (في الأرض) في الآية تحكم واقع حال مراد الله تبارك وتعالى في القصة. وقد وردت أسئلة في الحلقة السابقة لماذا بدأنا في الجنة طالما أننا خُلٌِنا للأرض؟ نحن نقول الله تعالى لا يُسأل عما يفعل ولماذا بدأنا في الجنة لكن قد نسأل عن الحكمة ونحاول الوصول إليها على إستحياء. في السابق كانوا ينددون بما فعل آدم وكأنه شخص منفلت عن قضاء الله تعالى وقدره ولكنه u نبيّ. وقصة معصية آدم التي يتحدثون عنها إنتهت في لحظة والقرآن الكريم وضع قاعدة أصولية (أن لا تزر وازرة وزر أخرى) إذا أخطأ والدي لا أتحمل أنا وزره ولا هو يتحمل ذنبي إذا أخطأت أنا. نسأل كم استمرت معصية آدم؟ الفاء في قوله تعالى (فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)) تدل على الترتيب والتعقيب. نحن لما نقابل آدم u يوم القيامة يجب أن نشكره لأنه بمعصيته شُرِعت التوبة. البعض يسأل لم لم يعص آدم لما خرجنا من الجنة فأقول لهم من قال أننا نحن خُلِقنا للجنة؟ آدم جاء في الجنة ولكن أول إخبار عنه في القرآن (إني جاعل في الأرض خليفة) فوجوده في الجنة مرحلة إنتقالية لحكمة يجب أن نسجد لله تعالى شاكرين لأنه لولاها لما شرعت التوبة. هل كان يمكن لآدم أن لا يقع عليه قضاء الله؟ كلا ولولا المعصية لما شرعت التوبة. ولولا المعصية لما كانت بدأت الوسوسة وكيف تبدأ؟ يجب أن نسلّم لمراد الله تعالى في القصة ونأخذ العبرة. الناس تقول لو لم يعصي آدم ربه ما خرجنا من الجنة. وما يقوله البعض أنه ما كنا خرجنا هذا غير صحيح لأننا لم نُخلَق في الجنة وآدم ليس مخلوقاً للجنة . والقصة فيها حكمة أن الذي لا يسمع كلام الله تعالى سيهبط، سينزل. والقصة كانت يجب أن تحصل على مراد الله تعالى لكن نأخذ العبرة أنه إذا عصيت الله تعالى ستأخذ عقاباً وما حصل لآدم ليس عقاباً وإنما جريان القضاء والقدر.

(فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) توبة آدم حصلت لكنه لم تأخذ حيّزاً كبيراً لأن التوبة من الله توبتان كم في قوله تعالى (ثم تاب عليهم ليتوبوا) توبة الهداية هي أن يعطيك تعالى فكرة التوبة. كل منا يعصي ويخطيء ولكن لولا رحمة الله تعالى علينا لما نزعنا إلى التوبة بدليل أنه إذا شخصان فعلا نفس المعصية أحدهم يتوب والآخر لا وهذا من فضل الله تعالى ونذكر دعاء أهل الجنة في الجنة لم يقولوا الحمد لله الذي تاب علينا أو قبل توبتنا وإنما دعاؤهم (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). القرآن كله (إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) حتى لما أتوب وأفرح بتوبتي أقول الحمد لله الذي وجّهني لها وشرعها.

سؤال: ما الحكمة من استعمال كلمة خليفة؟ ولم يستعمل كلمة خلائف أو خلفاء مثلاً مع أنها وردت في آيات أخرى؟

أول الخلق مفرد (إني جاعل في الأرض خليفة) وآدم أول الخلق. وهذه قضية ثانية أبو البشر وهناك من يشتم الدكتور عبد الصبور شاهين على كتابه أبي آدم والمحقق للأسف شتم الدكتور وما كان يجب أن يحصل هذا بين العلماء. وما قاله الدكتور عبد الصبور شاهين فيه كثير من الأشياء الصحيحة وفيه خطأ وهو اجتهد وقال في لقاء استضفته فيه أنه يقبل بنصف أجر. لكن أن أشتم أستاذاً وعو عالم لغة وله أيادي بيضاء على الدعوة وهو من البقية الصالحة من علمائنا فهل نترك كل ما فعله الرجل ونمسك له غلطة واحدة؟! نحن لسنا بوابين جنة ونار ولكن هذا دأب بعض الناس وقد أختلف مع الدكتور عبد الصبور في طرحه ولكني أقبل يده في كل حال.

(أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) جاءت بالإفراد أيضاً بوصف آدم أبو البشر.

سؤال: هل كان هناك خلق قبل آدم؟ والقرآن الكريم استخدم كلمة البشر والناس والبرية.

الخلق قبل آدم قصة لا تعنينا والتسلسل يستحيل عقلاً لأنه لو أخبرتني أن لآدم أب سأسأل من أبوه وهكذا إلى أن نصل إلى بداية الخلق ويجب أن نقف عند نقطة فلماذا لا نجعلها عند آدم وانتهى الأمر؟ آدم أول الخلق الذي جئنا منه ولا يسبقه خلق مثلنا. قد يكون هناك مخلوقات أخرى لا يعلمها إلا الله تعالى لكنه لم يخبرنا بها فليس لنا علاقة بهم. ونقول للذي يريد أن يجتهد أن يجتهد في النص لا مع النص.

وما قالته الملائكةأفهمه أنا أن طبيعة الذي سيكون في الأرض سيفسد والجنّ فعل ذلك قبل البشر وانتهى الأمر. هذا الكتاب إيماني وعلينا أن نسلّم ولا نقول لماذا قال كذا ولم يقل كذا؟ والله تعالى لا يُسأل عما يفعل والبديع في القرآن الكريم أن الجمل متّسقة بطريقة لأننا لما ننتقل إلى سورة أخرى سنجد ألفاظاً جديدة ستظهر.

سؤال: لماذا تفرّدت آيات سورة البقرة بمجموعة ملامح لم ترد في سورة أخرى ؟

لأنه لو أن عشرة أشخاص رأوا حادثة ما ثم طلبت منهم أن يخبروك بما رأوا فكل واحدة سيروي القصة من زاويته هو لكن عندما يخبرنا الله تعالى بالقصة فهم العليم الحكيم الخبير المهيمن ولهذا الحق تبارك وتعالى في بعض آيات القرآن يطلق لفظاً معجزاً لرسول الله r الذي وُلِد في عام الفيل (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) كيف يرى ما حدث وهو r وُلِد في عام الفيل؟ لكن الذي سيخبره هو رب العالمين المهيمن وثم يحكي لك حكاية في أكثر من سورة ولما تجمع كل الملامح لتجد القصة متكاملة.

سؤال: سورة البقرة تناولت حوار الله تعالى مع الملائكة وحوار الله تعالى مع آدم ثم تحذير آدم من إبليس وردّ الملائكة على الله تعالى والفساد وسفك الدماء فلماذا جاء هذا الوصفان (الإفساد وسفك الدماء) في سورة البقرة تحديداً؟ أما باقي سورة القرآن الست التي فيها قصة آدم نجد فيها ملامح أخرى لم ترد في سورة البقرة؟ علماً أن سورة البقرة هي  87 من حيث التنزيل ولكنها الثانية من حيث الترتيب؟

في سورة البقرة أعطانا الله تبارك وتعالى الملامح العامة (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) وأعطانا رد الملائكة (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) وأهطانا جزئية هامة لم ترد في أية سورة (وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة الحكيم) هذا ملمح في منتهى الخطورة ثم أعطى أمر الله تعالى للملائكة بالسجود وظهرت حواء في الأمر بالسكن (اسكن أنت وزوجك الجنة) ثم الملامح العامة (فوسوس لهما) (فأزلهما) بطريقة إجمالية ثم مشروعية التوبة (فتلقى آدم من ربه كلمات). الحوار مع إبليس تفصيل للمجمل لذا لم يرد في سورة البقرة. القرآن يأتي بالمجمل أولاً ثم يفصّله في باقي السور. ساعة ما يخطيء أحدنا المهم عنده التوبة لكن لا يهمني كيف تمّت وفي سورة النساء قال تعالى (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب) أي بعد المعصية مباشرة وأنا أقول يا ليت التوبة تكون في مجلس المعصية نفسه لأنك لا تضمن أن تخرج منه حياً. لذا جاءت التوبة في سورة البقرة وتحققت بسرعة (فتاب عليه). وفي سورة التوبة (ثم تاب عليهم ليتوبوا) فالتوبة توبة دلالة ثم يتب فيقبلها. لم يقل في الآية أنه تاب مرة ثانية وهذا دليل أنه أول ما وجّهك للتوبة تاب عليك.

سؤال: ما دلالة استخدام الصفتين الإفساد وسفك الدماء تحديداً؟

أول معصية على الأرض سفك الدماء حين قتل قابيل أخاه هابيل. بدأت الحياة من ذرية آدم فأول غلطة كانت سفك دماء. والملائكة لما قالتها (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) سفك الدماء جزء الفساد أي تفصيل فالإجمالي أي الفساد يأتي أولاً. الفساد لا يكون سفك دماء فقط وإنما هناك فساد آخر. سفك الدماء لتعظيم المعصية وفي سورة الفرقان جاء قتل النفس مباشرة بعد الشرك بالله (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68)) لأن القتل خطير لأنه نقض للحياة التي هي لله عز وجل.

( من يفسد فيها) هذا ليس إعتراضاً وإنما سؤال من الملائكة للإستعلام والإستفهام وليس عيباً أن أستفهم لأنه لو كان عيباً لما ذكره القرآن لأنه يعرض الواقعة حتى نستفيد منها.

سؤال: قول الملائكة (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) آدم بالقطع عُلّم الأسماء كلها وعلم هذه اشياء وعلّمها إلى إبنائه وهم عاصروه وكانوا حديثي عهد بما حصل معه وتعلموا منه فأين كان عقل قابيل؟ وهل الشيطان يعمل بالإنسان لهذه الدرجة؟

رُبّ قاريء للقرآن والقرآن يلعنه. هذه القضية تخيف أنت تضع كل ما تفعله على ميزان لا إله إلا الله محمد رسول الله. قابيل كان قريب عهد بآدم وأول ما بدأت الحياة خالف أمره أما أخوه هابيل فلم يفعل (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) المائدة) واحد أخطأ والثاني لم يخطيء، واحد يؤثر فيه الكلام وغيره لا وهذا يحدث دائماً لأنه طالما يوجد دنيا طالما هناك فساد. ونسأل هنا أيهما جاء أولاً قتل النفس أو مخالفة المنهج؟ مخالفة المنهج جاء أولاً لأن قابيل رفض الزواج من أخته التي أحلها له الله تعالى. هذا الفساد لأن كل مخالفة منهج يأتي عليك بالفساد لذا القرآن صارم في تعليماته (تلك حدود الله فلا تقربوها) يجب أن نلتزم المنهج.

سؤال: (وإذ قال ربك للملائكة) الحوار مع الرسول r ثم جاء قوله تعالى (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك) فلماذا تغيّر صيغة الخطاب في (قلنا)؟

لأن هذه داخل الواقعة.

سؤال: هل هناك دلالة لعدم الكلام عن حواء؟

الدلالة أن الله تعالى إذا أراد أمراً فيه خلق يجعل الذكر والأنثى فساعة يخلق النبات يكون ذكر وأنثى أي زوجين، حيوان زوجين، إنسان زوجين فلا داعي لتكرار الكلام عنها. خلقها هو خلق آدم لأنه الزوج ولا داعي للكلام عنها لأنه سيكون تكراراً وسيعيد الكلام خلقها من صلصال من حمأ مسنون نفس الحكاية.

سؤال: هل هناك فترة زمنية محددة بين دخول آدم الجنة وبين نسيان آدم أمر الله تعالى له؟

المدة غير معروفة. والبعض ممن يشتغلون بالإعجاز العددي في القرآن عن طريق ربط أرقام الآيات والسور ونحوها نقول له هل علّمنا رسول الله r هذا. فهذه إذن مخالفة للمنهج. نحن عندنا حرف الفاء الذي يفيد الترتيب والتغقيب وحرف ثم يفيد الترتيب والتراخي وتعطي فترة لكن كم؟ لا نعرف.

(فتكونا من الظالمين) أعطاهم النتيجة والظلم أبشع أنواعه هو ظلم النفس. (فأزلهما) الفاء للسرعة وأنا آخذ من وجود الفاء أن الشيطان لا يتركك أبداً وإنما يبادر للوسوسة مباشرة. مجرد أن ينوي الإنسان الصيام مثلاً يأتيه الشيطان دون أن يترك له فترة ليتمتع بالعبادة. الفاء ملمحها خطير ولذا نقول للناس وأنتم في الصلاة أُذكروا هذا الأمر. علينا أن نذكر أنه من حام حول الحمى وقع فيها فالشيطان يستدرج الإنسان. وطالما قال تعالى لا تقرب فعليك أن تسمع التعليمات ولا تقرب. لا تحتاج معرفة كم سنة وغيرها لأن الشيطان لن يترك الإنسان لأنه بمجرد أن يراه يعمل شراً يتركه وأول ما يراه يعمل خيراً يوقعه.

 

بُثّت الحلقة بتاريخ 5/6/2006م



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل